حين تصبح المقاومة ذنبا ويصبح الأخ ذئبا سيتأرجح المصير بين الأسر أو الشهادة وسنكون على موعد مع الوفاء للغدر أو الإخلاص للخيانة عندما ضاق الحصار ذرعا وخرت بوابات رفح الحديدية بعد…
حين تصبح المقاومة ذنباً ويُصبح الأخ ذئباً, سيتأرجح المصير بين الأسر أو الشهادة, وسنكون على موعدٍ مع الوفاء للغدر أو الإخلاص للخيانة!
عندما ضاق الحصار ذرعاً وخرَّت بوابات رفح الحديدية بعد إعلان توبتها عن طول ظلمٍ أوصدت فيه بوجه أطفالٍ ونساء؛ ظنَّ أهل القطاع أن "أم الدنيا" قد عادت إلى رشدها, وأن باستطاعتهم التنفس برئتها؛ فخرج القسامي أيمن نوفل مع من خرج من المحاصَرين ولم يعلن عن انتمائه التنظيمي, ربما حتى لا ينهال عليه المصريون لأخذ توقيعه, "كرد فعل طبيعي عند رؤية أية شخصية قيادية ومميزة تنتمي لجيش لا يُقهر"!
و لكنَّ الشمس لا يَحجِبُ نورها إلا غيابها, وكذلك القساميون؛ سيماهم في وجوههم من أثر الجهاد والمقاومة, لا يخفى نور عزَّتهم على من يُبصرهم. وفي الأثناء التي كان فيها القائد نوفل يشتري لأطفاله قوت حصارهم القادم, هجم عليه الجنود من كل حدبٍ وصوب, لا لأخذ توقيعه؛ بل لأخذه شخصياً إلى غيابة السجون!
لم يتوقع القائد القسامي أن تكون الأرض المصرية مشاعاً لمن يرصدونه من بني صهيون؛ فنغمة "السيادة المصرية" ما زال صداها يتردد في الأثير على لسان الغفير قبل الوزير. إلا أن حقيقة اعتقاله بأيدٍ عربية فسَّرت لنا معنى "السيادة" في معجم "مبارك الغيط"!
هذا التجريم للمقاومة والاستهداف للقسام من الشقيق المصري, يشبه ذلك الاستهداف الفلسطيني الأكثر إثخاناً والأشد عداوة لكتائب العز القساميَّة, والتي تكفي صورة محمد الياسين لتبرزه وتفسر حقيقته..
خرج محمد الياسين مستنجداً بـِ "إخوانه" لا لطعام أو شراب, بل ليحفظ روح قائدٍ جاهد الصهاينة سنيناً طوال, خرج يستدر الرحمة لقائده و رفيق دربه. وأطلَّ رافعاً كفيه عالياً لا يحمل سلاحاً ولا يرتدي درعاً, و لا يستره من فوهات المدافع والبنادق إلا قلبه المتعلق بالله والراضي بقضائه وقدره.
لم تكن طمأنة فرعون مصر- يوم اعترف بأن حصاره قد جوَّع الناس, فقال: "ياكلوا ويروَّحوا"- كافية لحماية القسامي أيمن نوفل من سلاسل القيود, وكذلك الحال مع محمد الياسين, الذي عاش لحظة شابهت ما عاشه القائد القسامي علاء ذياب, يوم تحوَّمت حوله وحول رفاقه شياطين دايتون, وناداه كبيرهم: " أنا بضمنلك حريتك.... ويشهد عليَّ الله ودم كل الشهدا.. أنا بضمنلك كل إشي... عليكم أمان الله, بنتعهدلك يا علاء بِكـلّ - مع تشديد اللام ومدِّها- إخلاص, والله ما حدا بقرب عليك وأنا عايش"!
وعندما يضمن العميل المجاهد علينا توقع نهاية ملونة بالدماء, كتلك التي خُتمت بها حياة القسامي محمد ياسين وقائده السَّمان.
وفي الوقت الذي يسلبنا النظام المصري الحرية؛ فإن سلطة دايتون تسلبنا الحياة؛ وعلى الرغم من ذلك فإن اليأس يذبل في الزنازين ويُزهر الثأر من الدماء القانية, ولا تلين لنا قناة!
