حسين الأجرب شقيق وخال شهيد ومضيف العياش

الوزير الأسير وصفي قبها
2010-02-03

الأسير حسين الأجرب إن أبناء الحركة الإسلامية وهم يشقون طريقهم نحو المعالي يحملون رسالة الإسلام منطلقاتهم إسلامية وحياتهم بالإسلام وللإسلام فهم وعلى الدوام يستشعرون جلال العقيدة…

 الأسير حسين الأجرب

إن أبناء الحركة الإسلامية وهم يشقون طريقهم نحو المعالي يحملون رسالة الإسلام ، منطلقاتهم إسلامية ، وحياتهم بالإسلام وللإسلام ، فهم وعلى الدوام يستشعرون جلال العقيدة التي شرح الله بها صدورهم وجمع عليها أمرهم ، فلهم صفات وخصال يتميزون بها عن غيرهم ، تراهم أبعد ما يكونون عن الرذائل ومفاتن الدنيا وزخارفها ، فالتطهر عندهم بالقول والفعل ، وهم الذين نفضوا غبار النوم عن أنفسهم ، لا يهابون الموت ، لا بل يتمنونه في سبيل الله ،تراهم هبَّوا مثل تيار عنيف إذا دعاهم في الدجى داعي المعالي ، هؤلاء المجاهدون يعيشون في ظلال الوحي ، وفي ظلال الصوارم والرماح ، هم أبناء الحماس الذين أيقظهم أذان الفجر شموساَ ، وهم بسمة من ثغر دهر ، وهم حلم تاريخ ، هم أمل الأمة ، هم الرجال الرجال الذين بهم سيعود لفلسطين حقها وطهرها ومجدها ، وهم الشموع التي لا تنطفئ وتضيء سماء الوطن بالحق الصداح ، بدمائهم يخضبون ثرى الوطن وبأريج الأحمر القاني يعبقون هواءه بالمسك ، وهم الذين يصنعون للوطن استقلاله وللشعب حريته ، فما أجمل سربهم ، وما أنقى وأطهر صفهم ، وما أجمل منظرهم ومشهدهم تراهم متكاتفين يسودهم ويقودهم هدف بديع ، امتشقوا سلاح الإصلاح للقضاء على الفساد الذي استبد بكل ريع ، وبسلاح الحق مضوا للقضاء على اللصوص ، على المارقين ، على المتخاذلين ، على كل سمسار خليع ، ما أجملهم وكل واحد منهم على ثغرة من ثغور الوطن ، فهذا يزرع وذاك يبني ، ذاك يقاوم ، وهذا يحمي ، وقد جسدوا شعارهم على الواقع ، يد تزرع وتبني .. ويد تقاوم وتحمي !.

 

إن حماس اليوم وبقيادتها الإسلامية الفذة ترفض الاستسلام بالرغم من عظم حجم المؤامرات لا تلين ولا تستكين ، متمسكة بالثوابت والمبادئ ، لا تساوم ولا تهادن ، بمواقفها الراسخة وبعطاءاتها وتضحياتها قد أعادت الثقة المفقودة في قلوب الأمة ، لقد نفخت فيهم روح التصميم على المضي في طريق ذات الشوكة حتى النصر وهي التي قدمت نموذجاً من الصبر والصمود والتحدي في معركة الفرقان حيث تصدوا لأعتى قوة عسكرية في المنطقة وحطموا أسطورتها على صخرة صمودهم وتمسكهم بحقهم ، هذا الحق الذي هو بحاجة إلى سواعد قوية تحمله وتدفع به الباطل بشجاعة وعزيمة وإصرار ، فكان الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية – حماس ومعه الشرفاء والأحرار من المقاومين النموذج الذي ضرب ذلك المثل في الشجاعة والإقدام والصمود ، وصاحب الحق العامر قلبه بالإيمان ولا يستكين ولا يلين ولا يخور عزمه .  

 

إن حماس اليوم وأكثر من أي وقت مضى أمام مسؤولية كبرى فمرابطوها ومجاهدوها قد سطروا أسطورة في الصمود والمقاومة فنالوا ثواب المرابطين وأجر المجاهدين الصابرين ، فازدادت شعبيتهم وتعززت مصداقيتهم ، فالشعب لا بل الأمة تعقد الأمل عليهم لا على غيرهم من الذين لا تلتهب نفوسهم حماسة للأرض والمقدسات ، ولا تتمعر وجوههم وهم يرون الاحتلال يستبيح كل شيء ، ولا تهتز مشاعرهم وهم يرون غزة هاشم تحرق بالفسفور الأبيض والدايم ، تراهم يطعنون بالمقاومة ويزايدون عليها لا بل يتطاولون عليها وهم يصفون العمليات الجهادية بالحقيرة تارة وبالعبثية تارة أخرى ، مثل هؤلاء في ظل القتل الذي يتعرض له شعبهم ينسقون مع الاحتلال ويلتقون به فلا ينعقد الرجاء عليهم ولا يتحقق على أيديهم عز ولا انتصار ، لذلك حماس تقاوم وتجاهد وهناك من تعلق بالقعود ، حماس تتلذذ بالأذى في سبيل الله على أيدي المحتلين وأبناء الجلدة ، بينما ذوو القربى يتلذذون بتعذيب أبناء الحماس ويتلذذون بالرقود ، حماس تذود عن الحياض ، بينما هناك من يتآمر ولا يذود ، حماس تحملت المسؤولية فشمّر مجاهدوها عن سواعد الجد والعمل وألقوا الراحة جانباً وتركوا عهد النوم فتمسكوا بالحق الفلسطيني وتحملوا أعباء المسوؤلية ، مجاهدون بأنفسهم ويجودون بها رخيصة ، وهم يدركون أن الذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا ، استطاعوا أن يغيروا مجرى التاريخ ، حماس وهي تدفع بقطرات دمها وأعز ما تملك من شبابها المجاهدين خلف قضبان سجون الاحتلال وفي أقبية تحقيق السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ، لقد أعطوا الضريبة للقضية الفلسطينية مرتين عند الاحتلال وعند ذوي القربى ، وما يثبطهم ذلك من بذل أسباب النصر والتمكين وفي مقدمتها التضحية والبذل وتقديم النفس والمال والوقت بطيبة نفس واستبشار لنيل إحدى الحُسنيين .

 

إن شباب حماس وهم يقدمون زهرات شبابهم ويضحون بسني عمرهم يقدمون صوراً أخرى من التضحيات بالمال والنفس ، تضحية بالجهود ، تضحية بالكفاءات الفكرية ، تضحية بالمستقبل اللامع ، تضحية بالأماني والآمال وتضحية بالوقت الثمين .

 

التقيت بالعشرات منهم خلف قضبان سجون الاحتلال بذلوا العافية والصحة وها هم يعانون آلاماً وأوجاعاً غرسها في أجسادهم أبناء جلدتنا من المناضلين والثوريين الجدد ، وفي سجن النقب الصحراوي الذي يضم في جنباته وخلف أسواره وجدرانه الإسمنتية العالية أبطالاً وشموعاً ذابت أعمارهم في دروب الكفاح وعلى طريق ذات الشوكة لتنير الطريق لمن خلفهم من بعدهم من الأجيال المؤمنة الطاهرة .

 

إنني وبكل فخر يشرفني ويسعدني أن أقدم الشمعة الخامسة من شموع لا تنطفئ بطلاً لطالما سمعنا عنه وعن مواقفه وتضحياته وما تعرض له في سجون السلطة من تعذيب شديد مما سبب له أوجاعاً وآلاماً أدخلته المستشفى فأجريت له ثلاث عمليات ، أقدّم المجاهد الأسير حسين يعقوب مصطفى الأجرب " أبو أحمد " شقيق الشهيد ، وخال الشهيد ، وصديق الشهيد , وأنيس المطاردين ، ومضيف العياش ، هذا الرجل صاحب الروح الشفافة والمشاعر الرقيقة الذي لا يتحمل المشاعر الإنسانية والعاطفية فعلى الدوام وأمام مثل هذه المواقف والمشاهد تجود عيناه بالدمع فيلتزم الصمت ولا يقدر على البوح بشيء إلاَّ من خلال دموعه التي تنهمر على وجنتيه ، حسين الأجرب " أبو أحمد " الذي اكتوى بنار الاحتلال مرات ومرات ، وتلظى بجمر السلطة الفلسطينية فتركته محروق القلب يتوجع حيث الآلام النفسية والجسدية ، ورغم كل ذلك فهو يصر على المضي قدماً على درب ذات الشوكة رغم الجراحات والآلام ، والقناعة لديه راسخة أنه ومهما طال زمن الاحتلال وجرائمه فهو إلى زوال ، ومهما طال ظلم ذوي القربى فهو وبإذن الله إلى نهاية .

