تشكل القضية الفلسطينية بعدا عقائديا وزادا روحيا هائلا للشعب الفلسطيني وهذا البعد كاف بذاته لتسعير جذوة المقاومة والتحريض على التمسك بفلسطين إلى ما بعد فصل الرؤوس بالمناشير وحفر…
تشكل القضية الفلسطينية بعداً عقائدياً، وزاداً روحياً هائلاً للشعب الفلسطيني. وهذا البعد، كاف، بذاته؛ لتسعير جذوة المقاومة، والتحريض على التمسك بفلسطين إلى ما بعد فصل الرؤوس بالمناشير، وحفر الأخاديد. وبصرف النظر، عن هذا البعد العقائدي، فإننا سنحاكم في هذا المقال التنظيري: القضية الفلسطينية - المبادرة العربية للسلام، وضعياً وسياسياً وبراغماتياً، من خلال محدد: العمل السياسي العربي الرسمي البحت، على ضوء سياسات الأنظمة العربية الرسمية، بصفة عامة. ومنهج تعاملها لمشاكل الحدود فيما بينها، بصفة خاصة؛ بوصفها القاسم المشترك بين هذه الدول والقضية الفلسطينية، وعلى اعتبار أن مشكلتنا مع (إسرائيل): هي مشكلة حدود، كأي مشكلة حدود بين قطرين عربيين.
وللتذكير المكثف، فإن جوهر المبادرة العربية للسلام: "الأرض مقابل السلام"، وبالنسبة للعرب، فإن الجزء المليء من الكأس هو: 22% من أرض فلسطين، لا ما سيفرطون به 78%، والاعتراف بـ(إسرائيل)، أو على أحسن ظن: إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب عناصر أخرى، ليس هذا مجال نقاشها: كالتطبيع، وإنهاء الصراع، إلخ.
ولنبدأ من الشقيقة الكبرى مصر. إن المبرر الرئيس، والذي يفاخر به النظام المصري لتعامله مع القضية الفسلطينية وقطاع غزة تحديدا، بهذه الطريقة "غير الودية": هو أولويات وضرورات الأمن القومي المصري و الحفاظ على سيادة سيناء! وقعت مصر سلاماً مع (إسرائيل)، فقط، بعد أن ضمنت عودة سيناء كاملة، ولو ضمن قيود لسيادتها عليها! وفضلاً عن المشكلة الحدوية بين مصر والسودان على حلايب، فإن مصر ترفض تقريراً أمريكياً أو أوروبياً عن أوضاع حقوق الإنسان؛ فتسخّر كل الأقلام والأزلام في الدفاع عن السيادة، والكرامة، ... ونحن أبناء، الشعب الفلسطيني، نؤيد مصر في الدفاع عن سيادتها وكرامتها وأمنها. وهي ترى أن تصرفها هذا: رفض للابتزاز، حفاظ على الكرامة، رفض للتدخل في شؤونها الداخلية، ثبات في وجه الغرب،.. ونحن نشاطرها التوصيف أيضاً. ولكن بماذا توصف مصر دفاعنا عن أرضنا؟ مصر توصف تمسكنا بحقوقنا وثباتنا: تطرفاً وتشدداً، لا نفهم موازين القوى، نرتبط بأجندات خارجية، ووكلاء محاور إقليمية، لا نفقه بالسياسة، عقائديون. والعجب، كل العجب، لو علمتم أن سبب رفض مصر للبعد الديني للقضية الفلسطينية: هو لأسباب مصرية صرفة! فمصر ترى أن إثارة البعد الديني يقود للاستنتاجات التالية: الآن الإسلام، وقبله المسيحية وقبلهما اليهودية، ما يعني بالتفكير المصري: كما أنكم تنادون بإسلامية فلسطين، فإن هذا مبرر للمسيحيين للإدعاء بالأسبقية؛ فالأحقية، ويمكن لليهود أن يستخدموا ذات الإدعاء أيضاً. وخوف مصر،هنا، ليس على فلسطين، بل على نفسها. فقد تدعي (إسرائيل) الحق التاريخي في أرض مصر؛ بحكم وجودها المسبق على المسيحية والإسلام! إذن، مصر ترفض هذا البعد من أجل سيادتها ومصالحها، أما نحن فلا يحق لنا أن نعمل بهذا البعد! لذلك، ترفض مصر الانتساب إلا للفراعنة كحقبة أسبق من الأديان كلها. ومع ذلك، فإننا لا ننكر على مصر أي طريقة تراها مناسبة في إدارة شؤونها، ما لم يتعارض مع حق الآخرين في إدارة شؤونهم، أيضاً.
إلى المملكة العربية السعودية، ذات المساحات الشاسعة، هل تقبل منا، مثلا، أن نقف إلى جانب اليمن أو الإمارات أو الكويت أو عمان في خلافاتهم الحدودية معها. ومن أجل مصالحها وسيادتها، رفضت المشروع الإماراتي القطري في بناء جسر بين البلدين! هل تقبل السعودية أن تسوي أي خلاف حدودية مع أي من دول الجوار على حساب "كلم" واحد من صحراء الربع الخالي؟! هل تقبل السعودية أن نسألها: بأي حق وافقت على التفريط بـ 78% من أرض فلسطين، وما هي الفتاوى التي تبيح لكم ذلك؟ بإمكانها، السعودية، أن تغض الطرف عن جزرها التي احتلتها (إسرائيل) في البحر الأحمر. ولكن، ليس من حقها أن تتنازل عن أراضي الفلسطينين. لقد وصفت السعودية التصريحات الإيرانية ضد البحرين "تعدياً"، فماذا تصف التنازل عن فلسطين؟ نحن أبناء، الشعب الفلسطيني، نرفض أي مشروع لتقسيم السعودية، أو النيل من سيادتها وأراضيها، وما أكثر المؤامرات الأمريكية على المملكة! والسعودية تشارك مصر مواقفها وتوصيفها للمقاومة الفلسطينية: مغامرة، مرتبطة بأجندات خارجية،...
أما العراق والكويت، ولعشرين عاماً خلون، تقريباً، فلم يهدأ الشرق الأوسط ولم تنطفئ فيه نار حرب، بسبب المنطقة المحايدة بين البلدين. وبصرف النظرعن صوابية موقف المنظمة من الحالة الكويتية عام 1990، فقد دفع شعبنا وقضيتنا ثمناً باهظاً لذلك؛ عندما اختارت المنظمة الوقوف إلى جانب طرف "العراق"، مع أنها لم تقف ضد الطرف الأخر: "الكويت".
والأردن، لم يوقع اتفاقية وادي عربة إلا بعد أن عادت إليه أراضيه، وكانت أبرز مبررات السلام مع (إسرائيل)، والتي سوقها "الأردن" هو حفظ سيادة الأردن وأراضيه. فعادى الأردن حماس، وأعاد العلاقات معها لذات السبب: حفظ الأراضي الأردنية من الوطن البديل! وهذا، بالمقاييس الأردنية حكمة ودهاء. فلماذا يكون عند الشعب الفلسطيني تضييع فرص وخطأ في الحسابات؟ فاسمحوا لنا أن نتعامل مع قضيتنا بذات الحساسية الرائعة التي متعكم الله بها!
وبين المغرب والجزائر( الصحراء الغربية)، ولو أخطأ "بُنصرك" وأضاف حرف الميم في كلمة الغربية؛ فإن قطيعة مع الجزائر فورا، أو كان لك موقف في الاتجاه الآخر؛ فردة الفعل أشد.
سوريا، ونحن نؤيدها بالمطلق، لا تزال ترفض أي اتفاق سلام مع (إسرائيل) دون عودة كاملة للجولان. إن عقيدتنا الوطنية، وشعبنا، ومبرر نضالنا، لا يقل عن الحالة السورية. ولذلك ندعو سوريا أن تتمايز في مواقفها الدبلوماسية العلنية عن مواقف باقي الدول العربية؛ وأن ترفض القبول بالمبادرة العربية من الأساس.
إيران والإمارات، على إيران أن تنهي احتلالها للجزر الإماراتية المحتلة، وأن تقبل أي طريقة حضارية، كما تقترح الإمارات في حل هذا الخلاف. ونحن نؤيد الإمارات في كل مساعيها. ولكن، هل تقبل الإمارات من الشعب الفلسطيني أن يكون له موقف غير هذا الموقف؟ وكيف تقبل علينا أن نفرط بـ 78% من أرض فلسطين؟! التصريحات الإيرانية المستنكرة ضد البحرين، أقامت الدنيا ولم تقعدها. وهذا رد فعل جيد! ولكن أين ردة الفعل هذه من (إسرائيل)؟ لقد قطعت المغرب علاقتها مع إيران بسبب هذه التصريحات، فما هو رد فعل المغرب على المحرقة في غزة، بل على هدم البيوت في القدس؟ وعلى الإجمال، في نظرة على واقع مشكلة الحدود بين الدول العربية، تجد أن هذه الخلافات الحدودية، تشكل تحدياً وعائقاً بين تطوير العلاقات العربية- العربية، بل هي مشاريع أزمات قد تنفجر في أي لحظة، وقد تستدرج مواجهات عسكرية بينها. وتعلمون كيف تتعامل الدول العربية فيما بينها على مشكلات حدودية، وبمنطق سياسي خالص، أقل ما يمكن وصفه بأنه غير متسامح، ومتشدد.
ومع استحضار كل الاختلافات بين المشكلات الحدوية العربية – العربية، والصراع العربي الإسرائيلي، وبمنطق السياسة والبراغماتية، وبالموازين الوضعية، وبذات المنهج العربي الرسمي، فإن سلوكنا كشعب فلسطيني، هو سلوك طبيعي، وحق وواجب. بل إن بعض المواقف العربية أكثر تطرفا وتشددا فيما بينها، ويمكنها المزايدة على الشعب الفلسطيني، بكل أريحية! وبمنطقهم القُطري والسياسي، على الدول العربية التي تقدم المبادرات، و تريد أن تحافظ على سلامة أراضيها وتنمي اقتصاداتها، ألا يكون منطلقها الحفاظ على استقلالها ونموها على حساب الشعب الفسلطيني وأرضه. وبمنطقهم القُطري والسياسي، أيضاً، من أراد من العرب أن يقدم حلاً للصراع مع (إسرائيل)، أو أن يصنع السلام في المنطقة فلا بأس! فنحن معه ونؤيده، ولكن ليس على حساب أرضنا وحقوقنا، كامل أرضنا وحقوقنا! نحن لا نريد أن نحيا من أجل أرضنا فقط، وإنما أن نميت من يحتلها أيضاً. ولن يعفيكم من مسؤوليتكم، أن فريقاً فلسطينياً وافق على المبادرة، ولو وافق عليها كل الشعب الفلسطيني! وعليكم أن تقولوا لنا: هل تعتبرون الشعب الفلسطيني أقل مروءة وكرامة وتضحية منكم؟ وإن أحببتم، فبإمكاننا، أن نعيد صياغة السؤال؟ وعلى سبيل الحسم، فبمقاييسكم وبأدواتكم وبمنطقكم، ألا يحق لنا أن تتسائل أي دولة عربية تقبل منا أن نطرح مبادرة كهذه! حتى لو بين بلدين عربيين! وألا يحق لنا القول: فلتذهب المبادرة العربية للسلام إلى الجحيم! وأن نقرر بأنكم لا تملكون أن تفرضوا علينا ما ترفضونه!