فلنتوقف ابتداء عند رد بعضهم المتوقع على العنوان مجرد العنوان وبالطبع عبر القول إن حركة فتح تتعرض لحرب من طرف حكومة حماس في غزة وهو قول لا تؤيده الوقائع على الأرض أكانت متعلقة بالاعتقالات…
فلنتوقف ابتداءً عند رد بعضهم المتوقع على العنوان، مجرد العنوان، وبالطبع عبر القول إن حركة فتح تتعرض لحرب من طرف حكومة حماس في غزة، وهو قول لا تؤيده الوقائع على الأرض، أكانت متعلقة بالاعتقالات المحدودة التي تتم على قاعدة الهواجس الأمنية (مخاوف الأمن وإثارة الاضطرابات)، أم كانت متعلقة بما جرى إبان الحرب على قطاع غزة، الأمر الذي له صلة بمخاوف التعاون مع الإسرائيليين وليس باستهداف مباشر لحركة فتح، مع أننا لا نبرر هنا أية أخطاء ونطالب حكومة غزة أن تكون أكثر انتباها وحذراً حيال أي مساس بالحريات وحقوق الإنسان.
عندما تمتلك كتائب الأقصى التابعة لفتح في قطاع غزة سلاحاً، ولا يعتقل أي من عناصرها، ففي ذلك ما يؤكد أن الحرب على الحركة ليست قائمة، وأن المسألة لا تعدو أن تكون تضييقاً لا أكثر.
ما يحدث في الضفة ضد حركة حماس أمر مختلف تماماً، وإذا كانت بعض المحطات الفضائية لا تعكس الحقيقة بسبب ميول مراسليها، أو لأنهم يعانون عقد الخوف من قوم إذا هددوا نفذوا، فإن شمس الحقيقة لا يغطيها غربال التعتيم مهما كانت أدواته.
بعد الانتهاء من عشرات المؤسسات التابعة لحماس، والتي وجد بعضها قبل تأسيس الحركة نهاية العام 87، انتقل الأمر إلى التنكيل بالبشر (تصفية المتمردين هي عنوان المرحلة الأخيرة)، بدءاً بالرجال، وانتهاء بالنساء، حيث تابعنا خلال الأسابيع الأخيرة موجة اعتقالات واستدعاءات غير مسبوقة لعدد منهن، وأكثرهن من أمهات المجاهدين والشهداء وأخواتهم وزوجاتهم، بينما يلاحق يومياً رموز المجتمع الفلسطيني في الضفة، ومنهم أعداد كبيرة من الأسرى المحررين الذي أمضى بعضهم سنوات طويلة في سجون الاحتلال، فيما اعتقل بعضهم بعد ساعات أو أيام من خروجه من السجن الصهيوني.
عائلة الشيخ المجاهد ماهر الخراز، أحد شيوخ نابلس المعروفين، نموذج صارخ للقمع الذي لا تحكمه خطوط حمراء، فالشيخ السبعيني وأبناؤه سعد وعروة يقبعون في سجون الاحتلال، بينما يقبع طاهر وأسيد وزيد في سجون السلطة مع والدتهم، نعم والدتهم، وزوج شقيقتهم كمال الرطروط.
خلال عامين بلغت حالات الاختطاف والاعتقال والاستدعاء حوالي 15 ألف حالة، بعضها لذات الشخص (يفرج عنه ثم يعاد اعتقاله بعد وقت لا يطول)، والنتيجة أننا إزاء حرب استئصال حقيقية لحركة مجاهدة لم يسبق لها مثيل، لا في حجمها ولا في تجاوزها لكل الأعراف في المجتمع الفلسطيني.
وفي سياق حجب حقيقة ما يجري كجزء من تنفيذ البند الأول من خريطة الطريق، معطوفاً على قدر من الثأر السياسي، بل والضغط والابتزاز خلال حوار المصالحة، يقال إن الهدف هو الحيلولة دون تكرار ما جرى في قطاع غزة، وهو قول لا صلة له بالحقيقة، لأن الضفة تحت الاحتلال الصهيوني الكامل، وليست نصف محررة مثل القطاع، وما يقال هو محاولة لإسكات الناس، مع حشد تأييد ما تيسر من حركة فتح، تلك التي لم يعد بيدها من السلطة إلا القليل بعد أن أصبح ملف المال والأمن بيد آخرين.
إنها لعبة "الفلسطيني الجديد" التي يقودها الجنرال دايتون، وهو فلسطيني يعمل شرطياً في خدمة من يدفعون له راتبه. "شرطي مهني" كما يسمونه، لم يسبق له النضال ولم ينتسب لأي فصيل، خلافاً لعناصر الأجهزة الأمنية السابقين، والذين كان كثير منهم من ذوي الإرث النضالي الذين ما لبث أن شاركوا في انتفاضة الأقصى، فكان من بينهم عدد كبير من الشهداء والأسرى.
"الفلسطيني الجديد" وصل حد قتل المجاهدين الذين يطاردهم الاحتلال، وذلك حتى يفقد الإحساس وخط الرجعة، لكن حرب الاستئصال هذه لن تؤدي إلى النتيجة التي يريدها القوم، وقد حاول المحتلون ذلك ففشلوا، وعموماً فإن الحركات الكبيرة المتجذرة في وعي شعبها فكرياً واجتماعياً وسياسياً ليست قابلة للاقتلاع ما دام دورها قائماً، فكيف حين تكون من ذلك اللون الذي قدم الآلاف من خيرة الشهداء والأسرى. بالله عليكم لو سألنا أي طفل فلسطيني عمن يحفظ من أسماء الأبطال الشهداء؟ كم نسبة من سيكونون منهم من أبناء وقادة هذه الحركة المباركة؟.
بقي القول إنها معضلة للقضية برمتها لا تحل بالحوار، بل بحسم الصراع داخل فتح لصالح الداعين لبقائها حركة تحرر، وليس حزب سلطة تحت الاحتلال.