جدول عادي كانت الحرب على غزة نهاية كانون الأول من العام واستمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع حدثا يستدعي منا الوقوف على جوانب مهمة فيه بالنظر إلى القوة النارية التي استخدمتها دولة الاحتلال…
كانت الحرب على غزة نهاية كانون الأول من العام2008 واستمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع حدثا يستدعي منا الوقوف على جوانب مهمة فيه بالنظر إلى القوة النارية التي استخدمتها دولة الاحتلال والمجازر التي ارتكبتها مقابل تحقيق أهدافها المعلنة من تلك الحرب،فإسرائيل كررت على لسان قادتها ماذا تريد من حربها على غزة وكثيرا ما تضاربت وتناقضت أقوال هؤلاء الزعماء لئلا تفشل إحدى الغايات المعلنة والمتفق عليها.
فقد ردد قادة الاحتلال كثيرا أهداف حربهم على غزة وان كانت بعض تلك الأهداف قد تم ذكرها بشكل مقتضب وبين ثنايا خطاباتهم لكن المهم هو أن تلك الأهداف باتت واضحة للعيان ومعروفة للجميع.
فإسرائيل سعت من خلال حربها على غزة لإنهاء ظاهرة الصواريخ التي تطلق من غزة على مدنها بشكل نهائي،بالإضافة إلى ضرب البنية العسكرية لحركة حماس،مرورا بمحاولة إنهاء حكم حماس في غزة،وليس انتهاء بمحاولة استعادة جنديها الأسير في غزة جلعاد شاليط أو إنهاء ملفه بأي ثمن وأي طريقة.
وبعد عام من الحرب على غزة الذي أعلنت المقاومة فيه انتصار الدم وإرادة المقاومة على السيف الإسرائيلي نعيد الرد على كل من عاب علينا اعتبار ما جرى انتصارا،فدعوى هؤلاء القوم كانت بأنه كيف نسمي ما جرى انتصارا وقد سقط أكثر من 1400 شهيد ودمرت مئات المقرات وقصفت آلاف المنازل ولم تعلن إسرائيل في المقابل إلا عن بضع العشرات من القتلى بل اقل وتخريب في ممتلكات مادية لم تتجاوز عشر معشار خسائر الفلسطينيين متناسين أن مجرد عمل مقارنة بين حال غزة والمقاومة وبين إسرائيل وجيشها هو بحد ذاته نقطة تحسب لصالح شعبنا ومقاومته،فكيف لا نعتبر ذلك أمرا يحسب لصالحنا ونحن نقاتل بوسائل بدائية من صنع يدوي بعتاد بالكاد يستطيع الصمود في وجه أقوى دبابات في العالم فضلا عن عدم المقدرة على مجابهة الطيران الإسرائيلي بكافة أشكاله.
فجيش دولة الاحتلال من أقوى جيوش العالم وهو أقواها في الشرق الأوسط ويحظى بدعم كبير من أقوى دولة في العالم ويقف إلى جانبها الكثير من الدول الغربية إضافة إلى تواطؤ دولا عربية معها في حربها الأخيرة على غزة بدليل الإعلان عن الحرب على غزة كان من على منبر عربي في دولة تعتبر نفسها الشقيقة الكبرى للدول العربية لنفهم من ذلك أن إسرائيل سعت بذلك لأن توصل رسالة إلى الجميع مفادها أن النظام الرسمي العربي يساندها في أي قرار ستتخذه ضد غزة وهذا ما جرى للأسف.
استهلكت دولة الاحتلال أكثر من نصف مخزونها من الذخيرة المخصصة لسلاح الجو فضلا استخدام أسلحة محرمة دوليا صبت حممها على رؤوس المواطنين في غزة في محاولة منها لتحقيق الغايات التي وضعتها من اجل تلك الحرب.
أكثر من 22 يوما وإسرائيل تواصل قصف وضرب غزة برا وبحرا وجوا سعت فيها بكافة الطرق للسيطرة على مناطق في شمال القطاع لكنها عجزت عن ذلك،لتبدأ بعد ذلك رحلة جديدة من الحديث عن إنهاء الحرب ووقف العمليات بقرار أحادي الجانب ليبدأ المحللون بعدها بتناول هذا الأمر بالشرح المستفيض ليجمع كل الساسة والخبراء بعد ذلك على أن صمود المقاومة الفلسطينية وشعب غزة هو احد أهم أسباب قرار إسرائيل بوقف العمليات العسكرية على غزة.