سعت حركة حماس لحلحلة العقد ولدفع أذى نظام أرض الكنانة و"سلطة القمامة" عن أبناء الشعب الفلسطيني الذين سقط منهم شهيد جديد في يوم الثلاثاء 4-8-2009 على يد ميليشا عباس فياض في الضفة الغربية, وهو الشهيد كمال أبو طعيمة, الذي لم تشفع له العلوم الإسلامية التي درسها في جامعة أبو ديس, أمام أبناء "وطنه و دينه!" بل كانت أولى التهم على لائحة إدانته قبل أن يدخل في حالة الموت السريري إثر التعذيب الوحشي!
ومن هنا نفهم السبب الذي دفع حركة حماس لمنع عناصر فتح من حضور مؤتمرهم الذي سهل الكيان الصهيوني انعقاده؛ فلم تكن مشكلة حماس مع مؤتمر فتح ولا مع عناصرها في غزة, وليست حماس من تخشى اجتماعاً لأحد فتعمل على منعه, وليست فتح من تصدر قراراً يخيف حماس ولو اجتمع إبليس مع شياطينها!
لكنَّ لحماس 1175 معتقل –حتى هذه اللحظة- في سجون السلطة, وعليها أن تحميهم بأية وسيلة وبكل طريقة, من الموت الذي يطرق بابهم في كل يوم مئة مرة.
هل يتحمل القارئ أن يرى ابنه منزوع الأظافر, أو يمشي بأقدام حافية على زجاج وملح!؟ أو هل يتحمل أن يرى سياط التعذيب على كل بقعة من جسده, أو يراه يضرب على رأسه في كل بضع ثوان!؟
إن رضي القارئ بذلك؛ فإنَّ حماس لا ترضى أن يُشاك أبناؤها وهي قادرة على صد الأذى والظلم عنهم. وما منع عناصر فتح من الخروج لحضور المؤتمر؛ إلا خطوة جديدة تحاول من خلالها حماس الإفراج عن أبنائها ولمَّ شمل عائلات فلسطينية فرَّقتها بنادق فتحاوية في الضفة المنكوبة!
الظلم الذي يعيشه ابن حماس في سجون الضفة يشبه ذلك الظلم الذي يفرضه النظام المصري على الشعب المحاصر في غزة, والذي من آخر فصوله, قيام الأمن المصري بضبط أطنان من الإسمنت ومنع دخولها إلى القطاع, على الرغم من أن عائلات عدة لا مأوى لها بعد الحرب الطاحنة إلا الخيام البالية!
وهنا نتوجه بالسؤال لفرعون هذا العصر الذي تفاخر يوم الاثنين 3-8-2009 بخلو مصر من أية قوات أجنبية, ونقول: ما حاجة مصر لتلك القوات على أراضيها إن كانت تنفذ بأيدي أبنائها كل ما يمكن أن تقوم به قوات أجنبية معادية!؟
وبرغم قسوة النظام المصري وعتوه إلا أن طواغيت السلطة كانوا أكثر طغياناً وأشد كرهاً وعداوة لحركة المقاومة الإسلامية, فها هم في فجر الأربعاء 5-8-2009 يقتحمون مسجد التوحيد في بلدة اليامون بعدة سيارات لتأدية مهمة عظيمة وخطيرة, ألا وهي: إزالة راية خضراء عُلِّقت على مئذنة المسجد!!
فإن كانت راية حماس تُلاحق في الضفة وتستدعي إزالتها عدة سيارات مدججة بالسلاح وعمليات ضرب وتوبيخ واستجواب لأهل المكان؛ فكيف بمن زُرعت حماس في قلبه!؟
ولذا فإننا لا نستغرب قيام أجهزة "الوبائي" في 6-8-2009 بحملة اعتقالات واسعة طالت شخصيات اعتبارية وقيادية في حركة حماس بلغ عددها 16شخصية!
ماذا ينقمون منا!؟
لم يكن ذنب تلك الجماعة المؤمنة إلا أنها آمنت بالله حق إيمانه, فألهبت النار في قلوب المُرجفين, حتى أجمعوا أمرهم مع محتلي أراضيهم لمحاربتها والتضييق عليها؛ حتى تسلِّم الراية أو تفنى.
وكما شهد أصحاب الأخدود بالأمس عذاب الثلة المؤمنة فإن الطغاة يشهدون عذابنا في كل يوم مرة أو مرتين, ومنهم من يظلَّ على ذلك عاكفاً! لكن بطش ربنا شديد, وهو فعَّال لما يريد, ولن يجعل الله للظالمين على المظلومين سبيلاً.