جدول عادي هل تعتقدون أن اتهام حماس بالتخطيط لاغتيال مسؤولين بالسلطة والانقلاب عليها هو حدث مستجد أم هل تعتقدون أن مطاردة خلايا ومجموعات القسام هي سياسة جديدة حسنا سأروي لكم أحداثا…
هل تعتقدون أن اتهام حماس بالتخطيط لاغتيال مسؤولين بالسلطة والانقلاب عليها هو حدث مستجد؟ أم هل تعتقدون أن مطاردة خلايا ومجموعات القسام هي سياسة جديدة؟ حسناً سأروي لكم أحداثاً حصلت منذ عشر سنوات، نعم عشر سنوات وليس عشرة أشهر، عندما كانت حماس تعلن على لسان الشيخ أحمد ياسين أنها لن تقبل بالسلطة ولو قدمت لها على طبق من ذهب، وعندما كانت أجهزة أمن السلطة تمسك بقبضة من حديد على الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعندما مر عامي 1998م و1999م بمقتل صهيوني واحد فقط.
مجموعات تخطط لاغتيالات:
يومها أعلنت أجهزة مخابرات السلطة أنها ألقت القبض على مجموعة خططت لتنفيذ اغتيالات في صفوف مسؤولين بالسلطة، وأنها كانت مكونة من شباب تراوحت أعمارهم بين 18 و20 عاماً من بلدة عصيرة الشمالية، وكعادتها سارعت لعقد مؤتمر صحفي تعرض انجازها، وبدأت الماكنة الإعلامية تتكلم عن خطورة مخططات حماس، وخطورة التغرير بالشباب الصغار في السن.
وظننت يومها أنها مجموعة من الصبية الذين تهوروا وقرروا الانتقام من السلطة بسبب جرائمها بحق المقاومين في سجونها، وأتذكر لليوم قصة ذلك المهندس الذي فقد القدرة على النطق لكثرة ما رأى من أهوال بمقر الوقائي في تل الهوى، ولا بد أن قصة مشابهة قد أثرت عليهم وأخرجتهم عن طورهم، هكذا ظننت يومها (الله يخزيك يا شيطان).
والسلطة ادعت يومها أن حركة حماس جندت هؤلاء الشباب وغررت بهم، لتنفيذ الاغتيالات باستخدام أسلحة بيضاء، قلت في نفسي "إذا كانت حماس قد جندتهم فلماذا لم تعطهم سلاحاً نارياً"، إذن لا بد أنهم شباب مندفعون لا يعملون بتوجيه من الحركة.
احتجزوا لعدة أشهر في سجون السلطة، ثم أطلق سراحهم ليتلقفهم الصهاينة ويسجنوهم فمن المعيب بحقهم أن لا يعتقلوا مقاوماً أو مناضلاً كان في سجون السلطة، أيعقل أن تكون السلطة صهيونية أكثر من جهاز الشاباك وجيش الاحتلال!
لقد اعتقل هؤلاء الشباب مع آخرين من بلدتهم أثناء بحث السلطة المحموم عن المطارد القسامي محمود أبو هنود، وسنأتي على قصته بعد قليل، وروى أحدهم كيف تعرض هو وبقية الشباب لتعذيب شديد، هل تظنون أنه خطط لاغتيال مسؤولي السلطة بعد تعرضه للتعذيب؟ لا تظنوا ذلك، فلم تتح له الفرصة ليفكر أصلاً.
جاءه المحقق وقال له أنت تريد اغتيال مسؤولين بالسلطة، "من أنا؟"، فيأتيه الرد: "نعم، أنت وفلان وعلان." وكلما نفى صديقنا الأمر، أزداد التعذيب، حتى قال له المحقق: "اسمع كل شيء جاهز، فقط وقع على هذه الورقة." رفض أول مرة، ثم ثاني مرة، ثم قال لنفسه ما دام الأمر مجرد توقيع على ورقة نوقع ونخلص، ففعل وكذلك فعل أبناء مجموعته المفترضين. كانوا صغاراً بالسجن وكانوا ساذجين إذ ظنوا أن التوقيع سينهي معاناتهم.
عادوا إلى التحقيق، "خير شو في؟" تساءلوا، رد عليهم المحققون: "نريد السلاح الذي كنتم ستنفذوا به الاغتيالات!"، حاول الشباب عبثاً تذكيرهم بأنهم وقعوا على الورقة فقط ليتوقف التعذيب وأن المحقق الذي أقنعهم بالتوقيع يعرف أنهم لم يخططوا لشيء، أوضح لهم المحققون أن المهم ما هو مكتوب وما وقعوا عليه، "نريد السلاح، دبروا حالكم."
