الملاحظ في الآونة الأخيرة أن مخططات مريبة تحيط بنا تدق ناقوس الخطر على مسألة حق العودة ومستقبل اللاجئين الذين يقدر عددهم مابين إلى ملايين نسمة أهمها ما جاء في خطاب رئيس الوزراء…
الملاحظ في الآونة الأخيرة أن مخططات مريبة تحيط بنا تدق ناقوس الخطر على مسألة حق العودة ومستقبل اللاجئين الذين يقدر عددهم مابين 5 إلى 7 ملايين نسمة، أهمها ما جاء في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في 14ـ6ـ2009 حيث أعلن رفضه وقف بناء المستوطنات وطالب بالاعتراف بيهودية إسرائيل مقابل قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، أكد نتانياهو في خطابه على ثابت من ثوابت الخطاب السياسي الإسرائيلي حيال إبقاء القدس بشقيها المحتلين الشرقي والغربي عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، كما اشترط مبدأ التفاوض مع الفلسطينيين والوصول إلى دولة فلسطينية منزوعة السلاح باعتراف فلسطيني بفكرة يهودية الدولة، وبالتالي محاولة شطب القرار 194، كما أعلن رفضه وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وهو ما تجلى في إعلان إسرائيل تخصيص 250 مليون دولار للمستوطنات في ميزانيتها لعامي 2009 و2010.
نشير هنا إلى أن سبق خطابه نتياهو، زيارة أوباما الرئيس الأمريكي للمنطقة ومحاولته التقرب للمحيط العربي والإسلامي على وجه الخصوص وتبيض وجه أمريكيا الذي اسود نتيجة احتلال العراق من جهة وأفغانستان من جهة والانحياز الكامل لإسرائيل، وتعبيد الطريق نحو مسألة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وتلى ذلك الانتخابات اللبنانية وما أفرزته من نتائج من جهة والمحالاوت الحثيثة للتفاوض بين إسرائيل وسوريا، والتقارب العربي السوري الملموس وأخيرا وليس بآخر التطور الخطير، في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير يوم الثلاثاء 23/6 حيث جرى التخلي عن حق العودة واستبداله بـ «حل عادل لمشكلة اللاجئين متفق عليه» كل ذلك مؤشرات لها دلالة سياسية وأن خططا ما يتم تجهيزها، وأن ما ترغب به إسرائيل من دولة نقية ستفرضه هي وأمريكا على المنطقة بأكملها وبمساعدة محور الاعتدال من الدول العربية.
وفى هذا السياق أتذكر عندما انطلقت في دراستي الميدانية للتعرف على اتجاهات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات محافظات غزة نحو حق العودة كنت أتوقع أن أجد تجاوبا ايجابيا لهؤلاء اللاجئين بهذا الحق مسبقا، تجولت في مخيمات محافظات غزة حيث تقطن بها ما يزيد عن 480 ألف لاجئ، تعرفت على هؤلاء القاطنين داخل المخيمات البائسة لا تتخيلوا كم لمست عن قرب مدى المعاناة التى يعيشونها من فقر وبطالة وازدحام وسوء شبكة الصرف الصحي وضيق مساحة البيوت بها وتفشي الأمراض، قد تمتد معاناتهم بعدد السنين الواحد والستين التي مرت على نكبتهم في عام 1948.
ورحت أتنقل مابين المخيمات الثمانية من جنوبها حتى شمالها، مخيم رفح وخانيونس والنصيرات والبريج والمغازي ودير البلح والشاطئ وجباليا، طرقت أبواباً عدة وقابلت ما يزيد عن 600 لاجئ ولاجئة من مختلف المستويات والأعمار ومن كلا الجنسين، وجدت هؤلاء اللاجئين خاصة كبار السن تفيض مشاعرهم بالشوق والحب لبلداتهم والتمني بالعودة حتى لو طال الزمن أو قصر، أحسست كم تتجلى في مخيلتهم وذاكرتهم صور بيوتهم وذكريات كل شيء البيت الشارع الكروم المواسم العادات التقاليد أجواء العائلة المرتبطة، شعرت وأنا معهم وكأنهم هنا في المخيمات فقط بأجسادهم ولكنهم في قراهم وبلداتهم في فلسطين التاريخية، كان جميع من تقابلت معهم متفقين على أن حق العودة لا يكون إلا بالمقاومة وفرض الحق بالقوة هذه اللغة التي تفهمها إسرائيل وما عدا ذلك كله عبث وإضاعة للوقت ليس إلا.