 

بعد أقل من خمسة عشر عاماً على مجزرة " قبية " المروّعة على يدي النازي " أرييل شارون " أبصر مجاهدنا حسين يعقوب الأجرب " أبو أحمد " النور بتاريخ 18-3-1966 جاء أبو أحمد إلى الدنيا في قبيا هذه البلدة التي تطل على الساحل الفلسطيني حيث تقع إلى الغرب من مدينة رام الله وتبعد عنها حوالي 23كم ، وعلى من يقصد هذه القرية الرائعة بروعة أهلها وعائلاتها ومجاهديها ومنطلقاً من رام الله أن يمرَّ عبر بيتونيا وعين عريك وكفر نعمة ورأس كركر ودير قديس ونعلين وتكون المحطة النهائية " قبيا " حيث كانت تتبع قضاء الرملة قبل عام 1948 حيث لا تبعد عن اللد سوى 11 كم إلى الشمال الشرقي منها ، ومساحة هذه البلد حوالي 16000دونم ، ويبلغ عدد سكانها حوالي 5000 نسمة ، ويوجد مثلهم مهجرين في مختلف مواقع الشتات الفلسطيني ، وأكبر عائلات وعشائر هذه البلدة هي عائلة وعشيرة الأجرب ، هذه العائلة التي يعود قسم منهم إلى جزيرة " جربة " في تونس .

 

هذه البلدة التي تطل على الساحل الفلسطيني حيث مدن الرملة واللد ومتولا ودير طريف ، بيت نبالا والطيرة وهناك قرى تمَّ تهجير سكانها قسراً .

 

أبو أحمد الذي استقبلته لعنات المحتل في العام التالي بسقوط قريته وباقي الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال الصهيوني عام 1967 ، ولتبدأ حياة مجاهدنا " أبي أحمد " بمحطات مختلفة من العذاب والألم بفعل هذا الاحتلال اللعين ، فلم تسعف الظروف مجاهدنا أن يعيش كما يعيش بقية أطفال العالم متنقلاً بين مقاعد الدراسة ولعب الأطفال ، فقد خطفت وحشية المحتل الطفولة من أبي أحمد ، وحرمته من الالتحاق بالدراسة كسائر أطفال العالم ، ليبدأ فتىً يتيماً يشق طريقه كما الرجال باحثاً لأسرته التي هدَّها يُتم الوالد عن قوت يومه وبعيداً عن مقاعد الدراسة ، فقد كان عمره ست سنوات عندما توفى والده عام 1972 وترك أولاداً ثمانية تتولى رعايتهم وتربيتهم أم صابرة ومحتسبة ، ستة من الذكور وبنتين كان أبو أحمد الخامس بعد ولدين وابنتين .

 

لقد بدأ مجاهدنا مشواره الطفولي راعياً للغنم في حقول القرية حيث أن العائلة كانت تعتاش من عائدات ومنتجات الأغنام وتربيتها للمواشي ، الجانب الذي تولاه أبو أحمد مطلاً من قريته الحدودية على قرى الساحل المحتل والمهجَّر ، بيت نبالا ويازور واللد القريبة لقرية قبيا الحدودية معها كما ذكرت آنفاً ، بدأ راعياً في فلوات تلك القرى مستشعراُ بكل تفاصيلها طفولته وبراءته بالظلم الواقع على شعبه الذي كتب عليه التنقل بين المنافي في مخيمات اللجوء والشتات ، هذا الشعب الذي اقتلع من أرضه وبياراته وحياته ، حاملاً بين جوانحه حبه لهذا الوطن وكرهه للمحتل الغاشم ، فوالده الناجي من مذبحة قبيا الشهيرة غرس فيه وفي إخوانه حب الوطن وقدسية الانتماء له قبل أن يرحل عن الدنيا تاركاً خلفه ستة من الأبناء وابنتين .

 

ومجزرة قبيا قاد عملية تنفيذها أرئيل شارون حيث كان يقود الوحدة 101 وكانت هذه القوة تتألف من 600 جندي حيث تم تطويق قرى شقبا وبدرس ونعلين لمنع تحركات النجدات للقرية ، وبعد عزل القرية تماماً عن القرى المجاورة بدأت مدافع الهاون تقذف بحممها على البيوت الآمنة حيث قصفت القرية بطريقة عشوائية تعكس النازية بثوب جديد حيث نسفت البيوت فوق رؤوس أصحابها حيث هدِّم ستة وخمسون بيتاً بالإضافة إلى مسجد ومدرستين وخزان مياه الذي يزود القرية بالماء ، فقد بلغ عدد الشهداء في هذه المجزرة إلى سبعة وستين شهيداً بينهم أفراد عائلة كاملة من عائلة قادوس ، وقد أعطى رأس الأفعى دافيد بن غوريون الأوامر لتنفيذ المجزرة .

 

لقد بزغت شمس ذلك اليوم 14-10-1953 على رائحة الدم والبارود حيث جثث الضحايا من الأطفال والشيوخ والنساء وقد طرزت أجسادهم برصاص اليهود الغادرين ، وهناك عدد من أبناء قبيا قد لقوا حتفهم تحت الردم ، فرائحة لا زالت تعبق بروائح المسك في أجواء قبيا حيث ومع كل بداية موسم قطف زيتون يتذكر الآباء والأمهات والأجداد ذلك اليوم الدامي حيث لم تسلم أيضاً الماشية والحيوانات في القرية التي كان عددها أصلاً محدوداً ، فأرادوا أن يشلوا أيضاً حركة الأهالي للحيلولة دون نقل الجرحى والمصابين إلى رام الله لتلقي العلاجات المناسبة ، لقد لملمت هذه القرية المجاهدة جراحها وأفاقت من هول الصدمة وآلام الغدر الذي اعتاد عليه المغتصبون لأرضنا يوم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ووأد دولة الإسلام الناشئة في مهدها ، فهم كذلك كما وصفهم القرآن الغدر ميزتهم والقتل ديدنهم حيث لا يحبون الخير للبشرية ، وإذا ما تحدثت إلى أحد أهالي قبيا يفيض عليك مما شاهده وعايشه أو سمعه عن والده أو جده حيث الذكريات المؤلمة لدى الكثير من العائلات الفلسطينية الذين فقدوا أحبتهم بسبب المجازر التي ارتكبها عصابات يهود المستوطنين ، وعلى مدار حوالي سبعة وأربعين عاماً لازالت الأجيال تتحدث عن همجية يهود واستباحتهم لدماء الأطفال ونحن نعيش ذكرى معركة الفرقان نستذكر تلك الرصاصات الغادرة التي مزقت أجساد ثلاثة أطفال أشقاء لم يتجاوز سن أكبرهم الثلاث سنوات ووالدهم يشير إلى تلك الأجساد الغضة الطرية ويتساءل ماذا فعل هؤلاء الأطفال حتى يقتلوا بهذه الطريقة البشعة وكان يتحدث يومها باللغة العبرية ، أستذكر الطفلة جميلة الهباش التي فقدت ساقيها ، ولكنها لم تفقد بسمتها التي ورغم الألم والجراح لم تفارق شفتيها ، أستذكر الطفل لؤي صبح الذي فقد عينيه وقد حرق جسده بفسفورهم النازي ، وكيف كان يتحدث حديث الرجال الواثقين بنصر الله الراضين بما أصابهم بصبر واحتساب يعجز عنه الكبار ، أستذكر أن أكثر من نصف الشهداء في معركة الفرقان هم من النساء والأطفال ، هذه الجرائم وهذه المجازر هي امتداد لتلك المجازر التي اقترفتها أياديهم الآثمة من خلال عصاباتهم شتيرن والأرغون ، والهاغاناة وايتسل وغيرها  لقد وصل عدد شهداء المجزرة التي اقترفها الاحتلال وعلى مدار 22 يوماً في غزة هاشم حوالي 1450 شهيداً نصفهم من الأطفال والنساء .

