بين يوم وآخر نتابع أخبار الاعتقالات التي يتعرض لها أبناء وأنصار حركة حماس في الضفة الغربية إلى جانب بعض عناصر الجهاد الإسلامي أيضا وغالبا بالأسماء وليس بمجرد الأرقام لا أعني فقط…
الأكثر مأساوية في المشهد هو سياسة الباب الدوار بين طرفي معادلة دايتون، فهنا ثمة أسرى لا يكون قد مضى على خروجهم من سجون الاحتلال سوى أيام، أو يوم أو يومين في بعض الأحيان، حتى يجدوا أنفسهم معتقلين لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية. كما أن ثمة معتقلين في سجون السلطة لا يكادون يخرجون منها حتى يجدوا أنفسهم في سجون الاحتلال.
هذه اللعبة لم تتوقف طوال الأسابيع الماضية التي التأم فيها حوار القاهرة (حماس تحدت أن يكون لديها أي معتقل سياسي)، بل إن كل المحاولات التي بذلت من أجل تبييض السجون لتشجيع أجواء المصالحة لم تحقق أي نجاح، اللهم سوى الإفراج عن بضع عشرات كان سيفرج عنهم في أي حال، وهي بدأت عملياً بعد عملية الوهم المتبدد منتصف عام 2006 فيما يتعلق بسلطات الاحتلال، بينما انضمت السلطة إليها وعلى نحو أعنف إثر الحسم العسكري في قطاع غزة منتصف عام 2007.
للسلطة من هذه العملية هدف يختلف عن هدف الاحتلال، مع توفر قدر من التوافق على هدف واحد عنوانه عدم السماح لحركة حماس بلملمة صفوفها في الضفة الغربية.
في السياق المتعلق بالسلطة، ثمة محاولة محمومة لتحقيق الهدف السالف الذكر لكي تكون الأجواء مهيأة للانتخابات القادمة، لأن حركة مضروبة ومطاردة وبلا مؤسسات من أي نوع ستكون عاجزة عن الوصول إلى الناس وتوضيح مواقفها، والأهم ستكون عاجزة عن مراقبة العملية الانتخابية، ولا شك أن الضربات التي تعرضت لها حماس هي من القسوة بحيث يصعب ترميمها في زمن قصير، لا سيما أن توقف الاعتقالات من طرف السلطة لا يعني بحال توقفها من قبل الاحتلال، مع العلم أن معظم الكوادر الفاعلة تجد نفسها أسيرة سجون الاحتلال، سواء مرت على سجون السلطة أم لم تمر.
من زاوية الاحتلال تأتي الاعتقالات كمحاولة دائمة للحيلولة دون أي تماسك في الحركة يسمح بالعودة إلى خيار المقاومة المسلحة، وهنا تتواصل الاعتقالات على نحو لا يسمح بترتيب أية خيوط مهما كانت، بما في ذلك في ميدان العمل السياسي والاجتماعي، ربما خشية دعمه لمسار العمل العسكري.
هذا البعد يتوفر عند السلطة أيضاً، والسبب هو حرصها على عدم السماح لحماس بممارسة أي شكل من أشكال المقاومة، ليس فقط تنفيذاً لالتزامات خريطة الطريق، وإنما أيضاً من منطلق إدراكها لحقيقة أن المقاومة تمنح الحركة مزيداً من المصداقية في صفوف الجماهير في الداخل والخارج.
هكذا تعاني حماس من حصار شرس متعدد الوجوه. وعندما يماري بعض الموتورين في الحقائق على الأرض، فلأنهم لا يريدون الاعتراف بحقيقة أن هذه الحملات السياسية والأمنية على الحركة إنما هي رد على إيمانها بخيار المقاومة ورفضها الاعتراف بالاحتلال، ولأنهم لا يحبون المقارنة بين قادة يتجولون ببطاقة الفي آي بي ويسافرون وقت شاؤوا وبين آخرين ليس لهم إلا السجون هنا وهناك، بينما يمنع أي واحد منهم من السفر للخارج، ولو من أجل حوار المصالحة.
وحدها الجماهير المؤمنة بربها، ومن ثم بقضيتها هي التي لا يساورها الشك في حقيقة أن من يرفضهم المحتل ويطاردهم هم الأكثر إخلاصاً لقضيته، وهي حقيقة لا تزيفها حملات الأكاذيب التي تنطلق من هنا وهناك.