نوضح هنا أن كل العالم يدرك تماما أن قضية اللاجئين الفلسطينيين تراوح مكانها، فالموقف الإسرائيلي رافض البتة لكل القرارات الدولية والمبادرات السياسية التي تتحدث عن حق العودة، منذ نشوء دولة إسرائيل في 1948 ويعتبر عودة اللاجئين إلى ديارهم وبيوتهم، بمثابة تدمير للمشروع الصهيوني، وأن حل قضية اللاجئين يكون في خارج إسرائيل (أي التوطين والتعويض )، وبالتالي إعفاء إسرائيل من أية مسؤولية سياسية أو قانونية أو أخلاقية عن تلك القضية وتداعياتها، والناظر يرى على الجانب الآخر العديد من المتغيرات الإقليمية والدولية، وحالة الضعف والترهل العربي، والتشرذم الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو، والانقسام الحالي على الساحة الفلسطينية، دعوات تنادي بالواقعية وبالتنازل عن حق العودة، وأخرى تنادي بالتعويض، وبحلم أن تكون العودة إلى الضفة الغربية والقطاع بعد إقامة الدولة الفلسطينية فيهما، وغيرها.
ومهما تحدثنا أن كفل القانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان حق أي إنسان في العودة في أي وقت يشاء، إلى أن بات كل ذلك حبراً على ورق نشير هنا فقط إلى تعريف لمصطلح حق العودة «إنه الحق الذي يطالب به شخص واحد أو عدة أشخاص أو فروعهم بالعودة إلى الأماكن التي كانوا يقطنونها، تلك التي أرغموا على مغادرتها، وحق استعادتهم هناك للأملاك التي انتزعت منهم أو تركوها» والمتأمل للمقترحات ومشاريع التسوية التي تم طرحها وتطرح حتى الآن منذ محادثات لوزان ركزت جميعها على التوطين ومسائل التعويض وهذا يطابق النظرة الإسرائيلية تماماً.
أعود مرة أخرى إلى دراستي ومقابلاتي للاجئين وجدتهم يدركون تماماً الواقع المرير الذي يحيط بهم وبكل المنطقة العربية بل والعالم اجمع من التعامل بازدواجية مع قضية اللاجئين خاصة، وأنها فقط قضية إنسانية ومسألة مأكل ومشرب ومأوى وكوبونات ومساعدات، كما أن اللاجئين يشعرون أنهم واقفون ضد التيار الجارف لوحدهم، متسلحين بأحلامهم وآمالهم التي لا يسأل عنها أحد كما أنهم مقتنعون أن حلم العودة لن يحققها قانون أو دولة عربية أو أجنبية أو مفاوضات ولا أوسلو، ولا مشاريع تسوية ولا حلول عادلة كما يقال، وان إسرائيل مستغلة موازين القوة التي تصب لصالحها، وتفرض كل ما ينسجم مع مصالحها وأمنها وفي الاستيلاء على كل ما تبقى من أرض فلسطين بتسريع وتيرة بناء المستوطنات.
أذكر هنا أن ما يزيد عن 95% من اللاجئين الذين قابلتهم في المخيمات الثمانية متمسكون بشدة بحقهم بالعودة وعلى ثقة ويقين تام أن حلمهم وآمالهم ستتحقق في يوم ما، وانه مهما أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وغيرها صعبة وسيئة في مخيماتهم لن تجعلهم يقبلون بالتعويض المادي والتوطين، وفى ذات الوقت يراهن اللاجئون على صمودهم وعلى ثقتهم وروح التحدي والثبات فهم بأن رياح التغيير قد تحدث في أي لحظة وتنقلب الأمور كلها وأن زوال إسرائيل ليس أمرا مستحيلاً.. وتبقى أجيال اللاجئين جيلاً بعد جيل قادرة على التصدي لكل المخططات الهادفة لشطب حق العودة وتصفية القضية.