" لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ "

ياسين عز الدين
2009-06-07

تمثل جرائم اغتيال مجاهدي القسام في قلقيلية نقطة تحول في عمل أجهزة السلطة الأمنية التي لم تعد تكتفي باعتقال المجاهدين بل أصبحت لا تتردد بتصفيتهم كما تشير أحداث الأسبوع الماضي إلى…

تمثل جرائم اغتيال مجاهدي القسام في قلقيلية نقطة تحول في عمل أجهزة السلطة الأمنية، التي لم تعد تكتفي باعتقال المجاهدين بل أصبحت لا تتردد بتصفيتهم، كما تشير أحداث الأسبوع الماضي إلى إصرار سلام فياض على الاستمرار بسياسة محاربة المقاومة ومطاردة المجاهدين، وعدم الرجوع عن هذه الطريق.

 

وما وصلنا إليه اليوم هو نتيجة عمل دؤوب خلال العامين الماضيين على إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، وتجنيد أفراد تتوفر فيهم عناصر الطاعة العمياء والتنفيذ بدون نقاش والاستعداد لاعتقال الأب أو الأخ إذا صدرت الأوامر، فضلاً عن تقديم ولائهم للسلطة ولسلام فياض ولأوامر دايتون على أي ولاء آخر بما فيه ولائهم لحركة فتح.

 

وهم يراعون في العناصر المستجدة صغر السن وتدني المستوى الثقافي، فتجد نسبة عالية منهم من المتسربين من المدارس، وبعضهم لم يصل السن القانونية التي تسمح له بفتح حساب بنكي لتلقي الراتب (18 عام) لذا يحضر ولي أمره إلى البنك للقيام بالمهمة، وتنص إعلانات التجنيد للقوى الأمنية على أن لا يتعدى التحصيل العلمي للمتقدمين مرحلة الثانوية العامة (التوجيهي)، وسبب الاهتمام بهذه الفئة هو سهولة تعبئتها وتطويعها للقيام بمهمات تناسب المرحلة.

 

ويمر المجندون (أو الفلسطينيون الجدد كما سماهم أفريام هليفي الرئيس السابق للموساد) عبر مراحل تعبئة فكرية (غسيل دماغ) بحيث تقلب لديهم الموازين وتصبح المصلحة الوطنية الفلسطينية هي منع الاعتداء على الصهاينة لكي "لا نعطيهم الذرائع للعدوان على الشعب الفلسطيني"، ويصبح المقاوم انقلابياً يهدد "الشرعية" الفلسطينية، ويصبح سلام فياض ومحمود عباس أولياء الأمر الذين لا يجوز الخروج عن طاعتهم.

 

ومع أن الواقع أثبت أن حماس في الضفة الغربية لم تستخدم سلاحها يوماً سوى ضد الاحتلال، وأنها تمكنت لحد اليوم من تجنب الدخول بصدام مفتوح مع السلطة، إلا أن هذا لم يثن أفراد الأجهزة الأمنية عن حماستهم ومشاركتهم في الحملات ضد المجاهدين والمقاومين من كافة الفصائل (وليس فقط حركة حماس).

 

وبما أن الدافع وراء العمل في الأجهزة الأمنية هو المال والراتب وليس الانتماء الوطني، فنستطيع القول أننا أمام ظاهرة من المرتزقة الذين يحاربون أبناء شعبهم، وقد درس ميكافيلي في كتابه "الأمير" حالة المرتزقة الذين كانت الدويلات الإيطالية تعتمد عليهم في حروبها الداخلية، وخرج بنتيجة أنهم مقاتلون شرسون شجعان عندما يضمنون الفوز والانتصار، وجبناء يفرون من المعركة عندما يشكون (مجرد شك) بفرص انتصارهم.

 

وهذا تصرف طبيعي من شخص يقاتل في سبيل المال، إذ ما فائدة المال بعد موت صاحبه؟ وهذه طبيعة الأجهزة الأمنية التي تطبق خارطة الطريق، فإن كانت القيم المجتمعية والوطنية لا تساوي شيئاً عند هؤلاء القوم، وإن كان الخوف من الله عز وجل لا يؤثر فيهم، إلا إنهم بلا شك أجبن الناس وأكثرهم حرصاً على الحياة، وينطبق عليهم قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) -13 - سورة الحشر.

 

وعليه فإن معالجة هذه الظاهرة تتلخص في العمل على مسارين: مسار التوعية الدينية وتنمية الروح الوطنية لديهم – مسار الترغيب. ومسار الردع وإشعارهم بأن "وظيفتهم" هذه لها أثمان وكلفة باهظة – مسار الترهيب. وإن كانت حركة حماس تدرس الخيارات المتاحة أمامها، سواء من ناحية معاقبة من تعاون مع الاحتلال وقتل المجاهدين أو من ناحية تعليق الحوار، إلا أننا نريد البحث في الطرق والسبل التي يمكن للمواطن والمجتمع الفلسطيني ومناصري الحركة أن يساهموا من خلالها في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة.

