ليست سيرة ذاتية لأن سيرته أعظم من أن تحتويها بضعة أسطر ليس تاريخ حياة لأن حياته أكبر من أن تختصرها بعض الكلمات ليس إحياء ذكرى لأن ذكراه حية بحياة كل مجاهد وخطى كل فدائي وأنفاس كل…
ليست سيرة ذاتية لأن سيرته أعظم من أن تحتويها بضعة أسطر
ليس تاريخ حياة لأن حياته أكبر من أن تختصرها بعض الكلمات
ليس إحياء ذكرى لأن ذكراه حية بحياة كل مجاهد وخطى كل فدائي وأنفاس كل مقاتل وآثار كل شهيد..
ولكنها إضاءات بسيطةعلى حياة الشيخ المعجزة..
الشيخ القعيد الذي أقام العالم..
الشيخ العليل الذي أضاء الطريق..
الشيخ الذي أحيا الأمة وأعاد لها معانٍ كادت أن تنطمس من تاريخها المعاصر: إنها معاني الجهاد والصمود والاستشهاد..
إنه الشيخ المجاهد أحمد ياسين في ذكرى استشهاده الخامسة
نبذة عن حياته:
أحمد إسماعيل ياسين من مواليد 1938م بقرية الجورة قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة ، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس..شهد أحداث النكبة عام 1948 حيث أجبرت أسرته على الترحيل والهجرة إلى غزة ، وترك دراسته ليعمل في أحد مطاعم الفول ليعيل أسرته الفقيرة بعد وفاة والده وهو في الخامسة من عمره ، عاود الدراسة مجدداً لكنه أصيب وهو في السادسة عشر بكسر في عموده الفقري جعله أسير الشلل الرباعي بقية حياته ، أتم دراسته الثانوية عام 1958 وعمل بالتدريس ليخصص كل دخله من بعد لمساعدة أسرته .
ظهرت موهبته الدعوية والخطابية ، وبرز كناشط سياسي له مواقفه المميزة إزاء سياسة الاحتلال، واستطاع من خلال موهبته الدعوية وفكره المنظم أن يؤسس جيلاً ربانياً يتبنى قضية تحرير فلسطين من البحر إلى النهر..وقد أسس مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي عام
رحلة الصمود والألم:
"الألم" لم تكن هذه مجرد مفردة بسيطة عابرة في حياة الشيخ ، بل كان الألم قريناً ورفيق درب في حياته..منذ أن أصيب بالشلل الرباعي والذي أوقع جسده أسير المرض والشلل والكرسي المتحرك ، كما كان يعاني من فقد البصر في عينه اليمنى نتيجة ضربه من أحد جنود المخابرات الإسرائيليين في جولة تحقيقات له أثناء سجنه ، وفي الوقت ذاته فقد كان يعاني من ضعف البصر في عينه اليسرى ، كما كان يعاني من التهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى ، فماذا بقي ؟؟
لقد بقي الكثير.. بقي هذا العقل الواعي الذي يقدر على أن يعي ويفهم ويختزن ما تعجز عنه ذاكرة أعظم حاسوب في العالم..بقي هذا القلب النابض بالإيمان..والذي لم يفارقه الرضا بقضاء الله وقدره ولم يغشاه حب الدنيا وكراهية الآخرة..بقيت هذه الروح المتوثبة التي دفعته للمضي قدماً في حقل الدعوة وطريق المقاومة وبناء جيل تعتز به الأمة..
طريق الدعوة ومعركة بناء الجيل:
لم تكن معركته مع المحتل معركة سلاح ، بل إن معركة الشيخ ياسين كانت معركة من نوع آخر..كانت مواجهة للأسطورة الزائفة التي زرعها الصهاينة في عقول ووجدان أبناء فلسطين بل عقول ووجدان كل أبناء العرب..كانت لا تزال الصورة الملطخة بدماء ضحايا دير ياسين عالقة في الأذهان ، وكانت لا تزال أصداء دوي قذائف حرب الأيام الست راسخة في الوجدان ، كانت صورة اليهودي تلقي الرعب في قلوب الأطفال والشيوخ والأرامل.
وفي غمرة هذا الخوف الممسك بتلابيب العقول واليأس الجاثم فوق الصدور ، تدوي هتافات الشيخ من فوق كرسيه المتحرك بمسجد العباس "لا والله؛ والله لنقاتلنهم في اللحظة التي نمتلك فيها مسدسًا واحدًا.. نحن واليهود في صراعٍ على هذا الجيل، فإما أن يأخذه اليهود منا، أو ننقذه من أيدي اليهود" ويتعجب السامعون أيمكن تحقيق النصر على عدو لا يقهر ولم يقهر..!!