 

لقد أطلق الفلسطينيون على قبيا مدينة قبيا الشهيدة ، قبيا التي لم تنتصر لها العروبة كما لم تنتصر لغزة المحاصرة والتي تقتل صباح مساء تحت سمعهم وبصرهم ، بل يشاركون بذبح غزة كما ذبح شارون قبيا ، فهذه الحكومة المصرية تقوم بإنشاء وبناء جدار الموت والعار ، جدار الإبادة الجماعية لمزيد من خنق غزة ومنع وصول احتياجاتها عبر الأنفاق ، فبدلاً من أن يفتحوا معبر رفح ويغيثوا غزة ويمدوها بشريان الحياة يضيقون عليها ويخنقونها بمواقفهم وممارساتهم وأفعالهم من خلال الجدار ، أما المؤسسات الأممية التي تصمت اليوم على ما يجري من قتل وإبادة جماعية في غزة وبطرق وصور مخالفة لأعرافهم وقوانينهم التي يطبقونها على شعوب ترتفع أصواتهم ويغيبونها عندما تتعلق الأمور بالشعب الفلسطيني ، أما يوم مجزرة قبيا فقد كان الموقف الأممي مخزٍ جداً يعبر عن تآمر دولي على الشعب الفلسطيني ويعطي الضوء الأخضر ويوفر الغطاء لعصابات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه لاقتراف مزيد من الجرائم ومصادرة الأراضي وتهويد القدس ، لقد اعتبرت المؤسسات الأممية يومها أن العمل يتناقض مع التزامات الطرفين ( يعني الأردن والمحتل الإسرائيلي ) بموجب اتفاقية الهدنة العامة بين الطرفين ، كما وأعرب مجلس الأمن عن أقوى إدانة لهذا العمل الذي لا يمكن إلاَّ أن يخل بفرص التسوية السلمية التي على الطرفين السعي لها وفق الميثاق ويدعو الطرف الإسرائيلي إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمنع مثل هذه الأعمال في المستقبل ، لكِ الله يا قبيا الشهيدة ، لكِ الله يا قبيا الشهداء والجهاد والمجاهدين ، قبيا التغيير والإصلاح ، قبيا الحماس ، هذه البلدة التي عُرفت بمجاهديها الكبار ، فهذا الشيخ سليمان دلول ( غيظان ) ، والمجاهد الشهيد أحمد يعقوب الأجرب شقيق شمعتنا الخامسة حسين يعقوب الأجرب المكنى بأبي أحمد تيمناً بالشهيد ، والمجاهد الشهيد محمد سمير الحلحولي ابن شقيقة شمعتنا أيضاً ، والشهيد الرفيق البطل ماجد غيظان ، قبيا الأسير المجاهد راتب عبد الله زيدان المولود يوم 24-6-1977 والذي قام بعملية جهادية في ذكرى مجزرة قبيا حيث انتقم لدماء شهداء قبيا وعلى طريقته الخاصة حيث قام بدهس أربعة مستوطنين حيث اعتقل وعلى الفور بعد مطاردته بتاريخ 11-10-1990 وحكم عليه مدى الحياة ، وهو متزوج وله خمسة أبناء وهم عبد الله وعقبة ومحمد وأسيد وعكرمة ، وها هو قد دخل عامة التاسع عشر ولا يزال يربض خلف القضبان ويرسف بقيوده ، ولكن الأمل يحدوه حيث تدق الحرية باب زنزانته ، بلد الأسير المجاهد نايف رضوان غيظان ، والأسير المجاهد خالد غيظان حيث يقضي كل واحد منهما حكماً بالسجن المؤبد مرتين بالإضافة إلى عشرين سنة إضافية وهما من خلية (عَمِلَتْ) وتواصلت مع عدد من قيادات الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية – حماس كتائب الشهيد عز الدين القسام وكانت لهما علاقات مع الأسير المجاهد حاتم إسماعيل ومحكوم 20 سنة ، وعبد الناصر عيسى محكوم مدى الحياة والشهيد سعد الدين العرابيد من غزة .

 

ما أروع قبيا وهي تحتضن مسجدين كبيرين مسجد شهداء قبيا ، ومسجد الشهيد سليمان دلول ( غيظان ) ، ما أروع سكانها بمختلف عائلاتهم وهم يدفعون بأبناء الحركة الإسلامية إلى مجلس بلدي قبيا في الانتخابات ما قبل المرحلة الأخيرة ، والتي حصلت بتاريخ 29-9-2005م ، هذا المجلس الذي تأسس عام 1995 حيث حصلت الحركة الإسلامية يومها على سبعة مقاعد من أصل إحدى عشر مقعداً بينما حصلت فتح على ثلاثة مقاعد ، وذهب المقعد الحادي عشر لأحد المستقلين لقد كان يوم 29-9-2005 عرساً وطنياً بامتياز حيث كشفت قبيا عن هويتها الأصلية ، وعكست انتماءها للإسلام من خلال توصيتها لحماس ، حيث حصدت الحركة الإسلامية 60% من عدد الأصوات التي شاركت في الانتخابات بينما حصلت فتح على 29% من عدد المصوتين ، بينما ذهبت 11% من الأصوات للمرشح المستقل والأوراق البيضاء وتلك الملغاة ، هذه قبيا ، وهذا لونها أخضر فاقع ، قلبها ينبض بالإيمان والوحدانية ، وعطاؤها مستمر وبلا حدود ، تدفع بالشهداء والأسرى ، وحسين يعقوب مصطفى الأجرب " أبو أحمد " هو من تلك الطينة المجبولة بالقيم الإسلامية والوطنية والأخلاقية ، ومن تلك المعادن النفيسة التي لا تزان إلاَّ بميزان الذهب ، فكل المجاهدين وكل أبناء الحركة الإسلامية وبغض النظر عن مواقع مسؤولياتهم ومواقع عملهم ومؤهلاتهم العلمية ، فالجميع قدوات ، والجميع منارات هدى ، والجميع أقمار جميلة في سماء الوطن ، والجميع شموع لا تنطفئ تبدد حلكة الليل البهيم لتفصح عن طريق الحرية ،حسين يعقوب الأجرب " أبو أحمد " هو شمعة من هذه الشموع التي تحترق من أجل حرية الوطن واستقلاله ، ومن أجل حرية وخدمة الشعب الفلسطيني دون تمييز ودون تحيز لعائلة أو قريب أو تنظيم .

 

ما أجمل أهالي قبيا وما أروعهم ، لقد تعرفت على مجاهديها الذين جمعتني بهم قيود الاحتلال ، شباب أروع ما يكون الشباب ، الإخلاص والعطاء والتضحية ، وحسن التعامل أهم ما يميزهم ، وما الشمعة المضيئة حسين يعقوب الأجرب إلاَّ أحد هؤلاء الشباب الذين تشرفت والله بمعرفتهم ، نقاء سريرة ، وطهارة وعفة ، ورقة مشاعر وحب لإخوانه ، يعطي بلا حدود ، لا يترك عائلة أسير أو أسرة معوزة أو يتيماً إلاَّ وتراه عندهم يقدم المساعدة ويحاول التخفيف عنهم ، لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يحمل المجاهد حسين يعقوب الأجرب بين جوانحه حب دعوته وتفانيه في كره الاحتلال وضرورة التصدي له والتمرد على محاولاته إذلال شعبنا وامتهان كرامته ، فالمجاهد أبو أحمد قد تتلمذ على يدي الشيخ الشهيد المجاهد سليمان غيظان بطل عملية بيت إيل وأحد أبرز رموز ومؤسسي الحركة الإسلامية وقادتها الميدانيين في قبيا ومنطقة غرب رام الله كلها .

 

المجاهد حسين يعقوب " أبو أحمد " أحد مؤسسي العمل الجهادي في قبيا والمنطقة وهو رفيق درب الشهيد يحيى عياش وعدنان مرعي حيث وجهت له تهمة إيواء العياش ومرعي وتقديم الخدمات لهم ، فنعم الضيف يحيى عياش ونعم المضيف حسين يعقوب الأجرب ، بالإضافة إلى عدد من مجاهدي القسام وهو إلى ذلك شقيق الروح للمجاهدين راتب عبد الله زيدان ونايف غيظان ، وخالد غيظان ، فعلى يدي المجاهد الشهيد سليمان غيظان تتلمذ المجاهد حسين يعقوب وإخوته ليبدأ مسيرة العطاء والتضحية مع بداية الانتفاضة الأولى حيث كان قبلها أحد رواد المساجد وشبابها الذين حرص الشيخ سليمان على احتضانهم ورعايتهم وإشراكهم بالعمل المسجدي المختلف الجوانب ، وعندما التحق المجاهد حسين بمسيرة حماس مع بداية انطلاقتها انخرط بكافة أشكال العمل الإسلامي وفعاليات الانتفاضة جندياً مطيعاً ، وقائداً رحيماً وأخاً مجاهداً ليترك الأثر الطيب على أسرته الصابرة ، المكافحة ولتكون هذه العائلة الطيبة والمباركة التي قدمت أحد أبنائها شهيداً من أوائل المجاهدين في الانتفاضة الأولى .

