إن ما عاناه ويعانيه المسجد الأقصى ومدينة القدس من حفريات وهدم واستيلاء تستهدف الإطاحة بهما وما يمثلانه من قدسية دينية و تاريخية ليس الا سلسلة في حلقات استهدافه على مر التاريخ كانت…
إن ما عاناه ويعانيه المسجد الأقصى ومدينة القدس من حفريات وهدم واستيلاء تستهدف الإطاحة بهما وما يمثلانه من قدسية دينية و تاريخية، ليس الا سلسلة في حلقات استهدافه على مر التاريخ كانت تأخذ في بداياتها شكل البحوث و رحلات الاكتشاف العلمي مستغلة روح التسامح الديني و حقوق الطوائف الدينية و مدعومة على الأغلب بقوى الاستعمار العسكرية.
ففي كتابه (بحثا عن إله و وطن: صراع الغرب على فلسطين و آثارها 1799-1917) يُرجع الكاتب نيل سلبرمن بداية الاهتمام الأوروبي الاستعماري بفلسطين و آثارها منذ تعرضها لأول غزو غربي على يد نابليون الى سقوطها بيد قوات الغزو البريطانية. و قد سبق هذا الاهتمام الاستعماري و مهد له رحلات حج دينية، و استكشافية علمية منظمة ساهمت بما أنتجته من قصص و كتب و وثائق و خرائط باستعار الاهتمام بفلسطين و آثارها، و في ذلك يقول الكاتب الأمريكي مارك توين بعد زيارته للأرض المقدسة عام 1867: "ما عادت فلسطين من هذا العالم العملي، إنها مقدسة بنظر الشعر والتقاليد، إنها أرض أحلام"
وكان الحافز الديني وراء اتقاد حماسة المجامع الكنسية والعلمية على حد سواء و أنشأت بريطانيا في عهد الملكة فكتوريا مؤسسة خاصة باسم صندوق استكشاف فلسطين و اعتبرته مشروعا قوميا في استعادة أرض المسيح المخلص و أرض معركة هرمجدون التي سيقودها المسيح ليقضي على أعداء المسيحية و يحكم أتباعه، و كانت هذه السياسة و الرؤية الدينية المحركة للاكتشافات الاستعمارية توليفة من العهد القديم و هو التوراة و العهد الجديد في الانجيل و مبنية على الاعتقاد أن الرب أعطى أرض فلسطين لليهود، و قد وضح و ليم طمسن رئيس اساقفة يورك و رئيس صندوق الاستكشاف هذه الغاية في خطبته الافتتاحية قائلا: "إن هذا البلد، فلسطين، عائد لكم و لي، إنه لنا أساسا فقد مُنحت فلسطين الى أبي إسرائيل بالعبارات التالية: هيا امش في الأرض طولا و عرضا لانني سأعطيك إياها" و نحن عازمون على المشي عبر فلسطين بالطول و العرض لان تلك الأرض مُنحت لنا، إنها الأرض التي نأني أنباء خلاصنا منها،إنها الأرض التي نتوجه إليها بوصفها منبعا لجميع آمالنا، إنها الأرض التي نتطلع إليها بوطنية صادقة تضاهي حماسنا الوطني لدى النظر الى انجلترا القديمة العزيزة هذه."
وقد انضم الى هذا الجهد الديني جهود أخرى فأرسلت العسكرية البريطانية خيرة جنودها من المهندسين الملكيين الى فلسطين للقيام بالمسح الكامل بذريعة رسم طريق الحج، بينما كان الهدف غير المعلن إيجاد ما يمكن إيجاده من الآثار التي تربط فلسطين بالعهود اليهودية و الرومانية و تبعدها بالتالي عن واقعها العربي الاسلامي، و انضمت جامعتا أوكسفورد و كامبردج الى جهود البحث، و قدم المحفل الماسوني كما يقول سلبرمن مبالغ طائلة لدعم صندوق الاستكشاف ،فحملة صليبية جديدة كانت على وشك البدء و هدفها السيطرة على الآثار و المقدسات
وتوالت الرحلات التي كانت تأخذ الإذن من الدولة العثمانية بحجة تأمين طريق الحجاج الى الأرض المقدسة، و كان بعضها يأخذ تصريحا رسميا بالتنقيب و دراسة الآثار، و شهد القرن التاسع عشر ولادة ما يُعرف بعلم الآثار الكتابي على يد الامريكي ادوارد ربنسن الذي يعتمد في دراساته الأثرية لفلسطين على أوصاف الكتاب المقدس بعهديه القديم و الجديد.
