منذ أعوام قليلة نشرت الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه سلم وأهين الإسلام وانتهكت كرامة المسلمين واشتعلت موجات الغضب فانتفضت الجموع وأحرقت الأعلام ونثرت الشعارات وتحركت الأقلام…
منذ أعوام قليلة نُشرت الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه سلم ، وأهين الإسلام وانتهكت كرامة المسلمين ، واشتعلت موجات الغضب فانتفضت الجموع وأحُرقت الأعلام ونثرت الشعارات وتحركت الأقلام وتعالى صوت الأغنيات..ثم.. ثم سكت الجميع..
وهنا دنس المصحف وأحرقت صفحاته ولوثت كلماته ، تارة في سجون العراق ، وتارة خلف قضبان سجون إسرائيل ، وتارة في أغوار مراحيض جوانتنمو واشتعلت موجات الغضب ثم ..ثم سكت الجميع..
واليوم وعلى مرمى البصر يدنس الأقصى وتقوض أعمدته وتهود ساحته ويمنع أبناؤه من الدخول لأعتابه.. وماذا فعلت الجموع.. لقد سكت الجميع..
ولكن هناك في هذه البقعة الطاهرة التي اغتسلت بدماء الشهداء وتطهرت بدموع الثكالى وعانقت خطى المجاهدين وأظلمت فيها البيوت إلا من نور القلوب ووميض التقوى وبريق الإيمان ، هناك التفت الثلة المؤمنة حول كتاب الله عز وجل في سباق مع الزمن ..في جهاد مع النفس.. في إصرارٍ لتحقيق معجزة من نوعٍ جديد..
إنها معجزة إحياء القرآن..
فهناك يولد جيلٌ جديد يحمل كتاب الله..لا يحمله في يده ، ولا على أرفف مكتبته ولا في ذاكرة جواله أو حاسوبه ليقرأه حيناً ثم يتركه حين.. بل إنه يحمله بين الأضلع والحنايا ونبضات الجوارح.. يحمله في القلوب وفي ثنايا الصدور..يحمله في المدارك وفي أعماق الوجدان..
هناك جيلٌ يحمل تيجان الوقار للآباء الأمهات الذين حفظ أبناؤهم كتاب الله عز وجل في المخيمات الصيفية التي نظمتها دار القرآن والسنة بقطاع غزة ، والتي كان من أبرز أنشطتها تنظيم دورة حفظ القرآن الكريم في شهرين فقط خلال العطلة الصيفية ؛ حيث التحق آلاف المشاركين بها على أمل حفظ كتاب الله في هذه المدة اليسيرة صغاراً وكباراً ..أطفالاً وشباباً وشيوخاً من داخل غزة ومن خارجها...
وهناك كان يتنافس الآباء والأبناء والأجداد الأحفاد على من منهم يحقق الحلم ويهدي والديه تاج الوقار..
هناك كانت الجدة "ليلى صبيح" ذات الستين عاماً والتي التحقت بمخيم تاج الوقار للمسنات والعجائز ، وفي بيتها كانت تجلس ويتحلق حولها أحفادها ليقرأوا ويرتلوا ويسمِّع بعضهم لبعضٍ ما حفظوه..أما عنها فتقول: طالما دعوت الله أن يرزقني حسن الخاتمة وحفظ القرآن الكريم واستجاب الله لدعائي بعد سنوات من الانتظار والترقب..فقد استطعت حفظ القرآن الكريم بعد هذا العمر الطويل وتلك السنين واستطعت أن أقدم شيئاً لوالدي وأهديهم مكاناً مرموقاً في عليين
أما الحاجة أم أحمد عساف والدة الشهيدين "أسامة وأحمد" فكان للقرآن الكريم حكاية مختلفة معها؛ فهي لم تجد سوى حفظه ونيساً لوحدتها, ومعيناً لها في كربتها, وملهمها الصبر لتحتمل ألم الفراق وغياب ورود الدار..وبعيون لم تجف دموعها قالت أم الشهيدين: "بعد استشهاد أبنائي الاثنين دعوت الله أن يعوضني عنهما بحفظ القرآن وبأن يفرغ على قلبي صبراً فأحتمل غيابهما وخفوت ضوئهما.. فرزقني الله حفظ كتابه كاملاً".
ومن أطراف الأرض حيث كان مستقره وأسرته بكندا ، أسرع فودع هواء كندا البارد وسهر ليلها الطويل.. وترك خلفه إغراءات المرح والترفيه.. وألقى بخارطة تضم تفاصيل إجازة صيفية رائعة.. وحزم حقائب السفر وجاء إلى غزة قاطعاً آلاف الأميال وممضياً أسابيع على أرصفة المعبر من أجل معانقة مخيمات "تاج الوقار" وتحقيق حلمه بحفظ القرآن الكريم كاملاً في ستين يوماً ، هكذا كانت رحلة "محمد عماد زيارة" الفتى الفلسطيني 14 عاماً الذي قدم من أقصى الأرض لتحقيق حلمه بحفظ كتاب الله في مخيمات غزة..
وعن أسباب قدومه إلى غزة يقول: حلم حفظ القرآن لم يفارقني يوماً.. وفي مدينة تورنتو بكندا حيث نقطن لم يكن بإمكاني سوى أن أحفظ سوراً وآياتٍ قصيرة... أحتاج إلى أكثر من 25 عاماً لكي أحفظ القرآن الكريم كاملاً في كندا.. لا توجد منافسة ولا أجواء تحفزني كما في غزة ؛ حيث يحفظون كتاب الله في أقل من شهرين".
احتفال تخريج حفظة كتاب الله..
وفي ثالث أيام عيد الفطر اصطفت الجموع في ساحة الكتيبة بوسط قطاع غزة ، وتهللت الأسارير وتسللت نفحات السكينة والروحانية وأعلنت قوائم الشرف وبدأت مراسم حفل تخريج وتكريم من أتموا حفظ القرآن كاملاً في شهرين فقط ، والذين تخطوا العشرة آلاف حافظ حافظة لكتاب الله من جميع الأعمار والفئات والقطاعات..
حيث أكد القائمون على هذه الحملة أن بناء هذا الجيل الذي يحمل كتاب الله عز جل بين جنباته هو رسالة لمدينة القدس المحتلة ، فهذا الجيل الصاعد من الأطفال والشباب سيرسم طريق النصر والتحرير نحو الأقصى ، وسيتمكن من حمل راية النصر بعد سنوات قليلة..
ليكن هذا الجيل هو الرد الحقيقي على كل حملات الإساءة والتهويد والتنصير والتكفير ضد الإسلام والمسلمين في كل بقاع الأرض..
ولتكن هذه دماء الحياة التي تسري في شرايين جفت فيها الدماء وأوشكت جوارحها على الموات..
فإذا كان تهويد القدس يجري على قدمٍ وساق ، فإن أسلمة الجيل هي الرد الواعد والقادم من أرض غزة..