استطاعت المقاومة الفلسطينية التأكيد ومن خلال عدة تجارب تفاوضية مع الكيان الصهيوني بطريقة غير مباشرة عبر الوسيط المصري أنها صعبة المراس وثابتة على المبدأ وان الحقوق لديها ثوابت…
استطاعت المقاومة الفلسطينية التأكيد , ومن خلال عدة تجارب تفاوضية مع الكيان الصهيوني بطريقة غير مباشرة , عبر الوسيط المصري أنها صعبة المراس وثابتة على المبدأ , وان الحقوق لديها ثوابت لا يمكن التفريط فيها , مرونتها لا تضيع الهدف فلا تساهل ولا أنصاف حلول , هكذا هي مفاوضات المقاومة , ليست بحاجة للجلوس مع العدو في الغرف المكيفة في فنادق خمسة نجوم , تتعالى فيها الضحكات وتدق الكؤوس حسب برتوكول حفلات التفاوض , يعقبها مائدة غداء ورحلة تحت أشعة الشمس في الصباح , وتنسج العلاقات الشخصية بين المفاوضين , يكسر حاجز العداء ويصبح تعايش الضحية مع القاتل من ضروريات الحياة , حتى لو استمر القاتل بوضع السيف على عنق الضحية , فلا ضير عند خبراء التفاوض في عصر الهزيمة.
ليس مطلوبا من قوي التحرر والمقاومة الرفض المطلق , للجلوس مع العدو في جلسات تفاوضية , من أجل تحقيق المطالب الوطنية وإحقاق الحقوق , دون التنازل عن المبادئ والثوابت , لقد فاوض الفيتناميون القوات الأمريكية دون أن يتنازل المقاتل الفيتنامي , عن حقه في المقاومة حيث كانت تدور المفاوضات , وفى نفس الوقت كان المقاتلون الفيتناميون يهاجمون القوات الأمريكية المحتلة بلا هوادة وهذا الذي عزز موقف قيادة الثوار في تحقيق مطالبها وفرضها على الإدارة الأمريكية.
لقد صاغ البعض في منظمة التحرير نمطا جديدا من المفاوضات مع الكيان الصهيوني , لم تعرف الشعوب المحتلة وقوي المقاومة مثيلا لها من قبل ومن بعد , هذا النمط كان قائما على المفاوضات السرية من خلف ظهر الشعب الفلسطيني وفصائله المختلفة , ولقد أنتجت هذه المفاوضات السرية اتفاقية أوسلو , التي جاء فيها أداء المفاوض الفلسطيني مخيبا للآمال من خلال تقديم تنازلات , وصلت إلى حد التفريط في ثوابت القضية , وحق الشعب بالمقاومة , يقول أحد الصهاينة الذي شاركوا في مفاوضات أوسلو " لقد انتظرنا الفريق المفاوض الفلسطيني ونحن نتلهف لمعرفة طبيعة الوفد , وما سوف يطرحه وكنا نتوقع جولات مفاوضات صعبة , حيث كان الاعتقاد بأن المفاوضين من الثوار لا تروق لهم الحلول الجزئية , ولكن المفاجأة عندما كان الوفد يفتقر لروح المقاومة في المفاوضات بل يفتقد المعلومات عن الشيء الذي يفاوض عليه.. وكانت اتفاقية أوسلو " .
كان من النتائج الخطيرة للعملية التفاوضية مع الجانب الصهيوني , الاعتراف بالكيان الصهيوني وحقه في الوجود , عبر وثائق متبادلة بين الكيان والمنظمة , مقابل نقل الصلاحيات الإدارية لقطاع غزة وأريحا للمنظمة , ولقد تم إبراز هذا الحدث على انه انجاز تاريخي وبداية لعصر السلام في منطقة الشرق الأوسط , وانطلقت في المنطقة حملة شعواء من التطبيع مع الكيان الصهيوني , وتسابقت بعض الأنظمة العربية إلى افتتاح السفارات والمكاتب التجارية لهذا الاحتلال الصهيوني , ولسان حالهم يقول ها هو الفلسطيني صاحب القضية يجلس يفاوض بل يوقع اتفاقيات , يؤسس من خلالها لسلطة بمساعدة الكيان الصهيوني , بل تعدى ذلك الأمر إلى حماية أمن الكيان الصهيوني , وتجريم المقاومة وملاحقة الحركات التي تؤمن بها وخاصة الفصائل الإسلامية , ولازال مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد في ربيع 1996 لمحاربة المقاومة , من ثمرات العملية التفاوضية بين المنظمة والكيان.