وتنبهت بقية الدول الأوروبية الى الجهود البريطانية والأمريكية فسعت الى إيجاد موطئ قدم لها في أرض فلسطين و توثيق أحقيتها الدينية في البلاد، فأرسلت فرنسا بعثة دوسولسي و طالبت السلطان العثماني بالسماح بحماية كاثوليكية حصرية للمزارات المقدسة على حساب الكنيسة الاورثودكسية الخاضعة للرعاية الروسية.
و حاولت ألمانيا عن طريق الحلف العسكري بينها و بين الدولة العثمانية في عهد القيصر غليوم الثاني أن تدخل حلبة السباق على آثار فلسطين فسُمح لها بإرسال بعثاتها الاستكشافية و تشييد الكنائس و قال الامبراطور في زيارته للمدينة المقدسة: "من أورشليم أشرق نور على العالم الأ و هو النور المبارك الذي في بهائه اصبح شعبنا الألماني عظيما و مجيدا."
و بقي التنافس الأوروبي على أشده في فلسطين حتى وقعت تحت الاحتلال البريطاني الذي مهد لانشاء دولة إسرائيل، و قد قام الجنرال اللنبي بدراسة جميع منشورات صندوق استكشاف فلسطين مع العديد من المؤلفات التاريخية الكتابية حتى استطاع رسم صورة و خطة عسكرية محكمة لاحتلال القدس التي كانت نهاية الحملات الصليبية كما أعلن بنفسه و بداية تسليمها للدولة الصهيونية التي استلمت معاول الهدم و الحفر و التنقيب من أسلافها الانجليز و الامريكان و الفرنسيين و الألمان لتكمل مسيرتهم بإحياء ديانة الأرض الموعودة و الشعب المختار و تقويض أي آثار تشي بأدنى صلة للحضارات العربية و الاسلامية التي توالت على فلسطين
كان هذا جزءا من تاريخ معاول الهدم التي اختلفت في الجنسية و اتحدت في الرؤية مجتهدة في إلغاء الأحقية العربية الاسلامية في فلسطين، فأين معاول البناء العربية و الاسلامية في عصرنا الحالي، و هل ستبقى جهود البناء و الترميم في القدس و الأقصى جهودا فردية، مبتورة و موسمية؟ أم تحتاج زخما مدعوما بالفهم الديني و التاريخي لقدسية المكان و الأرض، و جهدا مستمرا في حشد الدعم المالي و السياسي و التثقيف و الاعلام بقضية القدس و الأقصى حتى لا يأتي زمان يسقط فيه الأقصى و تسقط فيه القدس بمعاول تخاذلنا قبل سقوطها بمعاول الأعداء.
ألا من صلاحيين جدد في مواجهة الصلييبين الجدد الذين يهدفون لتهويد المدينة المقدسة و هدم المسجد الأقصى اذ لا معنى كما قال مؤسس دولتهم بن غوريون لاسرائيل بدون القدس و لا معنى للقدس بدون الهيكل؟
و اذا كانت أحاديث آخر الزمان تنبئنا بهدم الكعبة المشرفة بتخاذل المسلمين واستضعافهم، فهل يمكن أن يحمل التاريخ مثل هذه النهاية للأقصى و القدس؟
ماذا لو سقط الأقصى؟؟؟
سؤال يجب طرحه، و مواجهة مع النفس يجب الوقوف عندها..!
أليس من يرضى بوجود الحُفر و الأنفاق يرضى بأن يقع فيها؟؟؟