التوأمان وثالثة الأثافي لقد كانت حماس والانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة أو انتفاضة المساجد توأمان بحق ولدا معا وارتبط كل منهما بالآخر ارتباطا عضويا ومصيريا حتى باتا يشكلان ثنائيا…
التوأمان وثالثة الأثافي:
لقد كانت حماس والانتفاضة الأولى -انتفاضة الحجارة أو انتفاضة المساجد - توأمان بحق ولدا معا ، وارتبط كل منهما بالآخر ارتباطا عضويا ومصيريا حتى باتا يشكلان ثنائيا لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلو ذُكرت حماس في مقام ما ، كانت الانتفاضة طيفها الجميل ، وإن حضرت الانتفاضة في مشهد ، كانت حماس ظله البارز ، فحماس التي باتت تتحفز للانطلاق وقد شبعت إعدادا ، كانت تنتظر الإشارة المواتية لذلك ، فوجدتها في التحركات الشعبية التي انطلقت لمواجهة المحتلين عقب تعمد شاحنة صهيونية لصدم سيارة فلسطينية في جباليا وسحق من فيها فكانت تلك الشرارة التي أوقدت نار المسير للتوأمين معاً.
والانتفاضة التي عبرت عن حالة متقدمة من العطاء ، تتبدى من خلالها الروح الشعبية الوثابة لمنازلة الاحتلال من جهة والقدرة على تجاوز بيروقراطية تحرك الهياكل الرسمية المتلبسة بالمشهد السياسي طوعا أو قسرا من جهة أخرى، كانت بحاجة لمن لا يُقدم على المقامرة بمصيرها في متاهات السياسة وألاعيبها وحساباتها بحيث تبدو كرقم يتم استثماره لجني مكاسب تافهة بعيدا عن تطلعات الشعب المضحي وآماله المشروعة وآلامة الكبيرة ، أو تسخيرها وتقنينها كي لا تخرج عن نطاق المسار المسموح للساسة أن يتحركوا ضمن ردهاته الضيقة ، كما كانت الانتفاضة بحاجة لمن يطورها ويراكم على بنائها لا أن يبترها في منتصف طريقها أو يطعنها من خلفها ، فوجدت ضالتها في حماس كقوة صاعدة متحررة من الحسابات والقيود التي قد تصنع حاجزا ما كضريبة حتمية للارتهان بتلك الحسابات والقيود يحول بينها وبين الإرادة الحرة التي تميز الشعب صاحب المبادرة.
هذا التلاقي والتزاوج لم يرق للكثيرين وخصوصا الفرقاء المحليين ، ولذلك فقد أُريد للتوأمين أن يموتا معا كذلك ، بحيث يُسحب الغطاء المبرر لوجود الأول ، إن تم إجهاض الثاني ، هكذا أرادوا وعلى هذا الأساس عملوا فكانت أوسلو ، وقد اجتمع على تمني الموت لهما أطرافُ عديدة ، تحاكي في تنوعها تلك الأطراف التي تحاصر حماس اليوم وتروم خنقها ، فكل الجهات المنخرطة اليوم في حصار حماس ، وتتمنى زوالها من الوجود ، كانت قد انخرطت في هذه الحرب منذ اليوم الاول الذي أفصحت فيه حماس عن نفسها ، وإن مشهد التكتل المحلي ، الإقليمي الدولي الماثل للعيان اليوم بوضوح والمرصود في مواجهة حماس هو منعقد حقيقة منذ اللحظة الأولى التي بدى فيها صوت حماس مسموعا ، والفارق يكمن في حجم وشكل وطريقة الاستهداف فقط أما المضمون فواحد لا يتغير.
محطات بارزة في استهداف التوأمين:
الأولى: كانت بعيد انطلاق الانتفاضة الأولى مباشرة ، فقد كانت كل المؤشرات الأولية تدل على أن من يقف خلف تأجيج الأحداث في أيامها الأولى هم أبناء الحركة الإسلامية لا أبناء فصائل (م ت ف)، وخصوصا في قطاع غزة ، ظهر ذلك من خلال المسيرات المنطلقة من المساجد ، فضلا عن دور المساجد التعبوي والتحريضي ، كما ظهر من خلال انتماء الشهداء والجرحى ، ولأن الانتفاضة كانت عفوية ولم يخطط لاشتعالها أحد من الفصائل ، ظنت فصائل المنظمة أن الأعمال سارت وفق مخطط معد مسبقا من قبل الحركة الإسلامية (حماس) ولذلك فلم تنخرط فصائل المنظمة بما فيها فتح بثقلها وبشكل رسمي في الانتفاضة لاعتقادها أن هذا الانخراط يصب في مصلحة الخصم القديم والقادم الجديد (حماس)،(الحديث هنا يتم عن المواقف الرسمية للفصائل لا الشعبية التي لم تتخلف في مجملها يوما واحدا عن المواجهة).
وبقي هذا الموقف ثابتا ورسميا حتى مر على اندلاع الانتفاضة أكثر من شهر كامل ، وعندها أدركت فصائل المنظمة ، أن مزيدا من التلكؤ في تحديد الوجهة إن كانت مع الانتفاضة أم لا ستتسبب بخسائر فادحة لها ، فكان قرار الانخراط الرسمي والذي تمثل بالبيان الأول لفصائل المنظمة المتأخر شهرا ونيف عن تاريخ بدء الانتفاضة ، في صورة تعكس الانتهازية السياسية لفصائل المنظمة ، التي كانت وما تزال ترد الأفعال والمواقف حتى لو كانت (مقاومة الاحتلال)لمعيار المصلحة الحزبية الضيقة ، والمكسب الفصائلي الذي لا يمت بأي صلة لقيم المقاومة والتحرر التي ما انفكوا يتغنون بها ، لا يفوت أن أنوه أن شكل الاستهداف هنا يتعلق بالرغبة بإجهاض القادميَن ، حتى لا تستحوذ حماس على نصيب ما في الساحة الفلسطينية، وكي لا تضع لنفسها موطئ قدم بين الناس وعلى الأرض ، على حساب فصائل المنظمة مجتمعة.
أما الثانية ، فقد تم إنضاجها عبر طبخة أطلق عليها أوسلو والتي استهدفت في المقام الأول إيجاد المبررات لإنهاء الانتفاضة ومواجهة الاحتلال، وقد تم ذلك بالاتكاء على حجة تشكيل سلطة سُميت فلسطينية بينما تقوم بمهام صممت خصيصا لخدمة الاحتلال ، والتخفيف من الأعباء الملقاة على عاتقه ، بينما لا تتمتع هذه السلطة بأي شكل من أشكال السيادة الحقيقية سياسية كانت أم أمنية أو حتى جغرافية ، ولم يكن غريباً أن الطرف الفلسطيني الذي تلكأ بداية في الإنخراط في الانتفاضة هو ذاته من استثمرها الاستثمار الخاطئ إذ خرج علينا بأوسلو الشؤم وملحقاتها البائسة ، فالتلكؤ بداية كان محكوما بالمصلحة الفصائلية لا الوطنية ، وركوب موجة الانتفاضة ومن ثم استثمارها نهاية تم كذلك لذات المصالح الفئوية الضيقة بعيدا عن الذي تمناه شعبنا من إنجاز الحرية وكنس الاحتلال ، فالمشهدان هنا متماثلان وينقلب أحدهما عن الآخر ، لأنهما محكومان بمعيار واحد يتعلق بالذوات لا بالوطن ، الأمر الذي يؤكد أن حماس هي توأم الانتفاضة لا غيرها ، وأن علاقة الغير بها ترتبت على أساس المصلحة الضيقة ، لا على أساس الترابط العضوي اللصيق ، ما يؤكد ذلك أيضا أن حماس لم تتنكر للمقاومة بعد أن دخلت الحكومة ولم تساوم على شرعيتها وبقائها ، فهل يعقل أن تساوم حماس على توأم وجودها؟
والثالثة: كانت بعد نجاح حماس المدوي في الانتخابات التشريعية والبلدية المنقضية ، فبعد أن فجر الشعب الفلسطيني انتفاضته النوعية الثانية ، تأسيسا على ما أرساه من قواعد ومفاهيم وقناعات رسختها لديه الانتفاضة الاولى ، ارتقت الأعمال المحمودة في مواجهة الاحتلال من حال (الانتفاض) إلى حال الضرب وإيلام العدو المحتل وإيقاع الخسائر في صفوفة ورد الصاع بالمثل ، فقد باتت الانتفاضة مقاومة ناضجة تمتلك مقومات الثبات والتقدم وقادرة على تطوير نفسها ذاتيا ، وباتت حماس قوة سياسية تستعطي على الكسر، وقادرة على إملاء بعض ملامح السياسة العامة أو على الأقل قادرة على قول (لا) في وجه السياسات المفصلة خصيصا لخدمة الاحتلال وعدم القبول بها أو العمل بمقتضاها، التقدم الواضح للتوأمين استدعى رفع سقف الحرب المعلنة ضدهما، فقد بات أمر تسفيه المقاومة والسخرية منها مألوفا لدى قيادة فريق اوسلو وإن تم سابقا بطريقة مواربة ، وقد باتت المخططات لضربهما واضحة المعالم ، كما بات المتجندون لإشعال أوارها لا يجدون غضاضة في الإعلان عن ذلك بجلاء ودون أن يهتز لهم جفن.
أما ثالثة الأثافي، فكانت البيان الأول الذي تزين بتوقيع (حركة المقاومة الإسلامية) عليه ، في 14/ 12/ 1987 والذي كان بمثابة إعلان تثبيت وتوثيق للتوأمة المباركة ، وما يزيد في القيمة الاعتبارية لهذه الوثيقة الثمينة أن كان كاتبها الشهيد الرنتيسي رحمه الله ، وإذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه كما يقولون ، فلنا أن نتخيل العطاء الذي يضع عنوانه كبير كالرنتيسي، وإذا أردنا توقع الثبات الذي يبديه هذا المشروع في وجه المؤامرة ، فلنا أن نستحضر صلابة الرنتيسي في ذكرى رحيله الخامسة ، وإذا أراد البعض أن يبحث في حظوظ قدرة التوأمين على البقاء رغم ما يعترض المسير من تحديات ، عليه أن لا يغفل من علق جرس الانطلاق المزدوج لهذا المسير المبارك.