جدول عادي طالما كانت المساجد في فلسطين متألقة وهي تأخذ دورها في توجيه أبناء فلسطين نحو الإيمان والعبادة والعلم والكرامة والحرية وكثيرا ما كان ينظر إلى رواد المساجد على أنهم صفوة…
طالما كانت المساجد في فلسطين متألقة وهي تأخذ دورها في توجيه أبناء فلسطين نحو الإيمان والعبادة والعلم والكرامة والحرية، وكثيراً ما كان ينظر إلى رواد المساجد على أنهم صفوة المجتمع وخاصة الشباب منهم، لأن ارتياد المساجد يعطي صاحبه نوراً من الله تبارك وتعالى واحتراماً من الناس كل الناس الأعداء منهم قبل الأصدقاء والأهل والإخوان، ولن أستطيع من خلال هذه الكلمات حصر عظمة المسجد في بناء الشخصية المسلمة أو حتى المجتمع المسلم، وتمتين العلاقة بين الإنسان وربه في بيت الله تبارك وتعالى.
لكن الذي يجري الآن في مساجدنا يضرب في العلاقة مع المسجد ودوره في تربية وتوجيه المسلمين التوجيه الرباني والتربية الإيمانية السليمة، وذلك من خلال القوانين والتعليمات التي تتسابق الوزارات والدوائر الحكومية والأجهزة الأمنية المختلفة بإصدارها، ليس من أجل تعزيز دور المسجد في بناء المجتمع وتوجيه رواد المساجد للاستفادة من بيوت الله، وإنما العكس تماما هو الذي يجري، تحت حجج أمنية تارة، وإدارية تارة أخرى، وكيدية في أحيان مختلفة، لكنها دائماً تلبس عباءة التوجيه الحزبي الذي يستظل بمظلة الرؤيا السياسية المتذرعة بحالة الانقسام، فإذا تناولنا إحدى التعميمات الكثيرة والكثيرة جدا والتي تدعو الأئمة لعدم تسييس المساجد والابتعاد عن المواقف الحزبية على المنابر، نرى القائمين على إصدار هذه التعميمات أنفسهم يوجه العلماء والأئمة تحت طائلة العقوبة بتبني وجهة نظر ذاك السياسي أو تلك الجهة الحزبية، متوعدين من يرفض بالموت والثبور وعظائم الأمور، والتي يكون أقلها الاعتقال والفصل التعسفي من الوظيفة، ليقف هذا العالم (الموظف) في حيرة من أمره، فهل ينفذ التعليمات الأولى والتي تشدد عليه وتتوعده إن هو تطرق للسياسة أو للمواقف الحزبية، أو ينفذ التعليمات الأخرى والتي تتوعده إن لم يتبنى الموقف السياسي في التعليمات الجديدة، أي أن المطلوب من أئمة المساجد وعلماء المسلمين كالعاملين في بعض الدوائر الأمنية هو أن يعمل منفذا للأوامر فقط، ساحبين منه علمه وحتى عقله ليقف هؤلاء العلماء (الموظفين) حيرى أمام هذا السير الجارف من التعليمات أو قل إن شئت (العقوبات) التي تصدرها وزارة الأوقاف أو من يتطوع من مديريات الأوقاف بابتكارها ضد المساجد وموظفيها.
وفي هذا السياق وعلى لسان وزير الأوقاف، والذي قال في إحدى المقابلات الإعلامية بأن وزارته قامت بتعيين أكثر من (1400) موظف جديد للإمامة والخطابة ومتابعة المساجد مبتعدين والقول للوزير عن موضوع الأهلية (أي الدراسة الشرعية) الجامعية لأن معظم هؤلاء المؤهلين معارضين للسلطة حسب قوله، أي أن المعارض للسلطة ممنوع من التوظيف مخالفاً بذلك أول مبادئ الحرية والعدالة التي يحلم بها كل فلسطيني اكتوى من نار الاحتلال الذي كان ولا يزال يفصل الموظفين بسبب معارضتهم للاحتلال وحتى يمنع المرضى من العلاج لأسباب أقل من ذلك بكثير، فإذا كان أهم شروط التوظيف هي الكفاءة والأهلية في كل دوائر الحكومات في العالم فلماذا يلغي هذه الشروط؟ أم هل هي مقدمة لإلغاء كليات الشريعة والدراسات الإسلامية لأنها تحرض ضد الظلم وتدعو إلى الحرية.
وهنا لن أتطرق إلى المستوى الذي وصلت إليه وزارة الأوقاف بإجبارها للعلماء على السب والقذف للشيخ القرضاوي بسبب موقفه من الرئيس الفلسطيني، لأن هذا الأمر كان من الأفضل لوزارة الأوقاف أن تبتعد عنه وتترك الردود على تلك المواقف لرجال السياسة والذي تفنن وتخصص بعضهم في الشتم والسباب، لكن الذي أنهي به حديثي هو الملاحقة الأمنية في هذه المرة من قبل أجهزة الأمن المختلفة وليس من قبل وزارة الأوقاف والتي يبدو أنها أعطت تفويضاً مطلقاً للأجهزة الأمنية باقتحام المساجد وتدمير حلقات تعليم القرآن الكريم حفظاً وتجويداً وكأن هذه الحلقات هي العدو الأول لهذه الأجهزة والتي قامت باعتقال حتى الأطفال من المنتسبين لهذه الجلسات القرآنية، وأمام هذه الملاحقة لم نر أي مسؤول في وزارة الأوقاف ودوائرها يتصدى لهذه الهجمة الأمنية الشرسة وكأنها تقسيم أدوار كل يضرب في المسجد من ناحيته.
وهنا لن أتحدث عن اقتحامات عديدة لبيوت الله عز وجل تجرى هنا وهناك بحجة البحث عن مواد تحريضية كانت قبل أشهر أدوات نضالية، لكنها الآن بفضل يقظة وزارة الأوقاف ويبدو تغيير في عقلية القائمين عليها أصبح كل من ليس مع هذه السلطة فهو ضدها ويجب أن يحارب، فهل هذه هي الثقافة التي تتبناها وزارة الأوقاف والأجهزة الأمنية ضد المساجد، مذكراً أن هذه السياسة الظلامية قد فشلت في كل دول العالم وأشكك كثيرا بقدرة غير المؤهلين علمياً أو إدارياً أو حتى تنظيمياً من تنفيذ هذه السياسة التي تغضب الله أولاً وتغضب أولياء الله ثانياً.
وحسبنا الله ونعم الوكيل