أن يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عقب القمة الثلاثية التي جمعته بأوباما وعباس مجددا لاءاته برفض تجميد الاستيطان والعودة إلى حدود الخامس من حزيران ورفض الخضوع لأي شروط قبل…
أن يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عقب القمة الثلاثية التي جمعته بأوباما وعباس مجدداً لاءاته برفض تجميد الاستيطان والعودة إلى حدود الخامس من حزيران 67 ورفض الخضوع لأي شروط قبل استئناف المفاوضات، وأن يلخص وزير خارجيته ليبرمان الموقف الأمريكي الذي عبر عنه خطاب أوباما في الأمم المتحدة بأنه تمخض عن تطور إيجابي لصالح إسرائيل فيما يخص مسألة الاستيطان كون الرئيس الأمريكي تحدث عن كبح جماح الاستيطان وليس تجميده، وأن يبتهج الإعلام الإسرائيلي لكون خطاب أوباما كما القمة الثلاثية لم يفضيا إلى إلزام من أي نوع لإسرائيل يتعلق بثوابتها المعروفة تجاه خيار التسوية، أن يحدث كل هذا فهو يعني أن كل المبررات التي طرحت بين يدي هرولة عباس للقاء القمة لم تهدف سوى للتقليل من بشاعة تلك الجريمة ليس بحق القضية الفلسطينية فحسب بل أيضاً بحق فريق عباس نفسه الذي لم يعد يبالي بتبعات كذبه المكشوف وممارسته المفضوحة للخداع والعزف على وتر الثوابت وإطلاق تصريحات جوفاء ثم الارتداد عنها وتجاوزها وكأن شيئاً لم يكن!
لن نتحدث في هذا المقام عن طراز من الإعلام الفلسطيني مهمته تجميل القبائح السياسية التي يقارفها فريق المقاطعة والتمكين لمفاهيم السلام الاقتصادي وفق رؤية فياض، غير أن هذا الإعلام ذاته الذي كان قد روج بشكل مبالغ فيه لمواقف عباس بعيد فوز نتنياهو في الانتخابات وإطلاق الأول الاشتراطات المتعلقة بالاستيطان كان إنما يحاول صرف الأنظار عن الحقائق الاستيطانية على الأرض التي تتم بمباركة سياسية فلسطينية رسمية في ظل تحول مهام حكومة الضفة إلى حراسة الحلم الصهيوني وقطع الطريق على كل محاولة لاستنهاض المقاومة أو إعادة الاعتبار لخيار المواجهة المسلحة. ثم تجد مع كل هذا من يتبجح بادعاء أن فتح إنما تخوض حرباً ضد الاستيطان حتى وهي تقدم تنازلات سياسية سافرة أخفها وطأة هذا الخضوع للإملاءات الأمريكية والتراجع حتى عن ثوابتها الكلامية والفشل في تحصيل موقف أمريكي جدي وواضح يعالج مسألة الاستيطان على وجه الخصوص.
وعملياً فإنه لم تكن هناك حاجة لأن يعلي فريق عباس سقف كرامته السياسية عقب تشكيل نتنياهو لحكومته وإطلاقه لاءاته المعروفة ( وهي اللاءات التي كررها نفسها عقب لقائه عباس) ذلك أن مواقف نتنياهو في جوهرها لا تختلف عن مواقف حكومة أولمرت، وهي الحكومة التي كانت علاقتها بسلطة عباس سمناً على عسل، رغم أنها بزّت حكومة اليمين المتطرف في سياساتها الاستيطانية كما في جرائمها غير المسبوقة والتي ترجمتها حربها المسعورة على غزة بمباركة عباس وتشجيعه المباشر كما صرح ليبرمان الذي سخر من دعوة عباس لمحاكمة إسرائيل دولياً على جرائمها في غزة كونه يعدّ شريكاً مباشراً في هذه الحرب ومحرضاً على استمرارها حتى تحقيق هدف القضاء على حماس!
ثمة مشهد مغرق في البشاعة يتجلى الآن بعد أن ذاب ثلج الثوابت الوهمية وبان مرج التنازلات وما تمخضت عنه، فحكومة الكيان الصهيوني المتحصنة بثوابتها الحديدية لا تجد مشكلة في استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، بمعنى أن سقفها السياسي في أعلى حالاته، وهل هناك وضع يناسب إسرائيل أكثر من هذا؛ بأن تبدو أمام العالم ماضية في خيار السلام بينما هي تدير حرباً خفية وسرطانية في الوقت ذاته، مع ما يضمنه ذلك من انكسار أي حلقة عزلة دولية أو إقليمية قد تسببها مواقفها أو صعود رموزها اليمينية الأكثر تطرفاً لحكومتها؟!
وفي المقابل فإن حكومة عباس – فياض غير الشرعية لا تجد مشكلة في الإذعان للإرادة الصهيونية، وخوض ما تراه تحدياً وفق منطقها الأعوج أو حرباً تفاوضية صعبة وطويلة الأمد بطلها الفريق الفاشل نفسه الذي لم يخجل من كل إخفاقاته وتجاربه السابقة!
أما الرعاية الأمريكية التي يعول عليها عباس فأقصى ما يمكن أن تمن به عليه هو إلزام إسرائيل (بكبح جماح) الاستيطان كما فهم ليبرمان، مما يعني أن فرض الحقائق الإسرائيلية على الأرض سيستمر وسيمضي الاستيطان إلى الحد المطلوب صهيونياً قبل إبرام اتفاق الدولتين بصيغته النهائية، وحينها سيصبح التفاوض على أعداد المستوطنين ولإيجاد مخارج وحلول للكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة، وهي حلول ستكون قطعاً على حساب دولة فياض الممسوخة التي لا ينفك يبشر بها، والتي عمادها فقط أجهزة أمنية قادرة ومؤهلة واقتصاد قوي، (لاحظوا كذلك أن عباس تحدث في خطابه الأخير في الأمم المتحدة عن تجميد الاستيطان وليس عن إنهائه)!
وهنا يحسب للرؤية (الفياضية) تقاطعها مع نظيرتها الإسرائيلية في الصدق مع الذات؛ فكما أن إسرائيل تطرح من المواقف ما تعنيه فعلاً حين تتحدث عن استحالة العودة إلى حدود الخامس من حزيران 67 أو إنهاء الاستيطان، ففياض كذلك حين يتحدث عن دولة فلسطينية فإنه يحدد معالمها بالأجهزة الأمنية القوية والاقتصاد، رغم أنه يغفل ذكر المفهوم الخطير لهذين المحورين، لكنه لا يقف كثيراً عند شكل الدولة جغرافياً أو سيادتها السياسية والعسكرية.
أما المخاتلة السياسية وتضليل الوعي وبيعه الأوهام وحمل بطيختي التنازل وادعاء المحافظة على الثوابت في اليد ذاتها فهي أمور من تخصص فتح وحدها ورموزها التي أصبحت ممثلة في لجنتها المركزية والتي يتحدث عنها تاريخها كما مواقفها دونما حاجة لتعليق!