يتبادل الكثير من الناس في هذه الأيام النصائح في كيفية الاستعداد للحرب القادمة على قطاع غزة ويشيعون أن الحرب القادمة ستكون أشد ضرواة من سابقتها وكأن الأمر قد حسم والوحي قد نزل ولا…
يتبادل الكثيرُ من الناس في هذه الأيام النصائحَ في كيفيةِ الاستعداد للحرب القادمة على قطاع غزة ويشيعون أن الحرب القادمة ستكون أشدَّ ضرواةً من سابقتها ، وكأنَّ الأمرَ قد حُسِمَ والوحيَ قد نزل ولا رادَّ لقضاءِ الله وقدرِه ولننتظرْ القادمَ فإنه أدهى وأمر والمسألةُ مسألةُ وقتٍ لا غير !
وللأسف قد صدق بعضُ الناسِ الكرام هذه الدعاوى ، وآمنوا بهذه المناماتِ والرؤى ، التي تُنْشَرُ من بعض الذين يتلاعبُ بعقولهمُ الشيطان ، واعتقدوا بصحةِ بعض التقارير التي تنشر على بعض مواقع الانترنت - ممن لم يعرف كاتبها غالباً- والتي تنذرُ بحربٍ مدمرةٍ على قطاعِ غزةَ لن تبقي ولن تذر وستحرق الأخضر واليابس !
وترويج مثل هذه الإشاعات جعلَ بعضَ الناسِ يبيعون ممتلكاتِهم التي توازي الحدودَ خوفاً على ضياعِها ، والبعضُ الآخر من الناس بدأَ يستعدُّ فعلاً -للحربِ- بشراءِ ما يلزمُ لها من شموعٍ ومعلباتٍ وموتورٍ للكهرباء إلى آخرِ ما لزمنا في الحربِ السابقة على قطاع غزة .
وفي هذا المقال نناقش الأمر بهدوء متسائلين ما الذي جعل الناس يعتقدون بقدوم حرب على غزة مرة ثانية ؟ ، ثم ما الواجب على الدعاة والمفكرين إزاء بث مثل هذه الإشاعات في صفوف أبناء شعبنا ؟
أولاً : أسباب انتشار هذا الخبر السيء
اليهود
من المتفق عليه بين الناس جميعاً أن من مصلحة اليهود أن يشاع بين الناس حالة من الرعب والذعر تجعلهم مضطربين وتترك بعضهم يموج في بعض لا يلون على شيءٍ ، ولقد دأب اليهود منذ بداية الاحتلال على بث الإشاعات بين المواطنين بقصد شغلهم بأنفسهم عن التفكير في تحرير البلاد المغتصبة من قبل اليهود المحتلين .
ولطالما ذاق شعبنا الويلات من تصديق إشاعات أطلقها الاحتلال الصهيوني عبر سنوات الظلم التي عاشها شعبنا والتي تجاوزت الستين عاماً ، واليوم قد رأى اليهود قاتلهم الله الأهالي يعودون لبيوتهم التي قصفت أيام العدوان الظالم الغاشم على قطاع غزة ، فَبَنَوَ ما دمره الاحتلال وسكنوا في البيوت المدمرة على حالتها كما هي وبدأت تدب الحركة في تلك المنطقة فما راق هذا للاحتلال فأوعزوا لعملائهم وغيرهم بضرورة بث الإشاعات بأنَّ غزةَ قادمةٌ على حربٍ مدمرةٍ ستحرق الأخضر واليابس ولن تكون كالحرب السابقة قطعاً ..
وبالتوازي يؤثر بث الإشاعات على الناس داخل القطاع سلباً بشكل كبير جداً ، فالبضائع تزداد ارتفاعاً في السعر ، والكثير منها يختفي من السوق ، ويفكر الكثير من الناس بالسفر والخروج من القطاع هروباً من المستقبل المجهول ، ويمتنع الكثير من المتضامنين من القدوم إلى القطاع لتأكيد الخبر لهم من قِبَلِ الأهالي .
وتحدث كلُّ هذه الأمور وهي مبنية على إشاعات كاذبة والرابح الأكبر من وراء ذلك هم اليهود ، ولكنَّ ربحَهم هو عين الخسارة بإذن الله تعالى وصدق الله القائل [وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ]
تقارير !
