لحظـة الانكسـار

لحظـة الانكسـار

د. إبراهيم المقادمة
2002-11-15

كثير من قادة العدو يصرحون أنهم لن يفاوضوا الفلسطينيين إلا بعد أن يهزموهم هزيمة ساحقة على الأرض ومن ثم تبدأ المفوضات بعد أن يرفع الفلسطينيون الرايات البيضاء لتبدأ إسرائيل لعبتها…

كثير من قادة العدو يصرحون أنهم لن يفاوضوا الفلسطينيين إلا بعد أن يهزموهم هزيمة ساحقة على الأرض ومن ثم تبدأ المفوضات بعد أن يرفع الفلسطينيون الرايات البيضاء لتبدأ إسرائيل لعبتها المفضلة التي مارستها مع الدول العربية التفاوض من مركز القوة فتفرض ما تريد . وإسرائيل تعرف جيداً رغم تفوق آلتها العسكرية الساحق أنها لم تستطع أن تسحق إرادة الشعب الفلسطيني فرغم الاجتياح الكامل وقتلها العشرات من قادة الفصائل الفلسطينية وسجن المئات بل الآلاف لا تزال المقاومة مستمرة ، بل ولا تزال قادرة على الوصول إلى عمق فلسطين كما كانت العملية الإستشهادية في صفد .

هذه الحقيقة أجبرت الكثير من قادة العدو ومفكريه إلى التصريح أنه لا يوجد حل أمني للقضية الفلسطينية بل لا بد من التفاوض ولكن يبدو أن بعض المتطرفين مثل شارون ونتنياهو لا زالوا يكابرون ويعتقدون أن لحظة الانكسار لا بد قادمة ولذلك فإنهم يمعنون في القتل والتخريب وتدمير البيوت وقلع الأشجار وتشديد الحصار على أمل أن يعجل كل ذلك بلحظة الانكسار التي يريدون . ولكن الشعب الفلسطيني أثبت أنه يملك روحاً جديدةً تفاجأ بها العدو لم يعهدها في حروبه السابقة فاضطر رجل نازي مثل شاؤول موفاز أن يقول لجيشه علينا أن نتعلم من الفلسطينيين ، وقال قائد جيش العدو في منطقة نابلس حين فوجئ بالمقاومة الفلسطينية أثناء اجتياح نابلس إنني أتفاجأ بقدرة هؤلاء على المقاومة ومواجهة دباباتنا فرغم قصفنا لهم إلا أنه في كل مرة كان يطل علينا من أحد النوافذ رجل يحمل كلاشنكوف ويطلق علينا زخات من الرصاص ليس هؤلاء هم الفلسطينيون الذين نعرفهم .