أسقط في يد الشباب، التوقيع استطاعوا أن يوقعوا، والسلاح من أين يأتون به؟ فهم لم يلمسوا قطعة سلاح في حياتهم، فكيف سيحضرون قطعة سلاح، وليتخلصوا من ورطتهم قالوا "كنا ننوي تنفيذ الاغتيالات بسكاكين وفؤوس نشتريها من السوق".
ولأن الجميع كان يعرف الكذبة لم يقدموا لمحاكمة، وأفرج عنهم بعد عدة شهور أمضوها موقوفين بدون محاكمة كما هو حال أغلب المعتقلين السياسيين في تلك الأيام وفي يومنا هذا، ليتلقفهم بعد ذلك الصهاينة، وليمضوا فترات متفاوتة في سجون الاحتلال، كل ذنبهم أنهم من بلدة محمود أبو هنود، فقط لا غير.
محمود أبو هنود:
وما ذنب أبو هنود كان؟ هل كان انقلابياً؟ أم كان يتآمر لاغتيال دحلان أو المدهون؟ في الواقع كان أبو هنود "مطلوباً" للصهاينة بسبب تخطيطه لعدد من عمليات إطلاق النار على سيارات المستوطنين منذ عام 1995م، بالإضافة لعدد من العمليات الاستشهادية، وأبرزها في ذلك الوقت عمليتا سوق محنيه يهودا وشارع بن يهودا في القدس المحتلة عام 1997م، وكالعادة فإن "نشامى" الأجهزة الأمنية لم يكونوا ليتخلفوا عن نداء أوسلو.
وكان الصهاينة يطاردونه، وأجهزة أمن السلطة تساعدهم وتمدهم بالمعلومات، ولم يكن أصدقاؤنا الضحايا الوحيدين، فقد كشفت السلطة في بداية عام 1998م مخزنا يحتوي على 4.5 طن من المواد المستخدمة في تصنيع المتفجرات بمدينة نابلس، وكان تابعاً لإحدى المجموعات التي يشرف عليها أبو هنود بقيادة الشهيد مهند الطاهر، ويومها تساءلت السلطة عن أسباب وجود هذا المخزن وضد من سيستخدم، وأضافوا "حماس لم تعد تنفذ عمليات ضد الاحتلال، فضد من ستستخدم هذه المتفجرات؟" ألا يذكركم هذا بما قالوه قبل أشهر قليلة عندما اكتشفوا مواد تصلح لتصنيع المتفجرات في قلقيلية؟ أو هكذا يزعمون.
لماذا كانت عمليات حماس متوقفة حينها؟ حسب تفاهمات الخرطوم عام 1995م تعهدت حماس للسلطة بأن لا تحرجها بالعمليات الاستشهادية أمام الصهاينة، مثلما تعهدت السلطة بوقف الاعتقالات السياسية وإعادة بناء منظمة التحرير (تعهدان لم ينفذا بعد 14 عاماً)، كل منهما فسر التعهد على طريقته، السلطة فهمته بأنه التوقف التام عن العمليات، وحماس فهمته بأن لا تكون هي المبادرة، وبالفعل بعد اغتيال الشهيد يحيى عياش ردت بعمليات الثأر عام 1996م، طبعاً السلطة لم يعجبها الأمر وبدأت حملة اعتقالات واسعة بحق أبناء حماس والجهاد الإسلامي، ووجهت الضربات تلو الضربات لكتائب القسام، وبعد عملية شارع بن يهودا قررت كتائب القسام تجميد عملياتها الاستشهادية حتى تمر العاصفة وتلتقط أنفاسها وتتجنب الصدام مع السلطة.
أبو هنود كان جندياً مطيعاً فالتزم بالأوامر، واهتم بإعداد مهندسي المتفجرات وتجهيز العدة حتى تحين اللحظة المناسبة لضرب الاحتلال، مثله مثل باقي مجموعات القسام، لكن صدقوني داء "التنسيق الأمني" لا شفاء منه، ففي نفس تلك الفترة اعتقل الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة في غزة، والذي كان يقوم بإعداد خلايا للقسام، وتباهت السلطة أنها كشفت عن "الجهاز الخاص" لحركة حماس، في إشارة للجهاز الخاص الذي كان موجوداً في مصر واتهم بالتآمر للانقلاب على عبد الناصر، واتهمت السلطة يومها صراحة وتلميحاً "الجهاز الخاص" بأن هدفه هو الانقلاب على السلطة وتنفيذ اغتيالات.