وبدأ الصراع على الجيل في ظل سياسة هادئة يعمل فيها المحتل على بذر بذور الخوف وغرس غراس الإباحية والانحلال في ربوع المجتمع الفلسطيني..من خلال منع بناء المساجد وفتح الخمارات ونشر صور العري بين أيدي الأطفال والصبايا وفتح باب العمل للناشئة خدمًا في سوق اليهود وشواطئ البلاد المدنسة بنوادي العراة..
بدأ الصراع على الجيل بين الشيخ ياسين والقلة المؤمنة معه وبين السم الزعاف الذي يبثه العدو في القلوب والعقول والضمائر ، وكان الشيخ لها ، يزرع في بيوت الله وردًا وعنبرًا، ومسكًا وغالية، ينثر البذور ويتبعه بالتربية، يحمله على دراجته أحد طلابه إلى البيوت والأزقة، يزور هذا، ويربت على كتف هذا، ويهمس في جباليا وينادي في رفح والشاطئ، ويركب إلى أم النور وبئر السبع، ويقيم المؤسسة، ويعلم الطلاب الصلاة ، يعلمهم كيف يكون الليل مدرسة للمجاهدين قياماً وصلاة ، وكيف يكون النهار للصائمين مدرسة أخرى ، وكيف هي التسابيح زاد لثبيت اليقين ، يفتتح مدرسة للتلاوة في المسجد، يعلم أولاد فلسطين كيف يرتلون سورة الأنفال ترتيلاً، ويعدهم بأن السورة ستصير صورة، وأنَّ الصورة ستكبر وتكبر، وأنها ستمتد في أنحاء الأرض.
ليتربى على يديه جيلٌٌ من المجاهدين زادهم التقوى وكساؤهم اليقين وظلالهم رحمة الله ، يقيمون ليلاً لا تهدأ نيرانه ، ويصومون نهاراً لا ينفك حصاره ، ويقاتلون بروح لا تهتز في أعتى المواجهات ، ويحطمون بصمودهم وثباتهم أساطير العدو الواهية عن قوة خرافية لا تقهر..
محنة الاعتقال:
واشتعلت الروح الوثابة واشتعلت معها شرارات الانتفاضة الأولى ، وبدأت تعاليم الشيخ ودروسه تؤتي ثمارها..فها هم الأطفال الصغار يعتلون أسطح المنازل ويصوبون أسلحتهم الفتاكة..(المقلاع والحجر) في مواجهة آليات ودبابات العدو..وها هم أبناء الشيخ يجسدون نموذج الصمود والمقاومة في مواجهة الجوع والحصار بشعار " نحن جميعاً شركاء في كسرة الخبز" فيطوف الشباب على البيوت يسألون الناس حاجتهم ، فإن احتاجوا أمدوهم بما معهم من زاد بسيط..وإن كانوا في غنى سألوهم أن يعطوهم ما يمكنهم معاونة أسر أشد فقراً..هكذا وبمعادلة بسيطة استطاع الشباب تحقيق معانى التكافل والعدالة الاجتماعية..
واستمر الصمود في مواجهة الأسلحة الفتاكة فما كان من المحتل إلا أن يسكت هذا الصوت المدوي من جسد الشيخ العليل..فيقرر اعتقاله ، وأُلقٍي به في زنزانة رطبة سيئة التهوية تجمعت فيها كل العوامل التي تؤدي للسأم والاكتئاب ، ولكن الزنزانة كانت في حضرة الشيخ تتسع وتتسع ؛ بسعة صدره وعمق إيمانه وأصداء تبتله وتهجده ليلاً وتلاوته لآيات القرآن الكريم ، لقد استحالت الزنزانة الضيقة الرطبة إلى مسجدٍ برغم أنف المحتل..واتجهت أنظار العالم وأبناء الشعوب المستضعفة إليها لتجعل من الشيخ رمز الكفاح والبطولة والصمود في مواجهة القوى المستبدة..
منعوا عنه الطعام ومنعوا الشراب..ولكن الشيخ بجسده العليل يتمكن من تقليل حاجاته إلى الحد الأدنى ..منعوا الدواء لكن الشيخ بروحه المتوثبة أقوى من آلام المرض..إنه يعلو ويعلو وتعظم مكانته وهو في قيد زنزانته ..فبات أخطر هنا مما كان عليه هناك..
وتنهال عليه العروض بالخروج والاستبعاد إلى أي دولة أخرى حيث الحياة الآمنة والمنزل الفاخر والعيش الرغد..لكنه يأبى ويأبى ويأبى ويعلن في إصرار " سأموت هنا.. لن أخرج من فلسطين.. السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.. الحياة هنا في فلسطين"
الخروج إلى غزة:
وتنتفض غزة وتنتفض روح المقاومة في غزة ومن غزة حيث كبر أبناء الشيخ وأصبحوا رجالاً وقادة..يبتكرون وسائل جديدة للمقاومة تتناسب مع تحديات المرحلة الجديدة..وتشتعل روح الجهاد والاستشهاد في نفوسهم فيتدافعون إلى تنفيذ العمليات الاستشهادية التي هزت قلب الكيان الصهيوني..ليقرر قادة الكيان الصهيوني الخروج من غزة وفك الارتباط..ويعود الشيخ الجليل إلى غزة لتستقبله استقبال الفاتحين..كيف لا؟! وقد رسم لها ولأبنائها طريق النصر والفتح القريب وبشر الصابرين..