 

لقد شاءت قدرة الله أن يصطفي ويختار شقيقه أحمد يعقوب الأجرب شهيداً في إحدى منازلاته مع الاحتلال في رام الله حيث كان يوم تصعيد للسواعد الرامية الجهاز الضارب والميداني لحركة حماس ، أحمد أحد ثمار الشهيد سليمان الشيخ المؤسس للإخوان المسلمين في قبيا وهو من مواليد 1964 ونفذ عمليته الاستشهادية في شهر آب / أغسطس من العام 1993 وكان عمره يومها تسعة وعشرين عاماً ، هذا الشيخ المجاهد الذي أسس ووضع القواعد المتينة للحركة الإسلامية حيث الحلقات المسجدية والتواصل الدائم والمستمر مع كافة الشرائح ، في المدارس والمساجد ودور القرآن يلتمس ويشعر الناس بأثره الطيب ، لقد ارتقى إلى علياء المجد والخلود تاركاً خلفه زوجة صالحة ومؤمنة صابرة ومحتسبة تولت رعاية الأمانة التي تركها لها الشيخ سليمان وهم ثلاثة ذكور إيهاب ومحمد وعمر وأربع بنات .

 

الشهيد أحمد كان من محبي الشيخ سليمان حيث تأثر الشيخ يوم استشهاد أحمد وبكى عليه ، أحمد الذي اقترن بالمسجد فكان يخرج مع جده للصلاة في المسجد وفي كل الأوقات وهو لازال في سن التاسعة ترك المدرسة ليعمل مع إخوته حيث كان ترتيبه السابع بين إخوته وأخواته وهو قبل الأخير ، وكان جميع الإخوة يعملون مع بعضهم في شركة بناء حيث كان التعاون بينهم وثيقاً تحت مظلة الوالدة ، وجميع الإخوة يسكنون في عمارة واحدة كل واحد في شقة وأمهم معهم ، يجتمعون على مائدة واحدة ، وقد استطاعوا بفضل الله توفير الأموال اللازمة لشراء ماكينات حفر ليتولى العمل عليها بعضهم ويعمل البعض الآخر بالتجارة كما هو حال المجاهد حسين يعقوب .

 

الشهيد أحمد من مواليد عام 1968 هو من الجيل الذي أعده الشيخ سليمان ، جيل مؤمن من شباب المساجد يحظى باحترام الناس وثقتهم ، فما أن اندلعت الانتفاضة حتى كانت الحركة الإسلامية جاهزة عدداً وعدة ، وتنتظر الشرارة لمناوءة الاحتلال ، وكان أحمد أيضاً من الذين يتابعون شباب المسجد ، وكان دائم الحديث عن الشهادة ويتمناها ، يتحدث عن زكاة الأموال وضرورة أن تصل إلى مستحقيها وفي نفس الوقت يتحدث عن زكاة الدم في سبيل الله والوطن والمقدسات ، كان أحمد من عشاق الصلاة والخلوة مع الله في رحاب المسجد الأقصى فارتبط به وتوثقت العلاقة معه ونشأت علاقة حب سرمدية لذلك تراه يعمل على تجميع الشباب ويذهبون للصلاة في المسجد الأقصى وخاصة أيام الجمع وأيام شهر رمضان المبارك ، أحمد الذي نال شرف رفع أول راية خضراء موشحة بـ " لا اله إلاّ الله محمد رسول الله " في قبيا ، كما وزين المساجد بهذه الرايات ، ويوم عقد المسجد ( صبة السقف ) في شهر 10/1988 كان يوماً مشهوداً برفع الرايات الخضراء الموشحة بـ " لا اله إلاّ الله محمد رسول الله " .

 

وكان يومها ممسكاً قطف الزيتون ويا له من عطاء لأهالي قبية حيث تجسدت قيمهم وانتماؤهم ، فالأرض تعطي الزيتون والزيت ، والأهالي يتبرعون ويشيدون أكبر المساجد وشباب الحركة الإسلامية المجاهدين يتابعون عملية البناء وجمع التبرعات والإشراف وها هو صوت أحمد وخلال عقدة المسجد يصدح بصوته رافعاً أكف الضراعة إلى العلي القدير" اللهم يا رب ، يا قيوم السماوات والأرض ، كما تشرفت برفع راية التوحيد – راية حماس الخضراء الموشحة بـ " لا اله إلا الله محمد رسول الله " أن تشرفني وتختارني وتصطفيني أول شهيد في قبيا في هذه الانتفاضة المباركة ، ولقد استجاب الله دعوته ، استجاب دعوة هذا المجاهد الذي كان يحرص أن يقتطع وعلى الدوام مبلغاً من المال يتصدق به ويعطي الأطفال لشراء الحلويات ، فكان يحرص أن يرسم البسمة على شفاه أطفال قبيا حيث البراءة والطهر ، فكان محبوباً عندهم وكم كانت تسعده أصواتهم وهم يدعون له بالخير ، أحمد حسين الأجرب الذي كان يقود مجموعات السواعد الضاربة فيتصدى للاحتلال عندما كان يجتاح قبيا ويلاحقه في شوارع رام الله والبيرة استجابة لنداءات حماس ، كما أن أحمد كان له موقف حازم من العملاء حيث كان يعتبرهم أخطر من الاحتلال .

 

في شهر تموز / يوليو من العام 1988 وقبل ثلاثة شهور من استشهاده أصر عليه إخوانه وأمه وأختاه بأن يتزوج وتحت ضغط الوالدة وأمام عاطفتها حيث تريد أن تفرح به وافق على الزواج على غير قناعة حيث كان يرنو إلى هناك إلى الحور العين ليزف إليهن بعرس الشهادة ، وفي أيام عرسه كان يردد " يا ريت العرس كان عرس شهادة وليس هذا العرس " ، وليلة الاستشهاد عاد متأخراً ، كان في حالة من الفرح والسرور ما جعله يقول لزوجته هذه ليلة سعيدة أحسن من ليلة العرس وقد نهض إلى شباك الغرفة وفتحه وهو يقول لزوجته اسمع صهيل خيل ، ورأى فرساً بيضاء حول المنزل ، فأثار حديثه استغراب زوجته التي التصقت به وذهبا إلى والدته محدثة ما حصل ، فالوالدة وقلبها دليلها قالت الله يستر رايح يحصل شيء مع أحمد ، لقد عرفت الوالدة ماذا سيحصل مع أحمد وهو الذي على الدوام يطلب منها أن تسمعه دعاءها بأن يرزقه الله الشهادة وتستجيب الأم الحنونة إلى طلب ولدها وفلذة كبدها وبكلمات الأمهات كبار السن وبلهجة الريف الفلسطيني كانت تقول " أسأل الله يما أن يعطيك وينولك اللي بدك إياه " ، لقد ترك أمه وذهب لينام وكانت ليلته أكثر بهجة وفرحاً وسروراً من ليلة زفافه وقد صلى الفجر حاضراً كما هو حاله وحرصه على الصلاة في جماعة واستيقظ باكراً وكما هو الأمر والحال تجمع الإخوة الستة لتناول طعام الإفطار عند الوالدة ، وكان أحمد قد لبس جديد ثيابه وقام بتسريح شعره ودار الحوار التالي بين الأم وأحمد وبحضور الإخوة .

 

الوالدة : لوين طالع اليوم يا أحمد ؟.

 

 أحمد : لرام الله يمَّا !

 

الوالدة : خير يمَّا ؟.

 

أحمد : عندي امتحانين اليوم ( فحصين – تستين ) وأشار بأصبعي يده اليمنى السبابة والوسطى !.

 

الوالدة : شوهما الامتحانين يمَّا ؟!.

 

أحمد : امتحان سواقة يمّا ، بدي دعواتك يمّا .

 

الوالدة : الله يرضى عليك يمّا وينجحك وتحصل على رخصة السواقة بس شو الامتحان الثاني يمّا ؟!!.

 

أحمد : ادعي لي يمّا أن استشهد !!.

 

الوالدة : الله يعطيك اللي بدك إياه واللي تريده يا أحمد ، الله يرضى عليك .

 

أحمد انتابته حالة من السرور والفرح والطمأنينة وهو يسمع من والدته الدعوات والرضى وشبَّ واقفاً ، بخاطرك يمّا بخاطركم يا شباب ( إخوانه الخمسة ) ، وخرج أحمد من الباب وعلى بعد 12 متر توقف ثم أدار وجهه وعاد إلى والدته وأخذ يدها وقبلها عدة مرات وهو يشعر بسعادة ،وقال لها : ادعيلي يمّا ، ودعت له الدعوات التي يعتاد سماعها ويطرب لها " الله يعطيك اللي بدك إياه واللي تريده يا أحمد ، الله يرضى عليك " .