إسرائيل التي سعت إلى ضرب حكم حماس وإنهاء وجود الحكومة الشرعية بقيادة إسماعيل هنية عبر قصف مقرات الحكومة واغتيال أقوى رجل في الحكومة الشهيد سعيد صيام لم تنجح في ذلك،بل ومارست الحكومة عملها في أماكن مغلقة تحت الأرض بشكل اعتيادي حتى أن رواتب الموظفين تم توزيعها في وقتها ولم تتأثر بالحرب.
إسرائيل التي سعت لاستعادة الجندي جلعاد شاليط عبر الضغط على قيادات حماس وتصريح قيادة الجيش الإسرائيلي أن هنية سيبقى مختبئاً طالما بقي جلعاد مختبئا فضلا عن قصف كل المواقع التي يشتبه بان جلعاد شاليط فيها في محاولة لإنهاء الملف وعدم الخضوع للمقاومة لكنها بالرغم من ذلك فشلت في ذلك،وخرج هنية ورجال حكومته ليعلنوا أن الحكومة باقية وان حماس باقية بإذن ربها وان الحرب لم تزدها إلا صلابة وقوة.
إسرائيل التي سعت لإيقاف ظاهرة الصواريخ أدركت جيدا أن الصواريخ لم ينته خطرها وان توقفها لا يعني عدم استعداد المقاومة لضربها مرة أخرى متى استلزم الأمر ذلك،وان وقف الصواريخ حاليا هو عبارة عن تكتيك استخدمته المقاومة من اجل مصلحة أبناء غزة،كما أدركت وعلمت جيدا أن الفصائل وعلى رأسها حماس لم تتوقف في أي لحظة عن التسلح والتزود بالصواريخ الحديثة ومحاولات تطوير الصواريخ التي بحوزتها حتى تم كشف النقاب أخيرا عن تجارب لكتائب القسام على صواريخ تصل لتل أبيب وهذا ما أكدته إسرائيل وما لم تؤكده حماس ولم تنفه أيضا.
إسرائيل التي سعت لإضعاف حماس والمقاومة اعترفت أخيرا أن حماس لا يمكن اقتلاعها وأنها حركة راسخة ومتجذرة في الشعب الفلسطيني يحميها بكل ما يملك فكما جادت حماس لأجل هذا الشعب فانه يجود بكل ما يملك من اجل حماس،بل أن الحرب زادت من رصيد حماس في الشارع الفلسطيني وهذا ما رأينا دلالاته واضحة ومتجلية في ذكرى مهرجان انطلاقة حماس الـ22 حيث كان الحدث الجماهيري الأضخم في تاريخ قطاع غزة والمهرجان الأكبر في سلسلة مهرجانات حماس التي كانت تقيمها.
وبعد ذلك نقول..بفعل الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة تأثر الوعي العالمي إيجابيا لصالح قضيتنا وبدأ العالم يستفيق على أن غزة تعاني من الظلم والحصار وانه لا بد من فك الحصار عنها،وبدا الجميع ينظر إلى حماس تلك الحركة التي شنت إسرائيل حربها عليها بنظرة غير تلك النظرة التي كانت قبل الحرب وبات الكل يدرك أن حماس حركة تحرر وطني لا تسعى للقتل لمجرد القتل ولا لسفك الدماء لمجرد التسلية والعبث،لكنها حركة تقاتل بشرف وتتقن فن المقاومة من اجل أهداف معلومة وواضحة وهي تحرير الأرض والإنسان الفلسطيني.
فكيف لا نقول انتصرت المقاومة وانتصرت غزة وانتصرت حماس وكل ما جنته إسرائيل من تلك الحرب هو تشويه صورتها أمام الرأي العام العالمي وعدم مقدرتها على تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنتها من حربها على غزة بالإضافة إلى الوضع الذي بات عليه قادة دولة الاحتلال من الخوف والترقب والتفكير ألف مرة قبل السفر إلى أي دولة،فلعنة غزة تطاردهم في حلهم وترحالهم.
انتصرت المقاومة وحماس وانتصرت غزة بالصمود في وجه آلة القتل الصهيونية،وخسرت إسرائيل بفشلها في تحقيق أهدافها من الحرب على غزة وثأرها من المقاومة عبر قتل المدنيين والعزل بشكل ينم عن عقلية يهودية تعشق القتل وسفك الدماء.