فجأة وبدون مقدمات أطلت علينا الرموز الفتحاوية بتصريحات عالية السقف غادرها عامل الحذر في انتقاء الكلمات والجنوح نحو الدبلوماسية والكف عن استخدام لازمات التفاوض والتسوية والقرارات…
فجأة وبدون مقدمات أطلت علينا الرموز الفتحاوية بتصريحات عالية السقف غادرها عامل الحذر في انتقاء الكلمات والجنوح نحو الدبلوماسية، والكف عن استخدام لازمات التفاوض والتسوية والقرارات الدولية، وبدا للغشيم بواقع الحركة أنها بصدد الانعطاف نحو تبني خيارات أخرى مغايرة لنهجها الحالي بعد أن واجهت هذا الانسداد في أفق الحل السياسي.
فهل الآن فقط اكتشفت رموز أوسلو عبثية مسار التفاوض وفشل خياراتهم السياسية السابقة؟ وهل لم تواجه القضية الفلسطينية أزمة سياسية أكثر عصفاً من تلك التي تواجهها الآن ليتم نعي هذا النهج قبل الولوغ في حمأة الخطايا الوطنية كل هذا الحد؟ أما كان متاحاً ذلك يوم أن اجتاح شارون بدباباته الضفة وظلت مدنها منذ ذلك الوقت وحتى الآن تحت وصاية البنادق الصهيونية فيما كانت سيادة سلطة أوسلو وهمية وشكلية، ثم تحولت إلى سلطة تمارس مهام الاحتلال وتنوب عنه في كل أعماله؟
المسرحية الأوسوفتحاوية الجديدة أكثر من مكشوفة، وكل همها ملء الفراغ السياسي بعد انتهاء ولاية التشريعي مطلع العام القادم بشكل تظن أنه سيقطع الطريق على حماس للاعتراض أو حتى اتخاذ خطوات سياسية مقابلة.
وأن يكون نهاية الأرب في فنون اغتصاب الشرعية هو التحضير لإعلان دولة جديدة ومن طرف واحد فهذا يعني أن هذا الفريق لديه عقم شديد في الخيارات، وكل ما في الأمر أنه يحاول استغلال مشاعر الجمهور الفلسطيني وإلهاءه بخطوة مشابهة لخطوة إعلان الاستقلال الكاذب السابق، لإيهامه بأن تغيراً حقيقياً في نهج التفاوض سيتبلور على الأرض، ولذلك فلا بأس من تمثيل هذه الملهاة ولعب دور التحدي لإرادة الحكومة الصهيونية اليمينية واستجلاب غضبها لبعض الوقت على أمل تحسين الصورة القاتمة لفريق التسوية بعد وصوله الدرك الأسفل من ناحية التأييد والشعبية داخل فلسطين وخارجها وبعد أن غدا محل سخرية واستخفاف لدى النخب الفكرية والسياسية المختلفة.
ومن جهة أخرى فكيف يمكن أن يكون البديل العملي لنهج التفاوض إعلاناً بائساً عن قيام دولة يتحكم الاحتلال بأدق تفاصيلها؟ بل ما هي معالم تلك الدولة الأكذوبة؟ بضعة مدن في الضفة يستبيحها الاحتلال متى شاء ويرخص بنادق جنودها وعناصرها الأمنية ويلزمهم بحراسته والوقوف على أمنه وراحته؟!
لقد طبع هذا الفريق على المخاتلة والكذب والتفنن فيهما، وبالتالي فواهم من يستبشر خيراً بعوارض صحوة الضمير الموهومة هذه، والأهم من ذلك أن وجوده بات محكوماً بإرادة خارجية وأن لخياراته سقفاً واطئاً لا يملك تجاوزه، وإلا فلم لم يصارح هذا الفريق الشعب باكتشافه عقم خيار التسوية من أساسها وكيف أن أوسلو كانت كارثة كبرى منيت بها قضيتنا، وأن استحقاقاتها الأمنية قد حولت هذه السلطة إلى كيان قامع لشعبه ولمقاومته ولا تتجاوز مهامه تأمين جبهة المحتل وإجهاض كل محاولات النهوض بالمقاومة وإحيائها؟
إن فتح التي لا تملك من أمر قرارها شيئاً تحاول اليوم إعادة عقارب الزمن للوراء وتكريس واقع أوسلو، حتى وإن بدا أنها تحاول طي بعض صفحاته، فهي تريد القفز عن الواقع الذي أفرزته انتفاضة الأقصى وتمكينه لحماس في المشهد السياسي الفلسطيني، وتلوح بخيارات تحسب أنها ستضع حماس في مأزق سياسي إذا ما لجأت فتح للمنظمة وأحيت رميمها وجعلتها المرجعية السياسية لدولتها المزعومة، لكن كل هذه الخطوات ستبقى إجراءات شكلية فارغة المضمون لأن الحقائق على الأرض ستبقى كما هي، ولأن البديل الحقيقي لانقلاب فتح على سلطة التنسيق الأمني وإنهائها سيعني إنهاء فتح قبل كل شيء وتجريدها من عوامل قوتها التي باتت الآن مستمدة من أداء فروض الطاعة للجنرال دايتون والتحرك وفق إملاءاته. ففتح لم يبق منها عملياً سوى هذا الكيان الأمني الناشط في الضفة والممول خارجياً والمحددة مهامه وآفاق تحركه.
وبالتالي فإن شكل الدولة بنسختها الجديدة سيكون أسوأ مليون مرة من إعلانها السابق في الهواء، لأنها لا تملك من مواصفات الدولة سوى كيان إداري بائس يحتكره الفريق ذاته ويحميه كيان أمني قمعي، وكل ذلك تحت عين الاحتلال ووصاية أمريكا وإشرافها.
وإن كان جزء من شعبنا قد صدق أكذوبة الاستقلال الأولى في حينه، فهيهات أن تمر عليه الكذبة مجددا وهو يرى حال وواقع أدعياء الوصاية على المشروع الوطني، لأن أولى مقومات التوبة عن النهج الفاشل والخيارات العقيمة الكف عن ممارسة الخطيئة وإيقاف تجلياتها على الأرض، وليس تصعيدها والتمادي فيها.