 

كان يومها السابع من تشرين أول من العام 1988 (7-10-1988) وكانت حماس قد دعت إلى تصعيد المواجهات مع الاحتلال وقد ارتأى يومها أحمد أن يكون التصعيد مع إخوانه من القرى في رام الله والبيرة وإشعال النار تحت أقدام الاحتلال وكان أحمد يقود مجموعة من الشباب يقذفون الحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة على سيارات الجيش والمستوطنين ومراكز الشرطة والجيش ونقاط مراقبة الجيش التي كانت منتشرة بأعداد كبيرة وتتخذ من المباني العالية والمواقع الحساسة نقاط مراقبة لها ، وبالفعل فقد كان يوم 7-10-1988 يوم تصعيد مميز في كل مدن ومخيمات وقرى فلسطين المحتلة عام 1967 ، وقاد أحمد إحدى المجموعات لمهاجمة مركز الشرطة في البيرة عند مجمع السيارات ، وألقى الشباب ما بأيديهم من حجارة وزجاجات فارغة وعندما خرج رجال شرطة الاحتلال فاجأهم أحمد بعدد من الزجاجات الحارقة ، وقد استطاع برج المراقبة رصد أحمد وهو يلقي بالزجاجات الحارقة فأطلق عليه رصاصات أصابته بالرأس فخر أحمد على الأرض مضرجاً بدمائه ، نقله الشباب والأهالي بعدها إلى مستشفى رام الله الحكومي وأدخل غرفة العناية المكثفة فاقداً لوعيه وقد لخص الأطباء حالته الصحية " بالموت السريري " ، وتناقلت الأخبار في الساعة العاشرة إصابة شاب من قبيا خلال مواجهات عنيفة بين الشبان وجنود الاحتلال الإسرائيلي ، وقد سمعت الوالدة الخبر كما سمعه الناس من الراديو ، فنهضت وبعثت وراء أبنائها الخمسة وطلبت منهم مرافقتها إلى مستشفى رام الله ،فسألها الأبناء لماذا ؟ قالت لهم " قلبي دليلي الشاب اللي إتصاوب هو أحمد " ، وبعد حوار قصير وأمام إصرار الوالدة واستجابة لرغبتها ذهب الجميع إلى رام الله ، وقد صدق حدس الأم وقلبها قد صدقها ما فيه ، أحمد مسجى على سرير المرض والأجهزة من مختلف الأنواع لتنفخ فيه روح الحياة ، وقد مكثت الوالدة في المستشفى عند أحمد ولله إرادة حيث بقي أحمد تحت الرقابة الطبية وفي غرفة الإنعاش لمدة سبعة أيام وفي الرابع عشر من نفس الشهر صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها شهيداً عند الله وقد تحققت دعوته بأن يكون أول شهيد في قبيا يوم أن رفع أول راية توحيد في سماء قبيا ، وسبحان الله ، لقد جاء يوم استشهاده متزامناً مع نفس اليوم الذي ارتكبت فيه مجزرة قبيا على يد الجزار أرئيل شارون .

 

لقد اصطفاه الله واتخذه شهيداً تاركاً وراءه زوجة لم تمضِ معه إلاَّ حوالي ثلاثة شهور ، وقد تلقت الخبر ونبأ شهادته بنفس راضية مرضية تحمد الله أن حقق أمنيته ، وكذلك الأم التي حمدت الله كثيراً بأن حقق أمنيته ، وقد بكاه شقيقه المجاهد حسين يعقوب " أبو أحمد " ، كما وبكاه ابن أخته الذي كان توأم روحه ، كان المجاهد الشهيد محمد سمير الحلحولي وخاله أحمد يعقوب الأجرب الروح بالروح ، كانا دائماً يلتقيان في المسجد أكثر مما يلتقيان في مواقع أخرى ، حيث كان محمد وخاله أحمد يخرجان إلى البرية وقد اعتلى كل واحد منهما ظهر فرس حيث كان كل واحد منهم يجيد ركوب الخيل والفروسية ، وكانا معروفين من الخيالة بمهاراتهم ، وكان أحمد يقول لابن شقيقته يا محمد إذا استشهدت قبلك لا تتأخر من اللحاق بي ، وإذا استشهدت قبلي بوعدك ما أتأخر عليك وسألحق بكَ سريعاً ، ما هذه العطاءات ، ما هذه النفسيات الكبيرة والعالية بهمة حماس التي ضمت في صفوفها الأشبال هؤلاء الكبار ، كان محمد من رواد المسجد لا يكاد يفارقه حتى يعود إليه يتابع الأشبال ويحافظ على المسجد ، ويؤدي الصلاة وعلى الدوام في جماعة ويتابع جلسات تحفيظ القرآن ، وجلسات تعليم الترتيل والتجويد ، كان يومها لازال في الثانوية العامة في مرحلة التوجيهي ولم يتجاوز سنه الثامنة عشر عاماً ، وكان على الدوام يدعو الله ويتمنى اللحاق بخاله ، ويقول يا رب ما حدا يستشهد في البلد بعد خالي قبلي ، حيث كانت صورة خاله وعلى الدوام في محفظته مع الهوية ، وكان محمد يقول لوالدته أنا بحب أخوالي جميعهم وبحب خالي أحمد أكثر واحد فيهم لأنه قدم روحه فداء للوطن ، وكان محمد الولد البكر لوالديه اللذين رزقهما الله ستاً من الأولاد وأربعة من البنات ، كانت أمه تحبه لحبه خاله الشهيد أحمد ، وكانت تدعو له " يا رب يا محمد أشوفك متزوج أو شهيد ،هذه أمنية الوالدة أن ترى بكرها عريساً أو شهيداً قبل أن تلقى الله ، وستكون فرحتها أكبر إذا سمعت خبر استشهاد محمد ، تقول والدته أنها رأت في المنام ابنها محمد نائماً وصدره مكشوف وعلى ذراعه تنام فتاة جميلة ناعمة ، وكانت تسمع صوت أذان الفجر فذهبت لإيقاظه لصلاة الفجر وقالت له في المنام ، يا محمد يمّا أذن الفجر قوم للصلاة ، فطلب منها محمد أن تسخن له ماء ليستحم ، فأجابته خلى مرتك تسخن إلك ميَّة ، تقول الوالدة وقد فاقت على صوته وهو يقف على الباب ويبتسم ويهم بالخروج إلى صلاة الفجر ، ولكن والدته لاحظت أنه يلبس البوط ولا يلبس البابوج فسألته ليش لابس البوط يمّا قال لها محمد عليَّ مشوار وإذا رجعت سأقول لكِ أين كنت؟!، فقالت له الأم الله يرضى عليك يمّا ، وخرج محمد وكانت هناك استعدادات بين الشباب للتصعيد ، وقد صلى محمد صلاة الظهر في مسجد " بدرس " وقد حصلت هناك مواجهات بالقرب من أحد المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي وكان قد تمَّ رصد باص للمستوطنين يمر في ذلك الموعد ، وقد كان محمد لهذا الباص بالمرصاد ، وعندما مرَّ في الوقت المحدد أمطره بالزجاجات الحارقة ولكن رصاصات الغدر الصهيوني قد عاجلته من قبل قناص، خرَّ على الأرض وهو ينطق بالشهادتين وقد زفَّ الخبر إلى والدته التي حمدت الله سبحانه وتعالى أن اصطفاه شهيداً ، وقد تحقق ما يتمناه محمد وكان أول شهيد من قبيا يلحق بخاله أحمد ، لقد كان يوم 25-2-1989 يوم التحاق محمد بخاله أحمد بعد سبعة شهور ، هذا هو محمد وقد نال ما تمنى ، كما وتحقق دعاء والدته وها هي تزفه شهيداً إلى جنات الخلد وهي ترجو من الله عز وجل أن يكون لها شفيعاً يوم القيامة ، هذا هو بيت المرحوم يعقوب مصطفى الأجرب يقدم الشهداء ، وهذه هي قبيا التي تعبق بعطر الشهداء وعلى الدوام يكون أبناء الحركة الإسلامية أكثر إقداماً وشجاعة وتضحية من غيرهم ، هذه هي قبيا بمجاهديها وحماسها السباقة دوماً للعطاء والخدمة ولا تتوانى على الإطلاق عن تقديم الأرواح رخيصة في سبيل الله .

