صراع الأقصى ليس سياسياً

محمد سلامة
2009-09-28

جدول عادي ما جرى بالأمس في ساحات المسجد الأقصى من مواجهات واشتباكات بين المحافظين على مسجدهم وبين جنود الاحتلال المدججين بالسلاح وقنابل الغاز هي المشاهد نفسها التي صورتها كاميرات…

ما جرى بالأمس في ساحات المسجد الأقصى من مواجهات واشتباكات بين المحـافظين على مسجدهم وبين جنود الاحتلال المدججين بالسـلاح وقنابل الغـاز , هي المشـاهد نفسها التي صورتها كاميرات الإعلام قبل تسع سنوات بالضبط , وربما بعض الأشخـاص الذين شـاركوا في تلك الأحداث ما زالوا على قيد الحيـاة .

كغيرنا من التواقين للصلاة في المسجد المبـارك تابعنا تلك الأحداث الأليمة التي أعـادت بالذاكرة إلى المشهد الخـالد الذي انطلقت فيه انتفاضة الأقصى المجيدة , ونحن نعيش ذكرها ونسماتها في هذه الأيام , نسمـات الشهـادة والشهداء الذين تسربلوا جماعات وفرادى على أبواب وعتبات المسجد الأقصى .

ما حدث بالأمس هو إجرام عجزت قواميس الدنيا عن وصفه , لقد تفنن اليهود في إذلال المسلمين بالمسـاس بمشـاعرهم ومقدساتهم , رأينا جنود الاحتلال وهم يتبجحون أمـام كاميرات الإعلام والصور المبـاشرة , والقـادة العرب لا يحركون سـاكنا وكأن هذا المسجد شأن خاص بالفلسطينيين وحدهم ولا تربطهم به أي علاقة , رأينا صورة الشيخ الكبير الذي انهال عليه الجنود بالضرب المبرح , كيف رسم لنا صورة الصراع بيننا وبينهم عندما خر لله ساجدا , ودحض بذلك كل الإدعـاءات والأقاويل التي تدعي بأن الصراع مع اليهود صراع سياسي ومشكلة حدود .

أستطيع القول أن اليهود في كل مرة حاولوا أن يذيبوا قدسية المسجد الأقصى في نفوس المسلمين والفلسطينيين بالأخص , حتى إذا جرى للأقصى مكروه لا سمح الله لا يأبهون بردة الفعل التي ستنتج عنهم , لأن الدمـاء التي تغلي في عروقهم قد بردت , فبالأمس الحرم الإبراهيمي الشريف واليوم المسجد الأقصى , فأين الذين كنا نسمع شجبهم واستنكارهم وكنا نعيب عليهم وقتها ذلك الشجب , اليوم لا شجب ولا استنكار !! أين وزراء الإعلام ورؤساء تحرير الصحف والمجلات ومالكي القنوات الفضائية والقائمين عليها ، أين جرأة تلك الوسائل في فضح جرائم الاحتلال وكشف ممارساته عبر الإنفـاق التي يحفرها تحت الأقصى , أم أن أنفـاق حمـاس التي تُجّهز للعدو في غزة أولى أن تفضح في وسائلكم وتشويهكم لمقاتليها !! أين دوركم في تصحيح المسـار ؟ أين أحرار العالم من منظمـات إسلامية ودول وزعامات مما يجري ؟ أين الذين كانوا ينادون دوما بانسحاب الاحتلال وخروجه من أرضنا ومقدساتنا وطرد السفـارات , لكن على ما يبدوا أن هذه الشعارات كانت شعارات فقط لم ترتق إلى ما يصبوا إليه شعبنا في نيل الحرية والاستقلال من نير الظلم والعدوان .

يا أخت غزة إن الحـال واحدة .. فنحن تعبث في أقدارنا الأمم

صرنا لكل زنـاة الأرض ممسحة .. فنـال أعراضنا العمـلاق والقزم

للأسف الشديد هذا هو حال الأنظمة العربية بزعاماتها بعد تسع سنوات من تفجر الانتفاضة المبـاركة التي كنا نأمل من المحيط الإسلامي , أن يستغل هذه الفرصة لقلب الطـاولة على اليهود وإعـادة الأمور إلى نصـبها , لا العكس .. فالذي حدث أكبر من السكوت على اعتداء يمس الأقصى والحرم , لقد وصل الأمر بهم أن يشـاركوا عدوهم الحصـار والتعذيب والقتل في شعب فلسطين .