ولكن بعض قصار النفس من بيننا بدءوا يخوفوننا وينذرون بالثبور وعظائم الأمور إذا نحن استمررنا في انتفاضتنا التي لا آفاق لها كما يدعون ولا مجال للانتصار فيها على آلة العدو التدميرية ويدعي هؤلاء العقلانية وأنهم مثقفون وأنهم مشفقون على الشعب الفلسطيني ومصيره وربما سوقوا أنفسهم على أنهم لا يحبون إراقة الدماء ويريدون وقف المسلسل الدموي الذي لا يقنعهم فبدءوا بطروحات سقيمة مثل القول بضرورة عدم عسكرة الانتفاضة ورجوعها إلى العمل الجماهيري فقط ويبدو أن هؤلاء مصابون بنوع خاص من عمى الألوان لا يرون خلاله إلا الدماء اليهودية التي تسيل وينسون أن الرجوع إلى العمل الجماهيري فقط لا يمنع إسالة الدم ولكنه يزيد من كمية الدم التي تسيل منا وتحقن كمية الدم التي تسيل من أعدائنا وكأني بهؤلاء يقولون لا بأس بأن يسيل دمنا لأن هذا يجلب لنا عطف العالم ويقربنا من طاولة المفاوضات ، أما إذا سال دم اليهود فإنه سيفقدنا عطف العالم من جهة ويبعدنا – وهو الأهم في نظرهم – من طاولة المفاوضات . ولا نستطيع أن نقول إن هؤلاء نسوا ماذا تعني طاولة المفاوضات في هذا الوضع فقد عرفوها جيداً ولكن المشكلة هي أنهم على استعداد حتى أن يفاوضوا في ظل هذا التفوق الإسرائيلي وعلى استعداد أيضاً أن يتنازلوا كما تريد إسرائيل ولكنهم ليسوا على استعداد أن يقولوا لشعبنا الحقيقة أنهم لن يحصلوا شيئاً من هذه المفاوضات غير ما تريده إسرائيل بل والأخطر من ذلك أنهم يحاولون تسويق المطالب الإسرائيلية علينا على أنها مطالب فلسطينية وهذا أكبر البلاء الذي يمكن أن يعرفه شعب من الشعوب أن تصير مطالب عدوه هي مطالبه بعينها فمثلاً حين تطالب إسرائيل هؤلاء بمنع المجاهدين من القيام بعمليات ضد إسرائيل يقول هؤلاء إن الأمن الفلسطيني يتطلب ذلك . وحين تطلب إسرائيل وأمريكا القيام بإصلاحات – على حد زعمها – بحيث تضمن هذه الإصلاحات إزالة كل العناصر الوطنية والإتيان برجال على استعداد أن يسحقوا شعبهم تصبح هذه الإصلاحات المزعومة – عند هؤلاء – إصلاحات فلسطينية . مع أن إسرائيل وأمريكا توضح بشكل لا يقبل الشك أن مفهوم الإصلاح عندها هو الإتيان برجال سلام يستطيعون أن ينفذوا ما تريده إسرائيل وإبعاد المتطرفين السابقين !!!!. هؤلاء القوم للأسف أعلنوا لحظة الانكسار للشعب الفلسطيني منذ زمن بعيد وحلموا بالمفاوضات ظناً منهم أن الشعب الفلسطيني قد قبل الانكسار وحينما فاجأهم الشعب الفلسطيني بأنه أبعد ما يكون عن الانكسار بل إنه دخل في مرحلة جديدة متطورة من جهاده ومن طريقه نحو الانتصار لم يقتنع هؤلاء بذلك أبداً وتصوروا أن هذه حلاوة الروح أو هي شكل من المكابرة قبل الهزيمة . ولذلك لا يزالون يتكلمون عن الخطأ في الانتفاضة وعسكرة الانتفاضة . وضرورة أن يعود الفلسطينيون إلى المواجهة السليمة بالهتاف والحجر ويبعدوا عن السلاح .

ولقد كان عبد الرزاق اليحيى أوضح من هؤلاء حين طالب بالتوقف عن الحجارة أيضاً لأنه بحكم اتصالاته كان يعرف ما هو المطلوب من وزير الداخلية المنشود فأراد أن يكون واضحاً مع الجميع والحقيقة أننا نقدر له هذا الموقف الشجاع حيث أنه لم يخدعنا ويقول توقفوا عن السلاح واكتفوا بالحجارة كمرحلة ثم من بعدها يطالبنا بالتوقف عن الحجارة أيضاً بل آثر كرجل عسكري الوصول من أقصر الطرق .

ولكن الشعب الفلسطيني يقول لهؤلاء جميعاً إن لحظة الانكسار لن تأتي بإذن الله بل إن الضغط الذي يبذله هؤلاء للوصول بنا إلى تلك اللحظة يزيدنا اشتعالاً وإصراراً للوصول إلى حقنا وعلى إسرائيل ومَن وراءها أن يعلموا أنه طال الزمان أو قصر فإن حقنا باقٍ ووراء هذا الحق ليس مطالباً واحداً ولكن ملايين المطالبين ونقول للبعض الفلسطيني الذي ينتظر الإعلان عن لحظة الانكسار أن عليهم أن يرجعوا إلى أنفسهم فلن تأتي هذه اللحظة بإذن الله بل إن عكسها هو الذي يلوح في الأفق فإما أن يعودوا إلى الصف الفلسطيني المجاهد ويكسروا طاولتهم التفاوضية أو إن الطاولة نفسها ستكسر نفسها لتعطيهم درساً في أن الطاولة أيضاً ترفض الانكسار . نحن شعب عريق لنا جذورنا الحضارية الممتدة وعقيدتنا التي تأبى الانكسار ولنا وعد الله بالنصر والتمكين والعون والانتصار ،  وتضحياتنا اليومية تؤكد على هذه الحقائق ولو أنكرها من ينكر ضوء النهار .  وإن غداً لناظره قريب ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ) . * هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026