المفاوضات بالشكل الذي أدارتها قيادة منظمة التحرير , كبدت مقاومة الشعب الفلسطيني الخسائر فلقد تطلب ثمنا لتلك المفاوضات محاربة المقاومة , وسحب سلاحها كاستحقاق للعملية التفاوضية وكأننا تناسينا أننا في مشروع تحرري , المقاومة المسلحة فيه ركيزة أساسية لمواجهة المحتل , كما استتبع ذلك إلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعلق بالمقاومة , وتحرير فلسطين كاملة من بحرها إلى نهرها , في حفل دعي إليه الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون , بتاريخ 14/12/1998 وصفق الحاضرون بحرارة , لإلغاء البنود التي جبلت بالدماء الطاهرة , ولكن هيهات أن تلغي من قلوب وذاكرة الأجيال المؤمنة بتحرير فلسطين كل فلسطين.
واستمر العبث بالقضية الفلسطينية من خلال العملية التفاوضية , وكأن ثورة الشعب التي تجاوز عمرها الستين عاما كانت بحاجة إلى انجاز سلطة وهمية , تحت جبروت المحتل ومقيدة بسلاسله , ولا تقوى على الحراك إلا بإذن جنرالاته.
الغريب في الأمر أن يتبجح أقطاب التسوية وكبار المفاوضين , بعد هذا الحصاد المر للعملية التفاوضية بالقول بالخيار الاستراتيجي , للمفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني في إسقاط متعمد ومقصود , لكل الخيارات الأخرى وعلى رأسها المقاومة المسلحة التي هي قانون الشعوب في التعامل مع الاحتلال , وكان الأجدر بعد هذه الفترة من التجربة المريرة من التنازلات اللامتناهية , التي يقف فيها تيار التسوية أمام عجز واضح لتلبية الحد الأدنى لسقف المطالب الوطنية , أن يعلن فشل هذا الخيار الذي أورث الشعب الفلسطيني الفرقة والانقسام بفعل تطبيق نتاج العملية التفاوضية , من اتفاقيات أمنية لصالح الكيان الصهيوني كان المشترك فيها محاربة المقاومة , وقتل عوامل الصمود والمواجهة ضد المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.
تجربة المفاوضات غير المباشرة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية, في ملفي التهدئة وصفقة التبادل تشكل صدمة للكيان الصهيوني , فلم يعهد المحتل مفاوضين بهذا الإصرار على المطالب الوطنية , والتي تقوم على حفظ المقاومة كإستراتيجية للتعامل مع العدو الصهيوني فلا تهدئة بالمجان ولا تهدئة إلا بتنفيذ شروط فصائل المقاومة , حاول الكيان الصهيوني ومن خلال الضغط العسكري بالحرب الهمجية على غزة , فرض شروط تهدئة طويلة الأمد دون حتى أن يلتزم بتحقيق بعض المطالب التي ترفعها المقاومة , وفى اعتقاده أن عامل الأزمة الإنسانية , التي سببها الاحتلال بالحصار وتدمير البيوت , في الحرب الأخيرة سوف تشكل عامل ضغط على المقاومة , للقبول باتفاق التهدئة بشروطه , ولم يأت ذلك الأمر عبثا بل يسنده التفاف جماهيري واسع حول المقاومة وقيادتها وهذا الذي تم ترجمته في الصمود الأسطوري والاحتضان الجماهيري للمقاومة فلم يستطع المحتل الصهيوني كسر المقاومة من خلال تلك الخانة المهمة.
كما تألقت المقاومة في مفاوضات صفقة التبادل , واستطاعت من خلال جولات متعددة أن تحقق مكاسب وتحافظ عليها , دون التنازل عن المطالب بالإفراج عن الأسرى وأمام الترهيب والتهديد والحرب والعدوان , ازدادت المقاومة تماسكا وصلابة في مفاوضاتها غير المباشرة , لقد كان العدو يعلم أن التزامه في هذه الصفقة لها استحقاقها الفوري , ولم يستطع التملص والتهرب من التنفيذ , عندها رفض الاحتلال تلبية مطالب المقاومة , وعجز في نفس الوقت عن إخراج شاليط من الأسر , والوقت ليس بصالح المحتل وسوف يأتي الوقت الذي يرضخ فيه المحتل لشروط المقاومة .
أمام المشهدين يقع علينا واجب التصحيح للمسار السياسي الوطني وإخضاعه لبرنامج مقاومة واضحة المعالم وان تنتهي جولات التفاوض التي تفتقد لكل مقومات النجاح وتختفي مصطلحات الالتزام باتفاقيات التي يحاول البعض فرضها داخليا بالرغم أنها لم تلق قبولا شعبيا ولا فصائليا وقت توقيعها سرا في أوسلو, وفي ظل عدو مخادع ومجتمع دولي ظالم , علينا أن نكون موحدين في مواجهة العدو ومتمسكين بمقاومتنا , غير مقيدين باتفاقيات قد غدر بها العدو منذ زمن.