إلى هذا الحد وصلت بهم درجـة البـلادة واللامبـالاة بقبلتهم الأولى , هذا المسجد الذي ذكر في القرآن الكريم , ألم يفهمون أن اليهود ومن هم أخس خلق على وجه البسيطة يعبثون بآية من آيات الله عز وجل , بل ويدنسون تلك الآية الكريمة .

ماذا بوسعكم أن تفعلوا تجـاه أقصـاكم الأسير .. المسجد الأقصى يتعرض في هذه الأيـام إلى أسوأ مرحلة يمر بها .. إلى أسوأ فتره يعيشها .. المشكلة ليس فيما يفعله اليهود تجـاه الأقصى وأهل الأقصى , فهذا المسجد عندما أسري إليه النبي صلى الله عليه وسلم كـان "مزبلة" أكرمكم الله ترمى فيه القاذورات والنجـاسات , إنمـا المصيبة أنه مقـابل كل ما يفعله الصهـاينة بأهلنا وقدسنا ومسجدنا نرى مزيدا من التوطئ العربي والإسلامي مع هذه الاعتداءات , نرى تواطأ , تطبيع , تقبيل , اجتماعات فوق الطـاولة وتحتها .. يا إخوانا العرب من لم يستطع الدفـاع عن الأقصى وتحريره من براثن الاحتلال لا يحق له أن يتنـازل أو يكـافأ العدو على جرائمه .. من لا يستطيع أن يحـافظ لا يفرط .. من لا يستطيع الزواج لا يحق له الزنا .. هكذا تعلمنا من فقهـائنا وعلمـائنا .. كفى لهذه المهزلة .. ما عاد يطيق الإنسـان هذا الذل والهوان الذي يعيشه أهلنا في القدس وفلسطين من أمتهم وأبنـاء جلدتهم .. " يا خيل يعربَ كم شكوتَ تقهقرا .. فمتى سيأتي من يقول : تَقَّـدَّمِ " .

لا نريد لوم العرب كثيرا فالصبر في وجه القريب تعففا يرفع من شأن شعبنا قدرا وربما يحرجهم قليلا , لا نريد عتابهم فعندنا الخير كله كما يقـال , عندنا المفاوض الفلسطيني العنيد المفرط بأرضه وعرضه وبيته وأهله , هذا المفاوض الذي لم نعهد عليه دوما إلا السقوط في وحل الهزيمة والعار , في وحل الخيانة والكذب , حتى باتت الخيـانة بالنسبة لهم ولغيرهم وجهة نظر يتفاخرون بها ويريدون المحافظة عليها , حتى لو كلفهم ذلك دماء أبناء شعبهم الطاهرة , وما الهجمة الشرسة من قبل أجهزة عباس الأمنية في الضفة المحتلة إلا دليل واضح على هذا السقوط الوطني في وحل العمـالة والمتـاجرة بالحقوق والثوابت , فمـاذا يعني أن تنتفض غزة عن بكرة أبيها في مسيرات غضب وتحذير من المساس بالأقصى , والضفة التي تحتضن عروس فلسطين (القدس) لا تحرك سـاكنا , وكأن الأقصى لا يهمهم وهو شأن خاص بالمقدسيين فقط , هذا ليس لوما وعتابا على أبناء شعبنا هنـاك , فهم والله أشرف النـاس وأعزهم وتاريخهم حافل بذلك , إنما اللوم على تلك الزمرة الجـاثمة على صدور العبـاد المؤمنين التي تقمع كل من يفكر بالتعبير عن مشـاعره وغضبه ونصرته للأقصى , بل وتعتقل المجـاهدين والمقـاومين , الذي والله ما تجرأ العدو على مواصلة جرائمه في القدس إلا بعدما أمن العقـاب , وعلم أن كل من يفكر بالمقـاومة أو الانتقام لما يجري , هو الآن مكبل في سراديب الظلم .

لكن رغم ذلك الألم والصبر الذي نعيشه إلا أننا متيقنون بالله أولا , ثم بالطـائفة المؤمنة التي دافعت عن الأقصى , أن ما يفعله اليهود في القدس من اعتداءات وجرائم لن تغفر لهم الأيـام ما ستحمله من بشـائر للمسلمين فهذا وعد من الله حقا , فللأقصى وإن تخلى العرب والمسلمون رب من فوق سبع سماوات يحميه , وشباب من تحت سبع سماوات يفديه .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026