لم تكد شمس الديمقراطية الفلسطينية تشرق هنيهة على جموع الفلسطينيين حتى أخذت طريق الكسوف من جديد في ظل تدهور أمني وسياسي غير مسبوق وعجز واضح لمؤسسة الرئاسة عن فرض مشروعها الإصلاحي…
لم تكد شمس الديمقراطية الفلسطينية تشرق هنيهة على جموع الفلسطينيين حتى أخذت طريق الكسوف من جديد، في ظل تدهور أمني وسياسي غير مسبوق، وعجز واضح لمؤسسة الرئاسة عن فرض مشروعها الإصلاحي الذي يعيش اليوم حالة النزع الأخير.
فالواضح أن جناحي الأمل اللذين استبشر بهما الفلسطينيون لإصلاح أوضاعهم المزرية قد تهشما أو دخلا نفق التكلس والجمود المطبق. فلا الانفلات الأمني الذي أقض المضاجع ودمر الأمن والأمان، وأحال الواقع الفلسطيني إلى غابة يحكمها العراك والصراع، قد وجد حلاً، ولا الانتخابات التي أريد لها أن تكون أداة للإصلاح ومحاربة الفساد والتداول السلمي للسلطة، قد أصبحت أمراً واقعاً في ظل الترحيل القسري للانتخابات التشريعية، وتناسي المرحلة الثالثة من الانتخابات المحلية، وتجاهل الحديث عن جولة الإعادة الجزئية الخاصة بالمرحلة الثانية منها، ليؤول الوضع الفلسطيني إلى جمود وانغلاق، ويسير نحو خيارات مجهولة لا يمكن التنبؤ بطبيعتها والنتائج المترتبة عليها، على وقع رؤية غائبة لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
لا يمكن تبسيط النظر إلى هذا الواقع المعقد، أو التقليل من حجم وآثار الخطر الذي يتوقع أن يتناوش الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة، فالجمهور الفلسطيني يعيش أقصى درجات التذمر والاستياء والاحتقان، وقد تودي به الفوضى الراهنة إلى نوع من الاغتراب، والركون إلى السلبية وأخذ القانون باليد، والخلط بين المقاومة و"الانفلات"، ومحاكمة المفردتين ضمن معايير وموازين واحدة.
ولا ريب أن هذا الواقع الموحش قد يدفع القوى الفلسطينية المختلفة إلى نسج ممارسات ومواقف وسياسات على منوالها الخاص، ويضطرها إلى اتخاذ وسائل لحماية وسائل ذاتها وكيانها، والإبقاء على فعاليتها في وجه التقلبات المتوقعة إبان المرحلة المقبلة، ما يعني أن الساحة الفلسطينية ستشهد انفصاماً سياسياً واجتماعياً حاداً بكل المقاييس، وانهياراً قد يطال كثيراً من البنى والهياكل الحالية، ويحيل المشهد الفلسطيني إلى أشتات مبعثرة ومصالح متضاربة يسهل على الاحتلال مواجهتها وتغذية نوازع الفرقة بينها.
ولا جدال على أن السلطة الفلسطينية و حزبها الحاكم يتحملان المسؤولية الكبرى والمباشرة إزاء الانجراف نحو المجهول، فطغيان الأجندة الشخصية والفئوية، وتجاهل الاستحقاقات الوطنية تحت هواجس غير مبررة، والترفع عن استشعار الأخطار المحدقة بالوطن والقضية والمجتمع الفلسطيني، كانت ولا تزال نهجاً عاماً يسم السلوك الفلسطيني الرسمي رغم التحولات الداخلية، والتغيرات الإقليمية والدولية.
بكل صراحة، أشفق على الرئيس أبو مازن ثقل التحديات التي يجابهها، وعدم وفائه بالوعود الإصلاحية التي قطعها على نفسه، فواقع السلطة الزاخر بمراكز القوى والنفوذ المناوئة للتغيير والإصلاح، وضعف الحاشية الإصلاحية التي يمثلها داخل حركة فتح، فضلاً عن رهاناته المعقودة على شخوص ضعيفة أو غير مؤهلة، وافتقاده للكاريزما وملامح الشخصية القوية النافذة ذات القدرة على الفرض والتطبيق، لم يمنحه حظوة الفوز بإنجاح مشروعه ومدّه بماء الحياة والاستمرار.
أبو مازن، ومشروعه الإصلاحي، يتهاوى شيئاً فشيئاً، وما لم يبادر إلى تنفيذ خطوات حقيقية، مستقوياً بالكلّ الوطني، وعلى قاعدة الشراكة الكاملة، فإن المسؤولية ستظل تلاحقه والسلطة وفتح فحسب، ولن تكون حياته السياسية بمنأى عن الأفول والغروب القريب، في ظل مشهد فلسطيني تكثر اضطراباته، ولا يحتمل إلا القويّ المقدام.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع