القدس وإذا كان لكل من اسمه نصيب فنصيبها من اسم الله القدوس أي المطهر فهي المطهرة و التطهير ليس تنزيها عن النقائص فهذا لا يستوي في مقام المولى سبحانه و لا في مقام ما ينسب إليه بل هو…
القدس.. وإذا كان لكل من اسمه نصيب فنصيبها من اسم الله القدوس أي المطهر فهي المطهرة، و التطهير ليس تنزيها عن النقائص فهذا لا يستوي في مقام المولى سبحانه و لا في مقام ما يُنسب إليه، بل هو زيادة في التطهير عن الكمالات التي يتصورها البشر، فكل ما خطر ببال الانسان عن الله، فالله بخلاف ذلك"ليس كمثله شيء" ، و كذلك القدس باركها سبحانه، و نسب البركة فيها إليه بخطاب الاختصاص بضمير الجمع و الرفعة "باركنا" الى أن يرث الله الأرض و من عليها، و فاضت بركة القدس حولها حتى قال بعض العلماء أن البركة تشمل العالم كله و تمتد في دوائر تنطلق من المركز في المسجد الأقصى، ثم تتوسع في كل الجهات ، و كل يأخذ من البركة بحسب قربه من المركز و إيمانه و عمله، و يكون تركز البركة كما توضح أحاديث المصطفى صلى الله عليه و سلم في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس، و قال قتادة في تفسير "الأرض التي باركنا فيها للعالمين" (كان يُقال للشام عماد دار الهجرة، و ما نقص في الأرض زيد في الشام، و ما نقص في الشام زيد في فلسطين)، و المقصود بالزيادة البركة على مستوى الانسان و الايمان و المكان، و قال أبو كعب "ما من ماء عذب الا و يخرج من تحت الصخرة"، و هي الأرض الربوة ذات الخصوبة و التنوع و الماء المعين التي وصفها القرآن "و آويناهما الى ربوة ذات قرار و معين" و ظلال الإيواء تحمل معاني الرحمة و الاحتضان و السكينة، و قد كانت خيار المولى سبحانه تكريما على جميع أرضه لنبيه عيسى عليه السلام و أمه مريم عندما اشتد عليهما التضييق و التعذيب
و إذا كانت مكة مأوى أفئدة البشر، فالقدس توأمها، و ما كونها قبلة المسلمين الأولى و مسرى الرسول صلى الله عليه و سلم الا تأكيدا ربانيا على هذه الصلة و التوأمة و القدر الرفيع، فقد كان من الممكن أن تكون مكة قبلة المسلمين الوحيدة منذ بداية الرسالة، و كان يمكن أن يُسرى بالرسول من أي مكان على وجه البسيطة، فلماذا إذن كانت الرحلة من القدس الى السماوات العلى الى سدرة المنتهى حيث كانت إمامة المصطفى بالرسل جميعا عليهم السلام الا لترسيخ هذه الأهمية و "إعلان وراثة الرسول الأخير،كما يقول سيد قطب في الظلال، لمقدسات الرسل قبله، و اشتمال رسالته على هذه المقدسات و ارتباطها بها جميعا"، فوراثة القدس كانت و ما زالت للمؤمنين، و لقد أعطاها الله لبني إسرائيل عندما كانوا أهل الإيمان في الأرض "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" فكانوا كلما عصوا و أفسدوا يُحرمون منها، و تُدمر مقدساتهم و تسقط في أيدي أعدائهم حتى كان إخراجهم جميعا في السبي البابلي، و تتالت الأمم على القدس كل يدعي أحقيته فيها، حتى جاء الاسلام فأقر لها صبغتها التعددية، فحفظ سيدنا عمر بن الخطاب لكل الطوائف مقدساتهم و طرائق حياتهم، و الدارس للتاريخ الاسلامي يرى أن وراثة المسلمين للقدس لم تكن وراثة دائمة أو وراثة تفضيل على كل الأحوال أو ملكا عضودا ينتقل من الأب الى الابن، بل لقد كانت القدس على مر تاريخ المسلمين كثرمومتر الايمان، كلما زادت حرارة الايمان و تمسك المسلمون بدينهم كانت القدس في حيازتهم، و كانت أول ما تُنزع منهم عندما يتراخى أخذهم بالدين، و قد تساوينا الآن نحن و مغتصبوها في البعد عن الايمان فملكوها و غلبوها و غلبونا بالقوة
لقد علق الاسلام قلوبنا بالقدس، و علم الرسول صلى الله عليه و سلم أن ستأتي عليها و على المسلمين فترات ضعف و خذلان، فحرص أن تبقى صلتنا الوجدانية و لو في أقل صورها بعمارتها و عمارة مسجدها فقال"ائتوه فصلوا فيه فإن لم تطيقوا له محملا فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله" و قال سيدنا لصحابيه ذي الاصابع ردا على سؤاله عن أفضل الاماكن للعيش بعده "يا رسول الله ان ابتلينا بالبقاء بعدك فأين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون الى ذلك المسجد و يرحون" و ذلك أضعف الإيمان
إن أي جهد في إحياء قضية القدس في نفس الأمة محمود مهما كان بسيطا أو رمزيا، و هو أفضل من السكوت و النسيان الذي يعول عليه أعداؤنا، غير أن الجهد حتى يثمر يجب أن يستمر و يمتد و لا يكون لحظيا أو مقصورا على دين أو طائفة، كما يجب أن يكون،كما هو مشفوع بالحب، مقرونا بالفهم و المعرفة الدقيقة للقدس و المقدسات و طبيعة الصراع عليها، مستندا الى مشاريع تكفل تدعيم الوجود الفلسطيني في القدس، و المحافظة على المقدسات، و توجيه أنظار الأمة العربية و الاسلامية و حتى الشعوب الغربية المنصفة اليها
ليس الاسرائيلييون على غطرستهم و دمويتهم شعبا فريدا في البطش، فالمغول من قبلهم بعثوا للمسلمين يقولون ""اتعظوا بغيركم، و أسلموا لنا أموركم، فنحن لا نرحم من بكى، و لا نرق لمن اشتكى، ليس لكم أرض تؤويكم، و لا طريق تنجيكم، و لا بلاد تحميكم، فما لكم من سيوفنا خلاص، و لا من مهابتنا مناص، الحصون عندنا لا تمنع، و العساكر لقتالنا لا تنفع، و دعاؤكم علينا لا يسمع" و هو نفس الخطاب الذي يتعامل به الاسرائيلييون الآن مع العرب و العالم أجمع، و لكن الفرق في الحالة الأولى جاء برد القائد المسلم قطز على هولاكو المغولي في نصر عين جالوت
إن التعامل بمنطق اليأس غير وارد في التعاطي مع قضية القدس و فلسطين، فنحن نؤمن أن القدس ينتظرها زمان عزة لا يعيدها فقط الى حوزة الأمة، بل و يجعلها مركز الخلافة الأخيرة، و تكون البيعة فيها كما ذكر الحديث النبوي بيعة هدى
هنيئا للقدس أن كانت و ما زالت و ستبقى عاصمة الثقافة، و بانتظار أن يتحقق الوعد أن تصبح عاصمة الخلافة