 

وعلى إثر الضربة الكبيرة التي وجهتها سلطات الاحتلال للحركة الإسلامية في فلسطين بعد عملية خطف الجندي نسيم توليدانو على يدي مجاهدي القسام وإبعاد المئات من رموز وكوادر الحركة إلى مرج الزهور ، ثمَّ ضرب الحركة الإسلامية في مدينتي رام الله والبيرة من خلال اعتقال المئات من أبنائها وإخضاع العشرات من مجاهدي الحركة للتحقيق والتعذيب بعد تصاعد وتيرة العمليات العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام ، ولم يكن المجاهد حسين يعقوب الأجرب " أبو أحمد " بعيداً عن المشهد فقد اعتقل للمرة الأولى بتاريخ 8-12-1993 وذلك عقب اغتيال المجاهد الشهيد عبد الرحمن العاروري ، وقد أخضع للتحقيق العسكري العنيف في أقبية تحقيق الاحتلال في سجن رام الله المركزي حيث مكث في التحقيق آنذاك حوالي ثلاثة شهور متوالية ولم يستطع الاحتلال أن ينال منه أو ينتزع من إرادته الصلبة ولو كلمة واحدة قد تضر بإخوانه ، ولم يستطع الاحتلال بكل ما أوتي من قسوة ووحشية أن يثبت عليه أية معلومة أو مستمسك يدينه أو يدين أحد إخوانه المجاهدين فاضطر صاغراً إلى الإذعان والخضوع أمام إرادته الصلبة فأفرج عنه من زنازين التحقيق وذلك بتاريخ 6-2-1994، وكان قبلها قد اعتقل في بدايات العام 1993 حيث اعتقل إدارياً لمدة شهرين ، لقد كان التحقيق مع أبي أحمد يتركز حول إيواء الشهيد يحيى عياش ومساعدته ، والمسؤولية في تنظيم حماس في قبيا وكان هناك اعتراف من أحد المجاهدين من( بِتْلِلْو) وكان أيضاً في التحقيق حيث اعترف عن مسؤوليته عن ستة وثلاثين قرية ، وقد استخدمت معه ومع أبي أحمد أساليب تعذيب بشعة منها عدم السماح بالنوم لأكثر من خمسة أيام في أجواء من الموسيقى الصاخبة وهو مشبوح على الكرسي الصغير والأيدي مقيدة إلى الخلف ومربوطة إلى الكرسي الصغير والكرسي مربوطة في الأرض ومثبتة ، وفي الرأس كان يوضع كيس منتن حيث رائحته تثير الاشمئزاز ورائحته الكريهة تبعث على الغثيان ، كما كان الاستحمام محرماً على المشبوحين حتى تصدر عنهم روائح كريهة وهذا جزء من الحرب والضغط النفسي ولم يسلم المجاهد حسين من الضرب المبرح والهز العنيف والشبح بالمرحاض كما وكان للعصافير دور في محاولات انتزاع الاعترافات من أبي أحمد حيث باءت كل تلك الأساليب بالفشل ، لقد جاءت تلك الاعترافات بعد يومين من الإفراج عن أبي أحمد ، لقد عاود الاحتلال إلى اعتقال أبي أحمد بتاريخ 20-2-1994 ودفع به إلى تحقيق رام الله المركزي ووجه بالاعترافات بأنه مسؤول في حماس وقدم خدمات إيواء ومساعدة المطاردين ووجهت له تهمة توزيع البيانات الصادرة عن حماس وتنظيم آخرين في المنطقة لم يكن اعترافاً واحداً كافياً ليدين أبي أحمد بالرغم من معاودة الاحتلال معه الكرة مرة أخرى ، وقد تعرض حسين يعقوب الأجرب ومرة أخرى إلى التحقيق العنيف والتعذيب مرة أخرى ولمدة ثلاثة وسبعين يوماً في زنازين النازيين الجدد لتتحطم مرة أخرى غطرسة الاحتلال على صخرة صمود المجاهد البطل شقيق الشهيد وخال الشهيد ، وبذلك عَلَتْ أقدام المجاهد حسين الأجرب على هامات المحتلين وخاصة بعدها أدخل أبو أحمد إلى غرف العار " العصافير " ولأكثر من مرة محاولين الإيقاع به لانتزاع أي نوع من الاعترافات تمكن المحققين من متابعة التحقيق ، لكنَّ أبا أحمد كان لهم بالمرصاد ، فعينُ الله معه ومع كل المخلصين ويثبِّت الله المجاهد حسين يعقوب ليخرج مرة أخرى صامداً صابراً منتصراً من أقبية التحقيق ، ليجد نفسه وقد حولته قوات الاحتلال إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة شهور وذلك بعد أن يئست منه وأذعنت أمام صموده وتحديه الأسطوري ، وقد تمَّ الإفراج عنه يوم 13-9-1994 من معتقل النقب وكان يومها في قسم الإداري والذي يسمى كيلي شيفع وهو قريب من الحدود المصرية حيث كانت تظهر الحدود وخاصة في الليل من خلال الضوء على الأبراج ، وكانت تجربة أبي أحمد خلال هذا الاعتقال ثرية جداً وخاصة أنه التقى وعاش مع عدد من القيادات ورموز وكوادر الحركة فقد التقى بالدكتور إبراهيم المقادمة والأستاذ عبد الفتاح دخان والشيخ بسام جرار والدكتور عزيز دويك والدكتور عدنان مسودي ، والدكتور عبد الله الحكواتي ، والدكتور خضر سوندك والأستاذ خالد سعيد يحيى ، والأستاذ ماجد حسن والشيخ حسين أبو كويك والشيخ جمال الطويل والشيخ محمد جمال النتشة والشيخ حماد العملة ، وكان الشهيد نصر جرار ، والشهيد طه العروج والشهيد إبراهيم فرج الله ، والشهيد حسنين رمانة ، والشهيد محمود علي حلوة ، وغيرهم ممن التحق لاحقاً بركب الشهادة والشهداء وانضم إليهم هناك عند مليك مقتدر ، حيث الأنبياء والشهداء والصديقون وحسن أولئك رفيقاً .

 

ولأن حسين يعقوب الأجرب هذه الشمعة التي تحترق لتضيء ما حولها ، هذا المجاهد البطل الذي لا يعرف الكلل أو الملل ، ولأن الاحتلال الإسرائيلي لا يرقبون في مؤمن مجاهد إلاًّ ولا ذمة فقد جاء الاعتقال بعد الإفراج عنه بأشهر حيث جاءت عليه اعترافات أخرى فاعتقل بتاريخ 23-9-1995 حيث حوَّله الاحتلال مرة أخرى للتحقيق في زنازين رام الله وبعد تسليم المدينة للسلطة الفلسطينية تم تحويله للتحقيق في الظاهرية ، وقد جاء الاعتقال يومها ليشمل العشرات من شباب ومجاهدي القرية والقرى المجاورة حيث أن عدداً منهم حكم عليهم بالمؤبد لانتمائهم لكتائب الشهيد عز الدين القسام والقيام بعمليات وفعاليات جهادية ومن هؤلاء خالد غيظان ونايف غيظان ، وقد صدر الحكم بالمؤبد مرتين بالإضافة إلى عشرين سنة إضافية ، هؤلاء هم أصدقاء المجاهد حسين وهم رفقاء درب يقضون أحكاماً بالمؤبدات ، حيث كانوا ولا زالوا رفقاء درب المجاهد حسين الأجرب ويعتبرهم من إخوانه حتى لو لم يكونوا من أمه وأبيه ، فيعتبرهم أخوة له حيث الأسير المجاهد خالد غيظان من أصدقائه المقربين ومن أحب الناس إلى قلب أبي أحمد وكان يحب العمل في حماس باستمرار وكان يتمنى أن يقدم نفسه من أجل هذه الحركة وكان دائم الحديث عن الشهادة في سبيل الله وباستمرار وكان يقول " إذا لم نعمل نحن لهذه الحركة فمن سيعمل غيرنا " فواجب علينا أن نعمل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال نصرت بالشباب ، وها هم شباب الحماس يتألفون في ميادين العطاء والتضحيات ، أما نايف غيظان صديق أبي أحمد الثاني كان من أشبال المسجد الذين تربوا على يد الشيخ سليمان غيظان " أبو إيهاب " بطل عملية بيت إيل البطولية ، ثاني عملية استشهادية على يد المهندس يحيى عياش ، وكان نايف رجلاً بمعنى الكلمة وكان قدوة حسنة للجيل الناشئ من أقرانه وقد تنظم على يد نايف الكثير من الأشبال لحسن سلوكه وأخلاقه ودينه وكان جميع الناس يعلمون أن هذا بطل قبل أن يدخل السجن فنال محبة الكبير والصغير في قريته لأنه صاحب خلق رفيع وشجاعة عالية وكان كل شبل في المسجد يتمنى أن يكون مثل نايف ، هذا المجاهد الذي التحق بكتائب القسام مع المهندس يحيى عياش والشهيد عدنان مرعي والشهيد علي عاصي وعام 1995 اعتقل بعد مضي أربعين يومين على زواجه وتعتبر زوجته من المؤمنات الصابرات المحتسبات وهي مجاهدة من مجاهدات الدعوة ولها باع طويل وناشطة في العمل الاجتماعي والخيري .

 

أما الصديق الثالث لأبي أحمد فهو راتب عبد الله زيدان " أبو عبد الله " عرف بإخلاصه لإخوانه ومرحه مع جميع شباب القرية وكان رجلاً متفوقاً بخلقه ودينه وكان طوال وقته يقول " اللهم يا رب أمتني شهيداً " ، وهو متزوج وعنده خمسة أبناء ، وقد خرج بماله ونفسه ليدافع عن كرامة بلده ووطنه والقدس الشريف وأثناء التحقيق معه قال لمحققيه قمت بهذه العملية رداً على مجزرة قبيا وانتقاماً للشهيد أحمد يعقوب الأجرب وابن أخته الشهيد محمد سمير الحلحولي وكان محمد كما ذكرت آنفاً يلقب بحمامة المسجد و كان مطيعاً للكبير والصغير ولا يفشل أحداً ، وكان يتمنى أن يطلب منه الناس المساعدة وعندما كان يسأله إخوانه عن ذلك كان يقول أحب أن تزداد حسناتي ليكون الناس شاهدين على عملي يوم القيامة ولكن كل هذا لم يؤخره لحظة واحدة عن القيام بواجب الجهاد في سبيل الله وكان يتمنى الشهادة في كل حين ويتمنى اللحاق بخاله أحمد وكما ذكرت آنفاً كان يردد بإذن الله لن يدخل المقبرة بعد خالي أحمد سوى أنا فاستجاب له ربه وأكرمه بالشهادة .

 

لقد حكم هذه المرة على أبي أحمد بالسجن بالفعلي لمدة سنتين وذلك بناءً على اعتراف الغير وبالنسبة له لم ينبس ببنت شفة ، لقد كان المجاهد البطل حسين يعقوب وكعادته دائماً صاحب عزيمة وإصرار وقد أبدى صلابة وقدرة فائقة في أقبية التحقيق ولم يستطع الجلادون ومرة أخرى انتزاع أي اعتراف منه ، فحاكموه هذه المرة على اعتراف الغير مدة سنتين كما ذكرت آنفاً قضاها أبو أحمد متنقلاً بين عددٍ من السجون والمعتقلات ، أبو أحمد بصبره وثباته لم تفتر عزيمة هذا المجاهد البطل ولم يخفت ضوء هذه الشمعة ولم تكلَّ نفسه فقد تواصل عطاؤه بلا كلل ، وسطع ضوء هذه الشمعة أكثر حيث انتخبه إخوانه ليكون ممثلاً لهم أمام إدارات السجون النازية ويكون صوتهم المجلجل لانتزاع حقوقهم من بين أنياب السجان حيث أثبت قدرة ومهارة على الحوار أهلته لأن يكون محبوباً ويحظى بإجماع الأسرى على قدرته وكفاءته رغم تحصيله العلمي المتواضع إلاَّ أنه تعلم الكثير من مدرسة الحياة ومن الالتزام في صفوف الحركة الإسلامية ، لقد استبدل الشهادات العملية بإرادته وعزمه الحديدي وقدرته على التعلم في مدرسة الحياة والخبرة الطويلة في معاركة الأحداث حتى عجمت عوده الحوادث واستحق عن جدارة أن يكون الأكثر نجاحاً في مخاطبة المحتل وإدارة السجون وليحقق نجاحات في تحسين ظروف اعتقال المجاهدين والأسرى المناضلين.

 

لقد أطلق سراح المجاهد الأسير أبي أحمد بتاريخ 17-8-1997 ليعيش مع ابنه أحمد الذي تركه صغيراً لم يتجاوز الأسابيع لحظة اعتقاله ، حيث انتظر قدومه بعد ثلاث بنات وليسميه باسم شقيقه الشهيد أحمد ، وكعادة الاحتلال في تعسفه وظلمه بدأ يلاحق المجاهدين بالاغتيال تارة وبالاعتقال تارة أخرى ، فاعتقل المجاهد حسين الاعتقال الخامس بتاريخ 3-7-2002 وليحول مباشرة إلى الاعتقال الإداري فقضى أبو أحمد ثمانية وثلاثين شهراً في الاعتقال الإداري اللعين بلا أية تهمة سوى أنه فلسطيني يرفض المحتل وأذنابه ومحسوب على الحركة العتيدة حركة المقاومة الإسلامية – حماس ، لقد جاء هذا الاعتقال بعد الاجتياحات التي نفذها الهالك أرئيل شارون ، وقد أطلق سراحه بتاريخ 2-9-2005 حيث كانت قد تردت حالة زوجته الصحية التي هدَّها المرض وأقعدها بسبب ظلم الاحتلال وقسوته على أسرة المجاهد حسين بفعل الاعتقالات وإبعاده عن الأسرة وشؤون أبنائه وبناته .

 

ولم تفرح أسرة أبي أحمد كثيراً بالأب المفرج عنه والزوج الذي عاد إلى عرينه بعد طول غياب في الأَسر فقد كتب عليه وعلى المجاهدين من أمثاله أن يدفعوا ضريبة هذا الصمود ، وهذا النهج المقاوم من أنفسهم وأعمارهم وأوقاتهم وجهودهم وأموالهم ودمائهم ، فقد أعيد اعتقاله للمرة السادسة ومرة أخرى في الاعتقال الإداري بلا محاكمة وبلا قانون غير قانون المحتل ، حيث أمضى أحدى وعشرين شهراً قضاها المجاهد حسين صابراً ، محتسباً بروحه و معنوياته الرائعة المعهودة عنه متنقلاً بين السجون والمعتقلات ، ثمَّ ليطلق سراحه أخيراً في نفس اليوم الذي تمَّ فيه انعقاد مؤتمر " أنابوليس " التصفوي ، مؤتمر الضحك على الذقون ، مؤتمر التآمر على المقاومة الفلسطينية ، مؤتمر الكيد لحماس وشرعيتها التي جاءت عبر صناديق الاقتراع .

 

لقد كان ذلك يوم 27-11-2007 وعلى أمل أن تترك هذه المؤتمرات الكاذبة الفرصة لشعبنا أن يعيش آمناً في وطنه وبين أهله وقد مضت السنة المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي بوش الابن دون أن يتحقق شيء لصالح الشعب الفلسطيني ، وجاء بعده باراك وقد عوَّل عليه العرب والفلسطينيون ، وها هي قد مضت سنة أخرى من ولايته ولم نشهد إلاَّ تراجعاً عن مواقفه ووعوده التي منَّى بها العرب من خلال خطابه في جامعة الأزهر والكل يستذكر تلك الظاهرة الضبابية ، ظاهرة السراب التي كانت تحت " سلام أوباما الموعود " ولكن وكما يقول المثل " المية بتكذب الغطاس " ، وجاءت مياه القضية الفلسطينية لتكذب أوباما وظاهرته ولتكشف عن زيفه ، وأنه يعمل " بالتقية " حيث يبطن غير ما يُظهر .

 

أما المجاهد حسين وفور إطلاق سراحه فقد استغل هذه الفسحة ليزوِّج بناته اللاتي انتظرنه ليعشن في كنف الأبوة ولو خلسة ، لحظات يستعدن فيها حنان الأبوة المفتقد .

 

أما الاعتقال السابع والأخير حتى الآن فقد جاء بعد اعتقالين على أيدي أخوة السلاح ورفاق الدرب وشركاء الخندق وآآآآآخ من أخوة السلاح وألف آآآآخ من رفاق الدرب وألف ألف آآآآآخ من شركاء الخندق ، من أبناء الغلاّبة ، وآخ من ديمقراطية غابة البنادق ، وآخ من ديمقراطية السكر زيادة حيث يشكلون أكثر من 95% من الأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة الفلسطينية ، هذه السلطة وأجهزتها التي تلاحق وتعتقل وتعذب بل وقتلت عدداً من المجاهدين تحت سياط التعذيب وآخرين أخذتهم غدراً من خلال ملاحقتهم وتصفيتهم وهم المطاردون لسنوات لسلطات الاحتلال الإسرائيلي فجاء استشهادهم على أيدي رجال أمن السلطة حيث ترك ذلك في النفس غصة وفي القلب ألماً وحزناً ، وبعثت الأحداث على الأسف والحزن ، لأن سلاح الأمن الفلسطيني الأصل أن يوفر الحماية للمطاردين وللكل الفلسطيني بغض النظر عن ألوانهم السياسية وانتماءاتهم التنظيمية ومشاربهم الفكرية لا أن يتتبعهم ويحاصرهم ويطالبهم بتسليم أنفسهم .