نَعَمْ ، التقارير المكتوبة المنشورة من قبل بعض الكتاب المشاهير ممن لهم قبول عند قطاع كبير من القراء في عالمنا العربي والإسلامي ، وهناك بعضُ التقارير التي يكتبها بعضُ المحللين الصهاينة تصلُ إلينا من خلال بعضِ المختصين في الشؤون الصهيونية ، وهذه التقارير وتلك تتكلم عن حجم الحرب القريبة على قطاع غزة ، ويذكرون أن الحرب ستكون من نوع آخر غير الذي عرفه أهل القطاع في الحرب المدمرة الماضية وتجدهم يفصلون بشكل عجيب يوحي بأن القوم متأكدون مما يقولون ، فهم يذكرون أدق التفاصيل زماناً ومكاناً وقدرةً والسلاح وعدده وأنواعه إلى آخره ...
وتجد القائلين بحتمية الحرب القادمة يحتجون بهذه التقارير وكأنها قدر منزل أو وحي معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فالكاتبون هم المختصون وهم العارفون الدارسون المتتبعون للقضايا وهم وهم تنهال عليهم الألقاب الكبيرة والأوصاف العالية لتعطى تقاريرهم الهالة القدسية التي لا يسمح معها إلا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا ! ومهما يكن كاتب هذا التقرير أو ذاك فليس يعرف من الغيب إلا النزرَ اليسيرَ عبر بعض المعلومات التي تأتيه من هنا وهناك ، وأحياناً كثيرة يعتمد كتاب التقارير على بعض الأخبار التي يسمح اليهود بنشرها لمآرب أخرى ، فاليهود ليسوا من الغباء بمكان حتى يبلغونا عن زمان ومكان وأسلحة الحرب !
وكم قرأنا من تقارير كثيرة عن أشياء كثيرة لكنها لم تصدق أو أنها تأخرت عن المواعيد المبتوت فيها من خلال هذه التقارير أو تلك ، وليس هذا انتقاصاً من التقارير وكاتبيها وإنما هو إنزال الشيء في ميزانه الصحيح وعدم المبالغة في الأمور بحيث يشعر الإنسان بأن الحرب على الأبواب ولا يصح أبداً أن يوصم المستقبل ([2]) ويوصف بالقتامة والسواد والعتمة والظلمة إلى هذا الحد ، فإن سياسة التخذيل والتيئيس ليست من ديننا في شيء .
الأحلام !
الأحلام والمنامات والرؤى والتخيلات سبب رئيس وراء إطلاق شائعة الحرب القادمة على غزة فقد نمى لسمعي أن رجلاً قد رأى رؤيا أو حلماً على الأصح وفيها تفصيل دقيق لما يجري وهو حلم طويل جداً فيه تحديد لأزمنة وأمكنة وأسماء ومسميات وحكايا وقصص أشبه بالأساطير وليس هذا بغريب ، ففي التاريخ أحلام كثيرة ، ولكن الأعجب والأغرب أننا نجد من الكرام من يصدق مثل هذه الأحلام والمنامات ، وينطلق من خلالها في فهمه وتصوره للأحداث والأمور !
ولا زلت أذكر فتنة صاحب الرؤيا الكبيرة الذي استحل الحرم ، حيث زعم أنه رأى نفسه المهدي المنتظر وقد تمكن إبليس من إدخال هذه الرؤيا نفسها في رأس الكثير من الشباب آنذاك حتى اقتنعوا بها وكثرت الرؤى وزادت المنامات حتى أداهم ذلك لاستحلال الحرم وسفك الدماء وإيقاف الطواف وإدخال السلاح وترويع الآمنين ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وما فتنة مسجد ابن تيمية في رفح عنا ببعيد ، فإنها بنيت على رؤيا رآها أو أوريها إمام المسجد وتمكنت الرؤيا من قلبه ودعا الناس لما فيها وأعلن إمارته وأقام خلافته وتوعد بغزو العالم من منطقة لا تعدو " كيلو متر" وكانت النتيجة دماء تسفك ومسجد ينتهك وأبرياء يقتلون ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والسبب رؤى وأحلام .
" وليس القصد هنا التقليل من شأن الرؤيا ، أو إفقادها قيمتها ، لكن المقصود أن لا يتعدى بالرؤيا طورها أو يتجاوز بها حدها ، فالرؤى مبشرات ، ولكن لا يصح أن تبنى عليها التشريعات فضلاً عن العقائد ، ومن نظر في التاريخ لمس كيف جرَّ اعتمادُ الرؤى في هذا الباب إلى مصائب وفتن ، ومن آخر ذلك وأوضحه ما وقع من فتنة الحرم المشهورة ، حيث اعتمدت فيه الرؤى في تحديد المهدي "([3]) .
ثانياً : واجب العلماء والمفكرين للقضاء على الإشاعات :
وإزاء كل ما نسمع من إشاعات وما يصل لسمعنا من توقعات فما هو الواجب على الدعاة والعلماء والمفكرين والمثقفين من أبناء شعبنا خاصة ومن أبناء الأمة عامة ؟
إنَّ من ضمن مسؤولية العلماء في هذا الزمان وفي كل زمان أن ينهضوا فيقووا من عزائم الناس ويشدوا من أزرهم ويربطوا على قلوبهم ويسمعوهم أن المستقبل لنا لا للظلمة وأن الأيام تحمل لنا الخير الكبير والأمل العظيم حتى ولو تأكد للعلماء والدعاة أن ثمة حرباً قادمة فلا يجوز لهم بحال أن يساهموا في تثبيط الناس وإضعاف عزيمتهم وإدخال الرعب والهلع والخوف في قلوبهم فإن هذا بلا شك يصب في مصلحة الأعداء .
أما المخذلون المثبطون فمثلهم لا مكان لهم في صفوف المسلمين وخاصة المقاتلين منهم وقد سمعت من شيخي الشهيد نزار ريان رحمه الله أن العلماء يقولون بضرورة إخراج المخذلين من بين صفوف المقاتلين حتى لا يسقط في أيديهم .
" يَحْرُمُ تَخْذِيل الْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ . قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُخَذِّلِينَ [قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا] ولاَ يَسْتَصْحِبُ الأَْمِيرُ مَعَهُ :
· مُخَذِّلاً ، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الْغَزْوِ وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْقِتَال وَالْجِهَادِ ، مِثْل أَنْ يَقُول : الْحَرُّ أَوِ الْبَرْدُ شَدِيدٌ ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ ، وَلاَ تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ وَأَشْبَاهُ هَذَا .
· وَلاَ مُرْجِفًا وَهُوَ الَّذِي يَقُول : قَدْ هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَا لَهُمْ مَدَدٌ وَلاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ وَمَدَدٌ وَصَبْرٌ ، وَلاَ يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ وَنَحْوُ هَذَا .
· وَلاَ مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ وَإِطْلاَعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ "([4])
إن تثبيت الناس في مواطن الشدة والكرب أمانة ملقاة في أعناق العلماء والدعاة والمفكرين والمثقفين من أبناء شعبنا وأمتنا وفي التاريخ خير شاهد ، فإنه لما "أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد رضي الله عنه : ما أكثر الروم وأقل المسلمين ! ! فقال خالد : ويلك ، أتخوفني بالروم ؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال ([5]).
وختاماً :
أرى وجوب إسكات كل المتحدثين بنشوب حرب قادمة على سبيل التخويف والإرجاف وضرورة أن ينطلق الدعاة في كل المحافل مبشرين الناس بنصر الله المرتقب دون شطط ، ووجوب تثبيت قلوب المؤمنين وعدم المساهمة في خلخلة الصف المسلم المتماسك في بلادنا ولست أقصد هنا عدم الاستعداد لأي طارئ فإن عدونا لا يؤمن جانبه ومكره تزول منه الجبال بلا شك .
ومن نافلة القول أنني لا أنفي أيضاً وجود حرب على قطاع غزة أو غيره فالعلم عند الله والغيب بيد الله وقد أمرنا أن نبشر الناس وأن نطمئنهم ، والذي أدريه أن القادمَ خيرٌ لنا فأمرنا كله خير ، وأما الذي لا أدريه هو : هل هناك حرب قادمة أم لا ؟
وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين .
ــــــــــ
تعمَّدتُ اختيار هذا الاسم ليكون سبباً في شد الانتباه لقراءة المقال وإن كان مضمون المقال على خلاف ما يتبادر إلى ذهن القراء .
[2] - كتبت مقالاً بعنوان : المستقبل لنا لا للظلمة فليرجع إليه من أراد الفائدة .
[3] - معالم ومنارات – عبد الله البجيري 64/1 بتصرف . من الموسوعة الشاملة "الإلكترونية "
[4] - الموسوعة الفقهية الكويتية 38/11 بتصرف . من الموسوعة الشاملة "الإلكترونية " .
[5] - البداية والنهاية لابن كثير : 13/7 . من الموسوعة الشاملة "الإلكترونية " .