 

ونتساءل لماذا لا يكون هنالك اهتمام كاف بتوضيح حرمة العمل في أجهزة أمنية تنسق من أجل حماية أمن الاحتلال، وحرمة قتل المجاهدين؟ وهل تكفي المنابر الرسمية؟ أم أنه واجب كل شخص لديه قريب وصديق في هذه الأجهزة أن يتواصل معه ويبين بالحسنى والإقناع بالدليل والحجة حرمة الطريق الذي يسير فيه؟

 

ومن لا تردعه أخلاقه ودينه يمكن للمجتمع أن يردعه، يمكن الاتصال على أهل المتورط وتبيان لهم خطورة ما يقوم به ابنهم، وخطر عمله على سمعة وشرف عائلته، وخاصة كبار المتورطين في عمليات تصفية المجاهدين أو التنسيق الأمني، والذين باتت أسماؤهم معروفة للجميع. كما يمكن تفعيل المقاطعة الاجتماعية بحق من يصر على المسير في طريق التنسيق الأمني، من خلال عدم المشاركة في أفراحهم وأتراحهم وعدم تزويجهم، وحث الناس الآخرين على مقاطعتهم اجتماعياً.

 

بات العمل في الأجهزة الأمنية يشكل ظاهرة مرفوضة شعبياً واجتماعياً في الضفة الغربية، لكن هذا الرفض لم يترجم بعد إلى مواقف عملية، بل ما زال في غالبه ضمن مرحلة الإنكار في القلب، والبعض يستنكر بالكلمة، والمطلوب من أبناء الحركة ومؤيديها تحريك المجتمع ودفعه لاتخاذ مواقف عملية، لأن المجتمع لا يتحرك من تلقاء نفسه، ويحتاج إلى محرك وقوة دافعة.

 

وبغض النظر عن شكل الرد على المجرمين، سواء كان رسمياً أم شعبياً، فيجب التركيز على الأكثر تورطاً في التنسيق الأمني (العمالة) من العاملين في الوقائي والمخابرات العامة والاستخبارات العسكرية، وقادة الأجهزة من الصف الأول والثاني فهم المحرك الذي يدير عمل هذه الأجهزة، وبدونهم لا يمكن للصغار أن يقوموا بأي شيء.

 

وبدون أن يشعر المتورطون في التنسيق الأمني أنهم يدفعون الثمن فستبقى شريحة كبيرة منهم مصرة على الاستمرار بهذه الطريق، ولن يقتصر الأمر على أولئك الذين لا يعيرون اهتماماً لأية قيم دينية أو اجتماعية، بل تشمل بعض الغافلين الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً حتى يأتي حدث يوقظهم من سباتهم وغفلتهم.

 

وبالرغم من ضعف إمكانيات حماس في الضفة الغربية، إلا أنها يمكن أن تعمل على عدة صعد من أجل تجفيف المنابع التي تزود هذه الأجهزة بالعناصر، حيث لا يمكنها تنفيذ مخططات دايتون ولا غير دايتون بدون هذه العناصر، فالغضب الشعبي في الضفة يوفر فرصة ذهبية لتوسيع قاعدة حماس الجماهيرية، وتجفيف قاعدة السلطة الجماهيرية، والسلطة بدون قاعدة تسندها وتزودها بعناصر الأجهزة الأمنية، سيكون مصيرها الفشل والانهيار كما حصل مع روابط القرى بداية الثمانينات.

 

وتجفيف المنابع ممكن من خلال العمل الجاد والخلاق على ثلاثة أصعدة:

 

1- الصعيد الدعوي، وإذا تعذر النشاط الجماهيري وأغلقت منابر المساجد، فالدعوة الفردية لا يمكن محاصرتها أو وقفها.

2- الضغط الاجتماعي، وإذا لم يتجاوب المجتمع في البداية، إلا أنه ومع مرور الوقت وتزايد فضائح السلطة، ومع مواصلة تحريض المجتمع، فستثمر في النهاية مقاطعة ولو جزئية لأفراد الأجهزة المتورطين في التنسيق الأمني ومطاردة وتصفية المجاهدين.

3- يجب أن يشعر كل من يعمل بالتنسيق الأمني ومطاردة المجاهدين وحماية الاحتلال، بأن لعمله هذا ثمنا يدفعه، وإذا كانوا يعتقدون أن ما حصل في قلقيلية لن يتكرر أو أنه نتيجة صدفة سيئة، فسيحتاجون لعدة أحداث مماثلة حتى يقتنعوا تمام الاقتناع أن الأمر ليس بمزحة، وأن ما يقومون به له ثمن وثمن باهظ جداً.

 

وما لم تصل الرسائل الثلاث للمنتمين إلى الأجهزة الأمنية (الدعوية والاجتماعية والميدانية) فسيستمرون بعملهم، بل وسيتشجعون على المزيد، ولن يتوقفوا حتى يوقفهم أحد ما، ويضع لهم حدا حاسما وواضحا وملموسا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026