الزهد والتعفف:
ولم تتوقف مسيرة العطاء عند هذا الحد برغم قسوة المرض وزحف الشيخوخة..فالشيخ هنا في كل مسجد..والشيخ هنا في كل محفل أو سرادق عزاء..والشيخ هنا في كل عمل خيري أو تطوعي يساعد الفقراء..والشيخ هناك يستنهض مشاعر أبناء الأمة العربية والإسلامية لمساعدة أهل فلسطين ، وتتناثر أموال المتبرعين من تحت يده..ولكنه لم يفكر يوماً أن يخص نفسه أو أهل بيته من كل هذا ؛ فلا يغادر بيته القديم المتهالك..ولا يفكر في ترميم جدرانه أو إصلاح نوافذه ..ولا يقدر حتى على دفع مصروفات أبنائه في الجامعة فيكتفي باستكمالهم المرحلة الثانوية ليجعل من أولاده مجاهدين في حقل الدعوة وبناته زوجات للشهداء وأمهات للاستشهاديين..
موعد مع الشهادة:
تضاعف الألم وتدهورت صحة الشيخ ونقل إلى المستشفى حيث ترددت الأنباء بأن حالته حرجة ، ولكنها الأمنية القديمة الأزلية بأن يمن الله عليه بالشهادة في سبيله ،ولم يملك الجسد الواهن في هذه اللحظات الحرجة إلا الدعاء إلى الله عز وجل والاسرار بأمنيته ، وفجأة تعافى الشيخ وردت إليه صحته وخرج من المستشفى.. خرج إلى أحب مكان إليه على بقاع الأرض (المسجد) حيث لم يمنعه المرض أو يقعده الحذر عن صلاة الجماعة وإلقاء درسه اليومي في المسجد..
المسجد: قبلته الأولى..دار علمه.. جامعته الأم.. ومنبر دعوته..المسجد الذي شهد مراحل دعوته..المسجد الذي عرفه طفلاً يتلجلج بأحرف القرآن وشاباً متطلعاً وثاباً..وداعياً مجاهداً..وخطيباً مفوهاًُ..وشيخاً معلماً..
حتى وبعد أن مُنِع في سجنه عن المسجد ، لم يشأ إلا وقد جعل من أرض زنزانته مسجداً وطهوراً..المسجد الذي لم يفارقه منذ أن علم ووعي..ها هو ذا يخطو خطواته الأخيرة خارجاً منه بعد أن نزع إبرة المحقن الذي يغذي جسده النحيل من يده ليقضي صلاته الأخيرة ولقاءه الأخير لأحب مكان في الأرض إلى قلبه ..ويدفع ابناه عبد الحميد وعبد الغني كرسي الوالد الحبيب في الطريق إلى العودة..ولكن يعلو في السماء أزيز الطائرة ..فيهتف عبد الغني " أبي هذه الطائرة تتبعك" فيرد الشيخ بثقة " وأنا انتظرها" وبعد لحظات حيث كانت خيوط الفجر تجاهد جحافل الظلام في السماء لتنتصر عليها وتعلن ميلاد يوم جديد ، تتهال صواريخ الخسة والنذالة على جسد الشيخ النحيل ليلقي ربه ويعلو وتعلو روحه الطاهرة إلى بارئها..
ولكننا نسأل هل مات الشيخ حقاً؟؟
ها هي الأيام تؤكد جواب السؤال بالنفي..
فالشيخ حيٌ بحياة هذا النموذج الذي جسده بالصمود والتقوى والإيمان..
الشيخ حيٌ بحياة كل شاب تربى على يده وكل مجاهد يسير على خطاه..
الشيخ حيٌ بكل معركة يثبت فيها جنود القسام ويذيقون فيها العدو مرارة الهزيمة..
الشيخ حيٌ بكل صاروخ تصنعه أيدي أبنائه فيلقي في قلوب الأعداء الرعب والوجل..الشيخ حيٌ وها هو يتردد اسمه من جديد بعد أن أطلقه أبناؤه على صاروخ جديد قاموا بصنعه وابتكاره..ها هو ياسين 1 ، وياسين 2 ينطلق على المغتصبات الصهيونية ليتذكر العدو وأذنابه هذا الاسم جيداً ويدركوا أنه حيٌ بعد خمس سنوات من استشهاده..
سلام الله عليك يا شيخنا الجليل طبت حياً وميتاً.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع