فـي ذكــرى النـكبــة

فـي ذكــرى النـكبــة

النائب محمود مصلح
2009-05-12

ما من شك أن التآلف والانسجام بين الشكل والمضمون سيسفر عن صورة رائعة الجمال ترتاح لها النفوس وتقر بها الأعين وتنتعش معها الأمال وعلى العكس تماما فإن التنافر وعدم الانسجام بينهما…

ما من شك أن التآلف والانسجام بين الشكل والمضمون سيسفر عن صورة رائعة الجمال ترتاح لها النفوس وتقر بها الأعين وتنتعش معها الأمال. وعلى العكس تمامًا فإن التنافر وعدم الانسجام بينهما سيفصح عن صورة بالغة الدمامة منفرة للنفوس مؤذية للأعين، ولربما ترتب عليها كوارث لا حصر لأضرارها ونكبات لا تندمل جراحها ومآسٍ لا تنتهي المعاناة من تبعاتها.

 

وليس من شك أيضًا أن آثار التنافر بين الشكل والمضمون ستكون أكثر فداحة عندما يتعلق الأمر بالقيم والمبادىء والأعراف، فعندما تنتهك القيم والقوانين يغيب العدل ويسود الظلم وتضيع الحقوق ويعم الفساد، ويتمكن العبيد والأشرار من رقاب الأحرار والأخيار، وتتوالى مشاهد القبح وفصوله وتبدو مسرحية البؤس مأساة لا نهاية لها.

 

 ولعل النّكبة التي حلّت بفلسطين وأهلها أنصع ظاهرة لحالة التّنافر بين الشكل الحسن والمضمون القبيح ، فقد جاء المستعمر البريطاني يرفل في ثياب المخلّص والمحرّر والمصلح المعمِّر، ولما خلع الثوب بدا على حقيقيته البشعة فاقتلع شعباً من أرضه وأحلّ مكانه اللصوص وشذّاذ الآفاق جاعلاً منهم شعباً ومن أرضنا وطناً لهم وأقام لهم دولة مستخدماً كل أساليب الكيد والمكر والخداع وكل وسائل القتل والتدمير والإذلال والتشريد .

 

وإذا نظرت الى القوانين والشرائع الدولية بإحدى عينيك فستجد فيها ما يبهر هذه العين من نزاهة تنصف المظلوم وتردّ بأس الطغاة وتبدي الإحتلال مداناً وطرد البشر من أرضهم محرّماً. فإذا نظرت بعينك الثانية إلى مجلس الأمن وهو يتصدى للتعامل مع هذه القوانين والشرائع ستراه يصدر قراراته متناقضة تماماً طامسة لكل معالم حسنها ونضارتها، فيقرّ بقراراته الاحتلال ويقسّم الأرض بين الغاصب والمطرود ولا أدل على ذلك من قراره رقم 181 المجحف بحق شعبنا بأرضه وكرامته .

 

ومثل ذلك بالتّمام والكمال، فإن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تبدو غاية في الجمال عندما تؤدي ما أنيط بها من مهام ذات صلة بعودة اللاجئين الى أرضهم التي تم تهجيرهم بالقوة منها قي أقصر مدة ومن أقرب مكان وبأقل ما يمكن من الخسائر والاضرار. ولكن الأمم المتحدة في تعاملها مع لاجئي الحالة الفلسطينية لا تفعل ذلك، بل تشكل وكالة لغوث وتشغيل اللاجئين وتكِلُ اليها مهمّةً غاية في القبح لأن من شأنها أن تجعل الهجرة أبدية ومن أهم وظائفها أن تقدّم التّوطين في المنفى باعتباره الحل الممكن الوحيد، وتجعل من الفلسطيني حالة إنسانية أسمى غاية لها هو توفير المأوى وكسرة الخبز، وأما التشغيل فكلٌّ وشطارته.

