حين تابعت صحيفة الشرق الأوسط خبر القبض فى مصر على خلية تابعة لحزب الله فإن عنوان التقرير الذى نشرته بهذا الخصوص يوم الجمعة أبريل نقل عن شقيق المتهم الأول قوله كلنا يعرف أنه يؤيد…
حين تابعت صحيفة «الشرق الأوسط» خبر القبض فى مصر على خلية تابعة لحزب الله، فإن عنوان التقرير الذى نشرته بهذا الخصوص يوم الجمعة 10أبريل نقل عن شقيق المتهم الأول قوله: كلنا يعرف أنه يؤيد المقاومة.
جاء العنوان على ستة أعمدة فى قلب الصفحة الأولى، باعتباره اعترافا يثبت «التهمة» على الشاب اللبنانى سامى شهاب.. وللتذكرة فإن بيان النائب العام المصري ذكر أن صاحبنا هذا قاد خلية كانت لديها تعليمات بالقيام بأعمال عدائية تستهدف زعزعة الاستقرار فى البلاد، ووصف مصدر أمنى الخلية المذكورة بأنها «إرهابية».
أثار انتباهي العنوان المنشور من ناحيتين، الأولى أنني لم أجد خبرا في أن يكون عضو حزب الله «مؤيدا» للمقاومة، لأن الأصل في أي عضو بالحزب أن يكون عنصرا فى المقاومة ومشروع شهيد، أما أن يكون مجرد مؤيد للمقاومة، فذلك يضعف منزلته ويقلل من شأنه، أما الثانية فإن إبراز تعاطفه مع المقاومة ضمن عناوين الصفحة الأولى بدا وكأنه دليل قدمه الشقيق يؤكد تورط الشاب سامى شهاب فى «الخلية الإرهابية»، بكلام آخر فإن تسليط الضوء على ذلك التعاطف أريد به الإيحاء بأن ثمة قرينة تؤيد اتهامات النائب العام المصري، وتؤكد تأصل الميول «الإرهابية» لديه، لأنه لو كان مواطنا صالحا وبريئا حقا لما تعاطف مع المقاومة وأيدها.
إذا صح هذا التحليل الذي يوحى به ظاهر الكلام، فهو يعنى أننا بصدد الدخول فى مرحلة جديدة فى التعامل الإعلامي مع المقاومة، ذلك أننا خلال السنوات الأخيرة سمعنا أصواتا عدة رافضة ومعادية لها، وكان السيد أبومازن (رئيس السلطة الفلسطينية) واحدا من هؤلاء، (وصف ذات مرة إحدى عمليات المقاومة بأنها «حقيرة»)، وقد انتشر ذلك «الوباء» فى بعض الدوائر السياسية والإعلامية، التى يصفها الأمريكيون والإسرائيليون بـ«الاعتدال».
وهى التى لم تتوقف عن التنديد بالمقاومة وكيل التهم لعناصرها، حتى قرأنا فى الصحف الرسمية أخبارا تحدثت عن إلقاء القبض على شبان أرادوا أن ينضموا إلى المقاومة، وعلى آخرين حاولوا مساعدتها بصورة أو أخرى، ومن الناحية القانونية فهؤلاء وهؤلاء أقدموا على «أفعال» مادية، فى حين أن التأييد فى السياق الذى نحن بصدده مسألة شعورية وقلبية.
وحين يصبح تهمة فإن ذلك يعد رجوعا إلى الوراء لا يكاد يصدق، بمقتضاه أصبحت المقاومة جريمة وصار التعاطف معها شبهة. وهو ما عهدناه ولم نستغربه فى حال صدوره عن الأبواق الإسرائيلية التى ما برحت تسمى المقاومة إرهابا وتدين تأييدها بكل الصور، لكنه حين يصدر عن منبر إعلامى عربى فإنه يصبح موقفا صادما ومفجعا.
أكرر أن ذلك الموقف لا تنفرد به الشرق الأوسط، لكنه يعبر عن «حالة» طرأت على المشهد العربي فى المرحلة، التى أعقبت توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1972، التى كانت بداية التراجع العربي عن تأييد قضية فلسطين والالتحاق بمركبة السياسة الأمريكية فى المنطقة، وهى التى انتهت بتسليم ملف القضية إلى الإدارة الأمريكية، ومن ثم انهيار منظومة القيم السياسية النبيلة، التي عاشت في ظلها المنطقة حينا من الدهر.
حين كان الخطاب السياسي العربي يعلى من شأن استقلال القرار السياسي والدفاع عن التحرر الوطنى وعدم الانحياز والتنمية المستقلة ومركزية القضية الفلسطينية ومقاومة الاستعمار ورفض القواعد الأجنبية.. إلخ.
لقد كان الصعود شاقا ومكلفا، فيما خص الكرامة الوطنية والالتزام القومي على الأقل، لكن قانون الهبوط بدا أعلى كلفة وأشد قسوة، وبمقتضاه أصبحت مقاومة الاحتلال عند بعض العرب تطرفا وإرهابا، حتى تعين علينا أن نعبر عن الدهشة حين نقرأ خبرا عن أن شخصا ما يؤيد المقاومة، وقد لا نعدم صوتا «معتدلا» يستنكر ذلك الموقف ويقول بكل جرأة: لا يزال بيننا من يؤيد المقاومة. يا للهول!