أية مقاومة يحتاجها الشعب الفلسطيني ؟!

أية مقاومة يحتاجها الشعب الفلسطيني ؟!

خالد معالي
2009-11-23

كثر الجدال في الآونة الأخيرة حول أية مقاومة تحتاجها الحالة الفلسطينية الراهنة والتي باتت أكثر إلحاحا بعد مطالبة القائد الفتحاوي والأسير مروان البرغوثي بالمزاوجة الخلاقة بين…

كثر الجدال في الآونة الأخيرة حول أية مقاومة تحتاجها الحالة الفلسطينية الراهنة، والتي باتت أكثر إلحاحا بعد مطالبة القائد الفتحاوي والأسير مروان البرغوثي بالمزاوجة الخلاقة بين المفاوضات والمقاومة "المشروعة"، وأيضا بعد فشل برنامج المفاوضات في الوصول للدولة المنشودة، وبعد هذا الكم من الغضب الشعبي المتراكم على "نتنياهو " وسياساته المتعجرفة الناكرة للحقوق.

تحاول دولة الاحتلال جاهدة إطالة عمرها بمواصلة بناء المستوطنات في الضفة وتهويد القدس في ظل عدم وجود ضغط دولي أو أمريكي عليها. أمريكا التي وعدت بدولة فلسطينية ولم تف كعادتها تراجعت لأنها لم تجد الحراك والضغط الكافي عليها من قبل الدول العربية والإسلامية، ووجدت أن مصالحها لن تتضرر بالانحياز لدولة الاحتلال ولا يوجد شيء تخسره من تنصلها، وهكذا بات الفلسطينيون لوحدهم. في ظل هكذا أوضاع يرى المحللون أن الباب بات مفتوحا لعودة المقاومة بأشكال جديدة لوقف تراجع الحالة الفلسطينية.

التجربة الفلسطينية مع الاحتلال، تعددت معها أساليب المقاومة ووسائلها، وكان كل أسلوب نابعا من الحاجة الفلسطينية؛ لجعل الاحتلال يدرك أن احتلاله مكلف وغير مريح له وعليه دفع  ثمنه. ما بين المقاومة السلمية والمقاومة العنيفة يبرز جدال ساخن بين النخب الفلسطينية؛ في أي منها قادرة على إجبار الاحتلال على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة والدولة.

لا احد يجادل أن أي شعب وفي وجود احتلال لبلدهم سوف يحدث ردة فعل جماهيرية غاضبة، وهي في أصولها مقاومة فطرية عفوية غالبا ما تخرج بدون أي تخطيط مسبق وهو ما ينطبق نوعا ما على الانتفاضة الأولى. النخبة أو الصفوة يكون على عاتقها توجيه قوى الشعب الحية الوجهة الصحيحة نحو تحقيق الأهداف المرجوة بمختلف الطرق والآليات التي تمكنهم من الاستمرار في هذا النضال الذي فرض عليهم، وتستثمر هذه النخبة والطليعة بشكل خلاق الحراك الشعبي كونه يمكن أن يوصل للنتائج المرجوة.

طليعة الشعب الفلسطيني هنا تحديدا هي حركتي فتح وحماس. اليسار الفلسطيني يذوب شيئا فشيئا، في ظل عدم قدرته على مواكبة التغيرات المحلية والدولية لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها. الطليعة – فتح وحماس – من الطبيعي أن تتمايز كصيرورة تاريخية في إطار تعدد الوسائل، وضمن تعدد الآراء وهو ما قاد إلى الاختلاف كطبيعة بشرية، والى هنا يبدو الأمر طبيعيا، باستثناء ما حصل من أحداث مؤسفة خارجة عن أدب الاختلاف والعمل المقاوم، والتي ما كان لها أن تحدث لو تم تغليب لغة العقل ووحدة الدم والمصير وقتها، وهو ما طاب وراق للاحتلال كونه يقوم على سياسة فرق تسد، واللعب على التناقضات.

من واقع ورحم التجربة التي نحياها كفلسطينيين، تبين للجميع خطورة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني واستمراره، وبان بشكل جلي خطورة فرض برنامج بعينه على الشعب بعيدا عن التوافق والمصالحة.

الأصل في الأمر أن تتعاضد الجهود وتتكاتف الصفوف لرد الخطر الداهم من "نتنياهو"، والذي لا يميز بين فصيل وآخر، على مبدأ التوازي في المسير النضالي، بحيث تتشكل في روافد نضالية تصب في تجمع واحد. هناك من يرى انه لتكن المقاومة الواعية والمدروسة وجهتنا في المرحلة القادمة التي تمزج بين المقاومة السلمية والعنيفة بتوافق ورضا الجميع وحسب الظروف والإمكانيات والبدائل المتاحة دون إكراه من طرف على طرف آخر.   

من ينادي بالمقاومة الشعبية أو السلمية ومن ضمنهم مصطفى البرغوثي ، والاسير مروان البرغوثي هم بالمجموع يرون أن موازين القوى لا تسمح بالمقاومة العنيفة والمقاومة المسلحة على ارض فلسطين لأنها سوف تجلب الكثير من المعاناة لشعبنا. ومن ينادي بالمقاومة بالعنيفة يرى أن الاحتلال لا يفهم غير لغة القوة وهي التي أجبرته على الانسحاب من لبنان وقطاع غزة.

جدلية أية مقاومة تحتاجها الحالة الفلسطينية لا يعقل أن تصل إلى حد زرع وتوليد البغض والأحقاد والاتهامات المتبادلة، إنما وجدت لتنوع الرؤى، وتبني الخيار المناسب للمرحلة المناسبة في الزمان والمكان المناسبين وبالتوافق والتكامل.

استخلاص العبر من انتفاضة الحجر هو المطلوب وهو ما يجب دراسته وإعادة تقييمه، كابتكار وإبداع انفرد به الشعب الفلسطيني وأسلوبا مفاجئ استطاع من خلاله أن يربك كل الأطراف، وأجبرت قوى الظلم أن تأتي صاغرة ومهرولة تعرض صفقاتها، ولتعيد تشكيل العلاقات والمصالح من جديد.

المقاومة مهما تعددت أسماؤها يجب أن تكون في الزمان والمكان المناسبين، وهذا يقع على عاتق الطليعة التي يجمعها الكثير الكثير، ولا يفرق بين قواها سوى الاحتلال المتربص بها لحظة بلحظة، ويزرع بذور الشقاق والخلاف ويغذيها ساعة بساعة. ما يثبت شماتة الاحتلال بنا هو شماتته بما جرى بين الجزائر ومصر ، وتمنيه أن يحصل ذلك بين حماس وفتح من جديد، في استهزاء للعقلية العربية والفلسطينية لاختلافها على أشياء لا يوجد ما يبرر الاختلاف عليها سوى الجهل والتخلف.

في المحصلة لعلنا نستطيع القول أن تغول "نتنياهو" في الاستيطان وتهويد القدس وتنصله من الاتفاقيات قد يدفع باتجاه أحداث موجهة ووحدة الصف الفلسطيني، كما جرى مع القائد الراحل ياسر عرفات؛ حيث أن تنكر الاحتلال لإقامة الدولة الفلسطينية بحسب الاتفاقيات قد دفع باتجاه انتفاضة الأقصى، وما قد يحصل  في القريب العاجل هو رهن الظروف والأحداث. الأجدى والأنفع لجميع الأطراف الفلسطينية هي الوحدة، والتحكم بالأحداث وصنعها قبل أن يبتلعهم "نتنياهو" جميعا في مشاريعه الاستيطانية والتهويدية...فهل من مجيب؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026