لئلا يتكرر الحسم في مكانٍ آخر

لئلا يتكرر الحسم في مكانٍ آخر

د. مصطفى يوسف اللداوي
2009-06-27

تعيش السلطة الفلسطينية في رام الله هاجس تكرار الحسم العسكري في الضفة الغربية خاصة أنها تعيش الذكرى الثانية لشهر الحسم في غزة ولكن خوفها من تكرار ما حدث في الضفة الغربية ليس فقط…

تعيش السلطة الفلسطينية في رام الله هاجس تكرار الحسم العسكري في الضفة الغربية، خاصة أنها تعيش الذكرى الثانية لشهر الحسم في غزة، ولكن خوفها من تكرار ما حدث في الضفة الغربية ليس فقط بسبب الذكرى، أو آثار الحسم التي ما زالت باقية، تاركةً بصماتها على كل شيء في الحياة السياسية الفلسطينية، بل هو خوفٌ لديها دائم ومتجدد، كان قبل الحسم في غزة وما زال، فالسلطة الفلسطينية التي قوامها حركة فتح، لم تنظر يوماً إلى حركة حماس أنها شريكتها في النضال والمقاومة، وأنها تشاطرها الوطن والشتات، وأنها كانت تقاسمها الزنازين ومعابر المعتقلين، وأن عناصر حماس وفتح كانوا يوماً شركاء في البرش والحمام والزنزانة والقيد وحافلات الترحيل وأقفاص المحاكم، وأن حركة حماس قدمت الكثير في معركة التحرير والمقاومة، فقدمت مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين، وما زالت سجون العدو "الإسرائيلي" تزخر بأبطال المقاومة من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وفتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، ولكن السلطة الفلسطينية لا تريد أن تعترف بأن الشعب الفلسطيني والوطن لهما جناحان عظيمان، هما حركة فتح وحماس، وبغير أحدهما يكون الوطن كالطير المهيض الجناح، ولكننا نجد أن حركة فتح التي هي قوام السلطة الفلسطينية، وعماد أجهزتها الأمنية المختلفة، إذ أن جميع قادة أجهزتها الأمنية، وكافة المدراء العامين، والسفراء والمبعوثين والمفاوضين هم من حركة فتح، ويمثل أبناؤها السواد الأعظم من موظفي السلطة الفلسطينية في مختلف قطاعات الحياة الفلسطينية، فهي تحتكر الحياة المدنية والسياسية والأمنية، وتحرم الآخرين من الحق في أن يكون لهم دور وشأن في إدارة الوطن وبناء مؤسساته. وقد شهد أبناء حركة حماس حرماناً منقطع النظير من أي وظيفةٍ مدنية فلسطينية، فقد كان لزاماً على كل متقدمٍ لوظيفة أن يحصل على إفادة السلامة الأمنية، وهي إفادةٌ أمنية فلسطينية تصدر عن أمن المؤسسات وتعني أن الموظف المذكور لا ينتمي إلى حركة حماس، وإذا تبين لاحقاً أن موظفاً ما يخفي انتماءه إلى حركة حماس فإنه يحرم من وظيفته، ويطرد من موقعه، وهكذا بات كثيرٌ من أبناء حركة حماس خارج السلك الوظيفي الفلسطيني، وهذا الأمر لم يكن مقتصراً على غزة وحدها، بل كان حالةً عامة في الضفة والقطاع.

 

وبالعودة إلى التاريخ الفلسطيني القريب في السجون "الإسرائيلية" والجامعات والمعاهد العلمية، فقد كانت حركة فتح ترفض الاعتراف بالتيار الإسلامي على أنه مكونٌ أساس من مكونات الوطن، وكانت ترفض تمثيل أبناء التيار الإسلامي في السجون والمعتقلات ضمن اللجنة الاعتقالية الوطنية العليا، وكانت تفرض على المعتقلين أن يتفرقوا بين التنظيمات الفلسطينية الأخرى، وكانت تحاسب وتعاقب كل من يثبت أنه يخفي تدينه، أو يمارس طقوساً دينية تشير إلى ولاءاتٍ أخرى، وكان يعاقب كل من يثبت أنه يترنم ويدندن بأناشيد إسلامية، أو يثبت أحياناً أنه يقوم الليل أو يحفظ القرآن الكريم، وسجون العدو "الإسرائيلي" تشهد على تعليمات أبو علي شاهين القاسية بحق كل من يمارس طقوساً إسلامية في السجون والمعتقلات، وساق عمر جعارة تشهد على سياسة الحرمان التي كانت تمارسها حركة فتح في السجون والمعتقلات، إذ أمر أبو علي شاهين بكسر ساقه بينما كان يصلي، لئلا يعود هو وغيره إلى مثلها، صلاةً واستقامة.

