عندما أغلقت الزنزانة على غفران الزامل

فؤاد الخفش
2009-08-30

من عظيم فعال الكرام تنسج الكلمات ومن طيب صنيع المميزين تسطر الحروف ومن صمت العظماء تتفجر المعاني لترسم في النهايه صورة فتاه فلسطينية تزينت خلف حجابها وبيدها قلم سخرته لنصرة الحق…

من عظيم فعال الكرام تنسج الكلمات ومن طيب صنيع المميزين تسطر الحروف ومن صمت العظماء تتفجر المعاني لترسم في النهايه صورة فتاه فلسطينية تزينت خلف حجابها وبيدها قلم سخرته لنصرة الحق واتخذت منه مدفعا تقاوم به المحتل.

 

لا اعرفها جيدا وان كنت قد رأيتها مرة أو أكثر في مكان عملها بصحيفة فلسطين حينما كنت ازور مدير الصحيفة المعتقل والمعزول الشاعر الأديب وليد خالد، ولكن حدثني عنها من يعرفها ووجدت نفسي اكتب هذه السطور من باب الوفاء لمن يستحق أن يكتب عنه.

 

حدثني عنها من يعرفها أن الأسيرة غفران الزامل فتاه فلسطينية تعشق فلسطين نشيطة لا تعرف للاستكانة سبيلا ولا يعرف قلبها للإحباط طريقا، لماحة ، ذكية ابية فتية بسامة برغم كل ما اعتصر قلبها من مشاكل وهموم.

 

قال لي عنها من يعرفها أن غفران عنوان للإخلاص تقدر الأخوة وفية لمن عرفت صديقة لمن صدقها مخلصة لمن آخاها تستصغر الصعاب إن كانت لله ومن اجل الأوطان.

 

وقال لي أيضا من عرفها أنها حساسة بكاءة كانت لا تفوت أي فرصه للسير خلف أي مسيرة لأي شهيد تودعهم بالدموع كيف لا وهي شقيقة الشهيد البطل سعد، تتألم لحال الأسرى وتتمنى لو تستطيع أن تقدم لهم أي شيء وأنها كانت تخصص لهم جزءا من وقتها للدعاء كيف لا وهي شقيقه مبعد ابعد عام 92 إلى مرج الزهور وأصيب بقذيفة بوجهه أثناء رحلة العودة.

 

وختم حديثها من يعرفها بعد أن بكى وأبكاني أن غفران إنسانة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ولكن إنسانيتها يوم أمس قد مست بعد أن انتزعت من بين أحضان أسرتها وقيدت على مرأى والديها وودعت بدموع العينين التي لم تستطع شجاعتها أن تخفيها ولم يستطع الوالد مصدر الحماية بالأسرة من عمل شيء لها إلا أن قال لها يا أخت الشهيد لك الله وشدي حيلك فانهمرت دموع زلزلت سعد في قبره فحركته حرارة الدمعات وصرخ من داخل قبره فبددت جلجلات صوته صمت أهل القبور وتمنى لو كان حياً ليعلم المحتل كيف تصان أخوات الرجال وكيف يدافع عن العرض.

 

وصرخت أم غفران أين أنت يا سعد أينك يا ولدي اينك يا شهيد ...آخ آخ يا وجع قلبي...  لم يجبها الا صدى صوت خرج بخجل قال لها لقد مات الرجال وانتهت النخوه وتبعثرت الكرامة ما عدنا هنا فهذه البلاد فيها كل شيء أضحى مباح مستباح .

 

ليلة أمس كانت الليلة الأولى لغفران في زنزانتها هذا إن لم تكن معلقة بأحد أعمدة الشبح ... ليلة أمس ولما أغلقت زنزانة غفران على غفران استطاعت غفران بروحها وفكرها أن تحلق خارج جدران زنزانتها فعادت بها الأيام للوراء تذكرت أحاديث والدها عن النكبة والتهجير وكيف انتهى بهم المطاف في مخيم العين للاجئين.

 تذكرت سعد الشهيد وكيف كان يوم أن ودعته وطبعت على جبينه قبلتها الأخيرة وضمته إلى صدرها وقالت له كن شفيعي يا أخي واعدك أني لن أبكيك وشعرت انه بقبره غير مرتاح لما ألم بشقيقة روحه من ظلم وأذى.

 

تذكرت اعتقالات أخويها أيمن وامجد وتذكرت يوم أن ابعد امجد إلى مرج الزهور وكيف بكته بالرغم من أنها لم تتجاوز العشر سنوات حينها وكيف استقبلت خبر إصابته بقذيفه بعد وصوله مخيم الإبعاد.

 

ولكن صوت الأم المقهورة التي ودعتها بالدموع ونادت سعد الشهيد كان الأكثر سيطره على تفكير غفران التي كفكفت دموعها واستنهضت نفسها وشحذت همتها بمناجاتها ربها وقالت يا الله كن نصيري ثبتني وفرج كربتي، فثبتها يا الله وكن معها وفرج كربتها. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026