 

لقد جاء الاعتقال الحالي يوم الثلاثاء الموافق 4-8-2009 حيث تم تحويله للاعتقال الإداري لمدة ستة شهور ولا زال يقضي هذه المدة في سجن النقب الصحراوي أتمنى أن لا يتم تجديده وأن ينعم الله عليه بالحرية حيث لا شيء يساوي الحرية بكل معانيها .

 

أما يوم الخميس 31-7-2008 فقد كان يوماً حزيناً مؤلماً ليس فقط لأن هذا اليوم هو ذكرى استشهاد القائدين الجمالين جمال منصور وجمال سليم وثلة من كوادر الحركة الإسلامية بعد أن تم قصف أحد المكاتب الإعلامية من خلال طائرات الأباتشي التي صبت حقد قادة الكيان على قادة حماس ، وإنما أيضاً لأن أبناء جلدتنا من المناضلين والثوريين الجدد يقومون بحملة ملاحقات واعتقالات وتعذيب لأبناء الحركة الإسلامية حيث طالت هذه المرة المجاهد حسين يعقوب " أبو أحمد " ، حيث قام جهاز الأمن الوقائي باعتقال عدد كبير من عناصر وكوادر وقيادات الحركة أصحاب التاريخ المشرف ، والأيدي البيضاء والمتوضئة ، والسجل الجهادي العريق ، لقد جاءت هذه المرة من الاعتقال طعنة في الخاصرة ، وكأن الخنجر المسموم يُغرس في جسد المجاهدين من أيدٍ قريبة ، من أخوة السلاح والدم من أبناء الجلدة والوطن ، حيث كتب على جبين المجاهد أن يمّر على جمر المحتل وذوي القربى معاً ، حتى يصل إلى نهاية المشوار وقد تجرد مما علق به من شوائب وأخلاط لتكتمل مرحلة الابتلاء والامتحان وصولاً إلى التمكين القادم إن شاء الله ، فأن يتلظى المجاهدون بجمر ذوي القربى بعد أن اكتووا بنار الاحتلال لأمر يبعث على الحزن والأسى والألم ولكن هذا ميدان آخر وموطن من مواطن الابتلاء للمجاهدين أبناء الحركة الإسلامية أن يُساموا سوء العذاب وهم القابضون على جمرتي الدين والوطن ، يُساموا العذاب من قبل الاحتلال وأذنابه وأعوانه وشركائه ، فقد كان ما كان متوقعاً حيث الممارسات والأفعال تشير إلى أن كل مجاهد له دور وأن ما يجري عملية تفريغ أحقاد ونفث سموم وتطبيق كامل وشامل لاشتراطات خارطة الطريق إكراماً للرباعية وللاحتلال الذي يتنكر لخارطة الطريق وغيرها .

 

لقد اعتقل المجاهد حسين على أيدي السلطة في رام الله وأجهزتها الأمنية ، ليبدأ مسلسل التحقيق والتعذيب في أقبية التحقيق والزنازين في المقر العام لجهاز الأمن الوقائي ، حيث دخل السجن مثقلاً بالآلام والمعاناة حيث وبعد هذا التاريخ من مقارعة الاحتلال يتم اعتقاله من قبل جهات فلسطينية ، لقد تعرض أبو أحمد ، هذا المجاهد لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي على أيدي أبناء الوطن الواحد " حماة المشروع الوطني " ، ولم يصل الأمر إلى هذا الحدّ فقد وقع اعتقال المجاهد حسين موقع الألم على قلب أهله ، فانتكست حالة زوجته الصحية فيقعدها المرض أسابيع في مستشفى رام الله من هول الصدمة النفسية بعد أن تناهت إلى مسامع الأهل تعرض زوجها للتعذيب في زنازين الوقائي في رام الله .

 

لكنَّ إرادة الله دوماً غلاّبة ، فقد تعالى مجاهدنا على الألم والعذاب مرة أخرى حتى رغم قسوة الألم النفسي والجسدي الذي تعرض له ، الأمر الذي حدا به إلى أن ينقل إلى المستشفى عدة مرات بسبب المضاعفات الناجمة عن التعذيب حيث تقييد الأيدي إلى الخلف وربطها إلى أعلى بالباب أو الشباك أو الداربزين أو السقف ويتم رفع المجاهد إلى أعلى بحيث لا تكاد تلامس أرجله الأرض ويتم الربط والتقييد على هذه الهيئة ولم يسمح له بالنوم لأيام وإذا ما سمح له يكون ذلك على الأرض حيث يفترش أرضية الزنزانة ويلتحف سقفها ، بالإضافة إلى الضرب المبرح والشبح المتواصل ، والفلكات حيث الضرب على باطن الأرجل ، لقد كان أبو أحمد معافى في جسده عندما دخل التحقيق إلى حد كبير ولكن استخدام الأساليب الفظة والبشعة والتعامل غير اللائق والكلمات البذيئة التي تخدش الحياء وأصعب ما في التعذيب النفسي عندما كان المجاهد يسمع المحقق وهو يسب ويشتم الذات الإلهية ويتطاول على قيادات وكوادر الحركة الإسلامية ، وبعد أن تم تعليق المجاهد حسين لأيام حصل معه انزلاق في العمود الفقري من جراء التعليق والضغط على العمود الفقري .

 

لقد ظن المحققون أن أبا أحمد يمثِّل عليهم وأنه يتذرع بالألم والأوجاع ، ولكن كشفت التقارير الطبية أن أبا أحمد فعلاً حصل لديه انزلاق في العمود الفقري ولكن بعد أيام من اقتناع المحققين دفع أبو أحمد خلالها عذابات وآلام وآهات وصرخات استغاثات دون مجيب ، ولكن كان أبو أحمد يتلذذ وهو يذكر الله ويدعوه مع الألم الجسدي والنفسي ، وبعد أن ثبت صدق ما يعاني منه المجاهد حسين يعقوب تمَّ تغيير أسلوب التحقيق معه حيث توقف المحققون عن تعليقه واكتفوا بشبحه من خلال تقييد يديه إلى الخلف والجلوس على الكرسي بينما العصبة على العينيين ، ومن كثرة المضايقات والضغط فقد أصيب المجاهد حسين بجلطة أيضاً ، وهكذا استمر المكوث في التحقيق وزنازين التحقيق حوالي ثلاثة شهور رأى أبو أحمد وشاهد بأم عينه المشبوحين والتعذيب الذي تعرض له إخوانه المجاهدون حيث كان ذلك مؤلماً له أكثر من تعرضه للتعذيب ، من يتخيل أن ينام المجاهد وبالرغم من الأمراض التي لحقت به أكثر من شهر على الأرض دون غطاء أو فراش ، وكم هو مؤلم أن تحاول إغماض عينيك بينما المجاهدون يعذبون ليل نهار ، فكيف لك أن تغمض لك عين وأنت تسمع الاستغاثات والصرخات والأنات ، بعدها نقل إلى السجن حيث الأمور وظروف الاعتقال أفضل بكثير وعلى مدار شهرين تمَّ تحقيق الكثير من الإنجازات التي تخفف من ظروف الاعتقال الصعبة والمؤلمة ، وقد تدهورت حالة أبي أحمد الصحية وأجريت له عدة عمليات في الظهر ومعالجة القلب وأمام تردي حالته الصحية تمَّ الإفراج عنه من أجل أن يتابع علاجاته وبالفعل أفرج عنه يوم الثلاثاء الموافق 13-1-2009 ومن السجن ذهب مباشرة إلى المستشفى حيث قرر الأطباء أن يكون تحت المراقبة فمكث في المستشفى ليلتين وغادر المستشفى ليستريح في منزله ، وبعد عشرة أيام عاد إلى المستشفى لإجراء عملية الديسك ، ومن المؤسف والمؤلم أن حالته الصحية لم تشفع له أن يبقى بعيداً عن أجواء التحقيق فقد قام جهاز المخابرات الفلسطينية باعتقاله من المستشفى وذلك بتاريخ 26-1-2009 وقد كان لهذا الاعتقال وقع نفسي كبير على الزوجة وبناته الأمر الذي سبب لهم قلقاً شديداً حيث لم يتمكنوا من زيارته أو معرفة أخباره ، وفي يوم الأربعاء 28-1-2009 تم نقل حسين إلى مستشفى رام الله بعد أن تردت فعلاً حالته الصحية ، حيث ظن الجهاز أن حسين يُمثل أيضاً ، وكم كانت المفاجأة كبيرة حيث لا يمكن استيعاب المشهد حيث وجد أبو أحمد زوجته على سرير المرض في المستشفى وتفا * هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026