 

وأما عن معاناة أبناء التيار الإسلامي في الجامعات والمعاهد الفلسطينية فلم تكن مختلفة عن معاناتهم في السجون والمعتقلات، فقد كانت فتح ترفض الاعتراف بوطنية ووجود التيار الإسلامي، وكانت تعتبر أن مكونات الكتل الطلابية الوطنية في الجامعات هي أربع كتلٍ فقط، وهي بالإضافة إلى حركة فتح الجبهتان الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني، وكانت تصر على حرمان طلاب التيار الإسلامي من أي حقوقٍ طلابية، وترفض مشاركتهم في انتخابات مجالس الطلبة، رغم أن الكتل الإسلامية في الجامعات والمعاهد الفلسطينية كانت كتلاً ضخمة، وكان لها دورها وبصماتها في العمل الوطني الطلابي، وقدمت العديد من طلابها شهداء في مواجهاتٍ مختلفة مع العدو "الإسرائيلي"، ورغم دم الشهداء القاني والدامغ، فقد حاولت حركة فتح حرمان الكتل الإسلامية من حققها في تبني شهدائها كصائب ذهب وجواد أبو سلمية وغيرهما.

 

وأمام الظلم الذي عانى منه أبناء التيار الإسلامي على يدي قيادات حركة فتح، كان لا بد من الثورة على الظلم، والانقلاب على الحرمان، ورفض الهوان، وعدم الخضوع لمصادرة الحقوق، فرفضت الكتل الطلابية الإسلامية خاصةً في جامعات الضفة الغربية أن تخضع للحصار والحرمان، فكانت أحداثٌ وملاحم دموية في باحات الجامعات، جُرت إليها الكتل الإسلامية، أو أجبرت على خوضها لنيل حقوقها، ورفض قوانين الظلم المفروضة عليها، حتى أصبحت الكتل الإسلامية في الجامعات والمعاهد الفلسطينية مكوناً أساسياً من مكونات الطلاب ومعترفاً به وبحجم وجوده وتمثيله، حتى أن الكتل الإسلامية في بعض الجامعات والمعاهد قد تمكنت وحدها من تشكيل المجالس الطلابية، وقد كانت محرومة سابقاً من حق المشاركة. وشكل فوز الكتلة الإسلامية في جامعة بير زيت منعطفاً كبيراً في الحياة الطلابية في الجامعات والمعاهد، ذلك أن جامعة بير زيت كانت دوماً حصن وقلعة التيارات الوطنية الأخرى، فكان فوز الكتلة الإسلامية فيها علامةً مميزة وفارقة، لإثبات الذات، ونيل الحق.

 

وفي السجون والمعتقلات رفض أبناء التيار الإسلامي أن يفرض عليهم القيد مرتين، وأن يخضعوا لجلادين ومراقبين وحاكمين في آن، فأصروا على نيل حقوقهم، وأن يكونوا ضمن القوى والفصائل المشكلة لمجموع المعتقلين، وأن يسمح لمن شاء من المعتقلين أن ينتمي إليهم، وأن يلتحق بهم، وأن يكون لهم الحق في عقد الندوات والحلقات العلمية والدينية، وجلسات التنظير والتعبئة الخاصة بهم، وأن يكونوا ضمن اللجنة الاعتقالية العليا، وأن يكون لهم ممثلون في مختلف اللجان العاملة في السجون والمعتقلات.

 

فحتى لا يتكرر الحسم في مكانٍ آخر، ولئلا تكون ثورةٌ جديدة، لابد لسدنة السلطة الفلسطينية، وجلهم كما ذكرنا من حركة فتح، أن يرسوا قواعد للعدل والإنصاف، وألا يجبروا أحداً على الثورة والانقلاب، ذلك أن رد الظلم ليس بظلم، وأن رفض الخنوع والذل ليس تمرداً، بل إن من شيم الكبار وأخلاق النبلاء الثورة على الظلم والاضطهاد، وما يحدث اليوم في الضفة الغربية، في نابلس وقلقيلية ورام الله وجنين وغيرها، من ظلمٍ وقتلٍ واعتداءٍ وأعمال تصفية، وحرمانٍ ومعاناةٍ وتمييز، ليس إلا وصفة حقيقية للثورة والانقلاب.

 

وعلى السلطة الفلسطينية أن تدرك أن الثورة علاج كل ظلم، وأن الظلم مهما طال وساد فهو إلى زوال، وأن السلطات لا تحمى وتعيش بقوة البطش وعسف الجلاد، بل تعيش وتعمر بحب الأتباع لها، وتأييد المحبين لحكمها، فعلى القائمين على الأمر في رام الله أن يحصنوا أنفسهم بالعدل، وأن يحموا حكمهم بالإنصاف والعدل والمساواة، وإلا فإن يوم غدٍ قادمٌ لا محالة، والتاريخ سجلٌ حافل يرصد ويحفظ ويسجل ويتكرر، وهو خير شاهدٍ على زوال من ظلموا، ونهاية من بطشوا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026