وعودة إلى أبو هنود فقد كان يتنقل من منزل إلى آخر، وعندما اختبأ في منزل قريبه نضال دغلس في شهر 8 عام 2000م، ببلدته عصيرة، وصل للصهاينة معلومات أنه يختبئ في المنزل، وذهبت قوات خاصة وحاصرت المنطقة والمنزل، وأثناء استعدادهم لاقتحام المنزل، انتبه أبو هنود لهم وسارع وأطلق النار على الجنود الذين لم يستعدوا بعد للمواجهة، وحصل إرباك وأطلقوا النار على بعض وقتل ثلاثة منهم.
أما أبو هنود فانطلق مسرعاً متسلقاً جبل عيبال باتجاه مدينة نابلس الواقعة على الجهة الثانية للجبل، وبالرغم من إصابته بثلاث رصاصات صهيونية، إلا أنه وصل أحد حواجز السلطة على مدخل مدينة نابلس حيث قدم له العلاج، وطبعاً أرسل إلى السجن وحكم عليه بالسجن 12 عاماً، ليس لأنه خطط للانقلاب على السلطة، ولا لأنه خزن مواد متفجرة داخل مناطق السلطة، بل لدوره في العمليات الاستشهادية ضد الاحتلال، و"إضراره بالمصلحة الوطنية الفلسطينية."
بقي أبو هنود في سجن نابلس المركزي، ولم تفكر السلطة بإطلاق سراحه احتراماً للاتفاقيات الموقعة بالرغم من أن اتفاقية أوسلو انتهى موعدها رسمياً في شهر أيار 1999م، وحتى بعد اندلاع انتفاضة الأقصى أصرت على احتجازه "حماية له" من الاحتلال، طبعاً لم تستطع حمايته من الطائرات التي قصفت سجن نابلس المركزي واستشهد 11 من رجال الأمن المكلفين بحراسته وغيره من المعتقلين السياسيين، وأصيب يومها أبو هنود بإصابات طفيفة، واستغل انشغال رجال الأمن بإسعاف زملائهم، وهرب من السجن (في شهر 5 عام 2001م).
في الختام:
عاد أبو هنود إلى المقاومة، كما خرج قادة حماس من السجون عنوة، ورأينا خلال انتفاضة الأقصى "الجهاز الخاص" الذي أسسه المقادمة وهو يؤدي دوره ضد الاحتلال، ورأينا مجموعات أبو هنود وهي تضرب في العمق الصهيوني، استشهد أبو هنود واستشهد المقادمة واستشهد مهند الطاهر وغيرهم من القادة وهم يحاربون الاحتلال ويوجهون له الضربة تلو الضربة.
لقد ظن الجميع أن حماس ألقت السلاح بعد عام 1997م، وظنوا أنها لن تستطيع الوقوف على قدميها، وأتذكر يومها أني كنت أتناقش مع أحدهم، وكان يتساءل عما إذا كانت المقاومة ستعود لسابق عهدها، قلت له الظروف تتغير ولن تبقى على حالها، قال لي "متى؟"، قلت له "بعد خمس سنوات،" لم يصدق كلامي ونظر لي نظرة استهزاء، وللحقيقة أنا كنت مقتنعاً وقتها أن الوقت ربما يطول أكثر من ذلك بكثير، لكن أحببت أن أكون متفائلاً، وبالفعل لم تمض 3 سنوات حتى اندلعت انتفاضة الأقصى.
أما السلطة فكانت فاقدة للبوصلة من يومها، وفسرت حرص حماس على تجنب المواجهة على أنه مؤشر ضعف، كما لم تتوان عن الكذب وتلفيق الاتهامات، ساعة تتكلم عن خلية اغتيالات وساعة عن "الجهاز الخاص" وساعة تتساءل عن هدف تخزين أبو هنود للمتفجرات، لقد أجابت انتفاضة الأقصى عن هذه التساؤلات، لكن هل تعلمت السلطة الدرس؟ للأسف لا، وهي تعيد تكرار نفس الأخطاء ونفس الممارسات. يقولون "السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه،" لكن ماذا يقولون عن من لم يتعلم لا من غيره ولا من نفسه؟