في سجون دايتون «ينتحر» المجاهدون!!

ياسر الزعاترة
2009-08-18

خلال أكثر من عشرين عاما مر على مسالخ التعذيب الصهيونية عشرات الآلاف من رجال حماس والجهاد الإسلامي ولم يحدث أن قال العدو إن أحدهم قد انتحر في زنزانته لم يحدث ذلك رغم أن ما تعرض له…

خلال أكثر من عشرين عاماً، مرّ على مسالخ التعذيب الصهيونية عشرات الآلاف من رجال حماس والجهاد الإسلامي، ولم يحدث أن قال العدو: إن أحدهم قد انتحر في زنزانته. لم يحدث ذلك رغم أن ما تعرض له بعضهم من تعذيب تنوء بحمله الجبال، لاسيما رموز الجناح العسكري الذين كانوا يتعرضون لتعذيب موغل في البشاعة بهدف انتزاع ما لديهم من معلومات.

منذ عامين وإلى الآن (دعك من مرحلة ما قبل انتفاضة الأقصى)، انتحر في سجون السلطة الفلسطينية خمسة من رجال حماس. صدقوا أو لا تصدقوا: أئمة مساجد ودعاة وحفظة لكتاب الله ينتحرون رغم علمهم التام بحكم المنتحر في الإسلام.

ليس من الصعب القول إن كثيراً منهم كانوا سيفعلون ذلك لو كان الانتحار جائزاً في الشريعة الإسلامية، إذ يحدث أن يعجز الإنسان عن احتمال التعذيب فيتمنى الموت ولا يجده، تماماً كما يحدث في السجون المدنية عندما يعترف كثيرون بجرائم لم يرتكبوها ويأخذون عليها أحكاماً عالية، فقط من أجل التخلص من بشاعة التعذيب، بل إن بعضهم يعترفون بأفعال لم يرتكبوها تصل بهم إلى حبل المشنقة.

لكن هؤلاء المجاهدين الذين خرجوا يطلبون الشهادة في سبيل الله أملاً في الفوز بالجنة، لم يكونوا لينهوا مسيرتهم بالانتحار مهما بلغت شدة التعذيب. صحيح أنهم يعترفون بأشياء لم يفعلوها، وأخرى لم يكونوا يريدون الاعتراف بها، لكن ذلك كله شيء وإنهاء الحياة بقتل النفس شيء آخر.

ثم إن من أبجديات الزنازين في دوائر الأمن، كما نعرفها ويعرفها كثير من الناس هو عدم توفر الوسائل التي يمكن للسجين أن يقتل بها نفسه، فلماذا تتميز زنازين دايتون بتوفير مثل تلك الوسائل، إذا صح أنها متوفرة أصلاً، وهي ليست كذلك؟

فادي حمادنة، ابن عصيرة الشمالية، تلك القرية الجميلة الوادعة على مشارف مدينة نابلس، لم ينتم إلى حماس لكي يذهب إلى جهنم منتحراً، وإنما فعل ذلك طلباً للشهادة والفوز بالجنة، وهو جرّب سجون المحتل وتعذيبه، ولم ينتحر، فلماذا ينتحر هنا؟

فادي حمادنة، ابن الثامنة والعشرين، الحافظ لكتاب الله لم ينتحر، تماماً كما أن الشيخ كمال أبو طعيمة لم ينتحر، وكذلك الشيخ مجد البرغوثي ومحمد الحاج وهيثم عمرو، لكنهم جميعاً عُذبوا حتى الموت، من دون أن نقول: إن قتلهم كان مقصوداً، لكن مستوى التعذيب كان أكبرَ من قدرة أجسادهم - التي أنهكتها السجون والمطاردة - على الاحتمال.

قبل أيام، لم تمض سوى ساعات على خروج الشيخ ياسر حماد، عضو مجلس بلدي قلقيلية، من سجون الاحتلال بعد قضاء محكومية دامت 22 شهراً، حتى اعتقلته أجهزة أمن دايتون، فيما كانت الأجهزة المذكورة تمنع أسر المعتقلين لديها من زيارتهم.

أما عزيز كايد، وهو وكيل الأمين العام لمجلس الوزراء في الحكومة السابقة قبل الحسم العسكري في القطاع، فلم يمض على خروجه من السجن الإسرائيلي سوى أيام بعد قضاء محكومية دامت 38 شهراً حتى وقع اعتقاله من قبل أجهزة أمن السلطة.

تلك مجرد نماذج من مسلسل طويل تابعه الفلسطينيون بمرارة وقهر خلال العامين الأخيرين، فضلاً عن معالم السحق الأخرى للبشر والمؤسسات، وعندما يتجرأ هؤلاء على خيرة أبناء شعبهم من الأسرى المحررين، ومن أعيان البلد ونخبه المعروفة: سجناً وتعذيباً حتى الموت، فذلك يشير إلى المستوى الذي بلغوه، والذي يتفوق بكثير على ما عرف أيام أوسلو السابقة خلال النصف الثاني من التسعينيات.

ترى ماذا سيكون موقف رموز قيادة فتح الجدد المحسوبين على الخط "الأصيل" في اللجنة المركزية والمجلس الثوري (مهما كان عددهم) في هذا الذي يجري، وهل هذا برأيهم هو الوفاء لنهج فتح كحركة تحرر، أم أن هذه الأخيرة قد أصبحت بالفعل حزبَ سلطة تحت الاحتلال لا يعرف غير الوفاء بمتطلبات العلاقة معه كما نصت عليها الأوراق والوثائق المعلنة وغير المعلنة؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026