 

 

وفي نفس السّياق فإن صور جمال القانون الدولي إلزامه للاحتلال ( أي احتلال ) بالانسحاب من أية أرض استولى عليها. فإنْ أبى فإنّ القانون يشرع استخدام كل الوسائل، بما في ذلك القوة، لإجباره على الانسحاب. وأجمل من ذلك أن المجتمع الدولي، وبقرارات من مجلس الأمن، طبق هذه القوانين نصاً وروحاً في أحوال عديدة أما في الحالة الفلسطينية فقد اقتصر القرار رقم 242 عام 1967 على طلب بضرورة الانسحاب من( أراضٍ) استولى عليها الإحتلال، واشترط لتنفيذ هذا الطلب أن يتم فقط من خلال المفاوضات بما يوحي بأنّ ما تم احتلاله من الارض متنازع عليه، وبما لا يدع مجالاً للشك أن أمد الحوار سيطول وأن مآسي الفلسطيني الرازح تحت نيره ستتفاقم .

 

وتتواصل في الحالة الفلسطينية مشاهد التنافر بين حسن الشكل وقبح المضمون. ومن ذلك أن القوانين الدولية ( لا ) تلزم المتصارعين باعتراف طرف بطرف كشرط لقبوله شريكاً في المفاوضات، بل إن هذه القوانين تبقي الباب مفتوحاً للحوار والتفاوض حتى وإن كان أُوار الحرب مستعراً، وهذا شيء حسن، ولعله الأصل ولربما كان الأقرب للتوصل إلى حل. أما في الحالة الفلسطينية فإن المجتمع الدولي يشترط إعتراف الضحية بالجلاد دون أية إشارة من قريب أو بعيد لاعتراف الجلاد بأدنى حقوق الضحية، كما يشترط على الضحية ألا تحرك ساكناً إزاء ما يمارسه الجلاد ضدها من قمع وتنكيل وإذلال، مع التأكيد على أن هذه الممارسات إنما هي دفاع عن النفس إزاء إرهاب الضحية. كل ذلك يأتي في سياق انحياز واضح لصالح الاحتلال من جانب، ولاتخاذه ذريعة للرجوع بالمفاوضات إلى نقطة الصفر كلما شعروا أن ذلك يصب في مصلحتهم من جانب آخر. أما الفلسطيني فلا أحد يأبه لمصيبته.

 

ثمة مشهد آخر أجد من المفيد استعراضه تبدو فيه القوانين الدولية غاية في النبل والشهامة، ألا وهو إلزام دولة الإحتلال بتقديم كل الخدمات الضرورية لاستمرار حياة الرازحين تحت نيرها، وتوفير مستلزمات الكرامة الإنسانية لهم، وتلبية احتياجاتهم باعتبار ذلك حقاً من حقوقهم. ولكننا نجد تصرف المجتمع الدولي في هذه المسألة يتناقض تماماً مع هذا النبل في الحالة الفلسطينية فينحاز إلى دولة الإحتلال ويغلقان كل المعابر فلا دواء ولا غذاء، ويفرضان حصاراً قاتلاً، ولو إستطاعا لأغلقا أبواب السماء فلا ماء ولا هواء، لا لشيء إلا لأن الفلسطيني تجرّأ واختار في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ممثلين له لا يرضى عنهم الاحتلال وأنصاره وأعوانه، فاستحق بفعلته (النكراء) هذه أن يموت صبراً، أو أن يثوب إلى رشده فيقبل بخنوع اليأس واستسلام الذليل.

 

وعند هذا الحد، لا أجد داعياً لاستعراض المزيد من مشاهد التنافر بين الشكل والمضمون فيما يتصل بقضيتنا الفلسطينية، فما تم استعراضه يكفي لمعرفة أسباب توالي كوارث ومآسي نكبتنا من قتل واعتقال وإذلال وإبعادٍ وتشريد وتدمير وتهويد على مدى ما يقارب قرناً من الزمان، كأن لسان حال المجتمع الدولي يقول للفلسطيني: عليك ألا تركب رأسك وتتمادى في العناد .. فإن أبيت فلدينا من الوسائل ما يضعك على حافة اليأس والقنوط، ويجبرك على الرضوخ لإرادتنا والإذعان لمشيئتنا ونسيان القضية وفقدان الذاكرة والهوية !!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026