محمد منصور همة عالية ونفس متوقدة

بقلم فؤاد الخفش
2009-10-28

شعرت للحظات أنه لا يريد أن يسمع صوت أحد كنت أتحدث إليه ونظره يجول بالمكان يتفقد كل زاوية يرجع رأسه للخلف ويعقد جبينه ويهز رأسه هنا كنت أجلس وهنا كانت شجرة وهنا لم يكن هذا المبنى…

شعرت للحظات أنه لا يريد أن يسمع صوت أحد، كنت أتحدث إليه ونظره يجول بالمكان يتفقد كل زاوية، يرجع رأسه للخلف ويعقد جبينه ويهز رأسه، هنا كنت أجلس وهنا كانت شجرة وهنا لم يكن هذا المبنى، أريد أن اسأل عن زميلي الطالب فلان الفلاني الذي أصبح (دكتور) في الجامعة وعن رئيس قسم التاريخ وعن وعن.. أشياء كثيرة كان يسأل ويجيب نفسه بنفسه، ولكن تصاريف الدهر وطول المدة كانت ظاهره على تجاعيد وجه الأسير المحرر محمد منصور الذي أمضى 27 عاما في سجون الاحتلال.

محمد منصور شاب فلسطيني أمضى أكثر من نصف عمرة في سجون الاحتلال، أفرج عنه قبل شهرين، عمره الآن خمسون عاما، أمضى ما يزيد عن ال 27 عاما في سجون الاحتلال، رافقته في رحله إلى جامعتي بيرزيت التي كان الأسير طالبا فيها قبل ربع قرن وبالتحديد في قسم التاريخ الذي كان يعشقه ، وكما اخبرني الأسير المحرر أنه قطع شوطا طويلا في الجامعة تجاوز الستين ساعة.

محمد منصور لم تستطع سنوات السجن الطويلة من أن تكسر نفسه أو تجعله من المرضى النفسين فهو من آمن بعدالة قضيته واستصغر تضحيته مقابل تضحيات الآخرين، صاحب همة عاليه استطاع من خلال أسره أن ينهى درجه البكالوريوس في التاريخ من الجامعة العبرية وقام بتأليف كتاب عن حرب العرق نشر في الأسواق لم تقف حدود طموحه عند هذا الحد فهو يريد أن يكمل دراسته العليا في ذات الجامعة التي حرم من إتمام دراسته فيها.

محمد منصور يريد أن يرسل رسالة للمحتل بعد أكثر من ربع قرن، الجامعة التي حرمتموني أن أتخرج منها ها أنا أعود لها ومصر على أخذ شهادة دراسات عليا منها فإرادتي أقوى من سجونكم.

محمد منصور ذاكرة حية وقلب محب للآخرين، كان يسأل عن الجميع، كان ينظر في عيون المهنئين من أبناء بلدته يحاول أن يعرفهم بالدم، أنت ابن عمي فلان رحمه الله وأنت من جيران دار والدي رحمه الله، يقول هذا الكلام لأناس ولدوا وهو بالأسر، وكأنه يريد أن يقول لهم أنا لم أنس قريتي وأهالي بلدتي للحظة، كنتم دوما في البال.

محمد منصور لم تقف حدود طموحه عند هذا الحد فاندمج بالمجتمع وسارع على الفور بالاندماج بالمجتمع وبحث عن شريكة حياته التي لطالما نسج لها قصائد حب ووفاء قبل أن يراها وهو في زنزانته فتقدم لخطبة إحدى بنات بلدته بلعا، وافقت لم تتردد ولم تشكل مدة أسره الطويلة حاجزاً بل كانت دافعاً ومحفزاً للقبول والوفاء لمن قدم للوطن بدون مقابل.

محمد منصور حكاية شعب تحدى المحتل، شقيق شهيد لم تتعبه طول الأيام وسود لياليها اثبت ويثبت مع كل صباح أن قوة الحق تنتصر في كل مرة على من يرفع شعار حق القوة، فله مني ألف تحية وألف سلام على روحه الوقادة ونفسه الخلابة وهمته العالية

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026