بعد انقشاع ضباب الفسفور من سماء غزة تماوج الدم في أفقها أسرابا من حمام عائد إلى مواطن الإباء وقبضات تعطرت بغبار المواجهة وقسمات أطفال ألفوا أصوات القذائف حتى صارت أسماعهم الفتية…
بعد انقشاع ضباب الفسفور من سماء غزة تماوج الدم في أفقها أسراباً من حمام عائد إلى مواطن الإباء، وقبضات تعطرت بغبار المواجهة، وقسمات أطفال ألفوا أصوات القذائف حتى صارت أسماعهم الفتية التي عاشت أياماً بلياليها تنصت للأزيز من خلف الجدران تمايز بين هدير الإف 16 ووقع الأباتشي، وبين قصف معادٍ وآخر مقاوم.. وبين حمحمة القسام وطلقة الهاون، وصلية الرشاش ورشقات المدافع المضادة للدروع..
أن يعيش مليون ونصف مليون فلسطيني أكثر من عشرين يوماً تحت وابل قصف لا يتوقف وأن يذوقوا صنوفاً من العذاب تتجاوز طاقة البشر وأن يغدو الأجل أقرب لهم كلهم من حبل الوريد وهم يعايشون تفاصيل الملحمة في مساحة صغيرة محاصرة وبين حدود سجن مسيج إما بالدبابات أو بجدر القهر والغدر أو ببحر هجرته النوارس واستوطنته البوارج والمدمرات.. وأن تحتشد في ذاكرة الغزي العنيد الأشلاء والبنادق ومشاهد الردم وأجساداً من كل الأعمار توارى الثرى بأعداد تفوق حدود الاستيعاب ويتجمد معها الدمع ويعجز دونها الحزن ويفر من هول مرآها ذلك الشعور التقليدي بالأسى.. أن تغيب مراهم التداوي من الفجيعة وتنعدم معاني المواساة إلا مما حملته رياح ما بعد انجلاء غبار المعركة من قصص عن بلاء رجال الله في الميدان وكراماتهم وآيات الرحمن وهي تتنزل عليهم وقد بلغت القلوب الحناجر في لحظات الالتحام.. أن يحدث كل هذا في تلك المساحة المشتعلة فداءً وتضحيات فهذا يعني أن لبنات يوم الفصل الفلسطيني قد أرسيت هناك وأن دعائم التحرير قد استوطنت الأرض كما النفوس وأن ثقافة المواجهة وعقيدة الاشتباك ستنسبك إلى الأبد مع طبائع نفوس أهل هذه البقعة الكبيرة بفعلها وبمدها الجهادي الدافق.. بأنفاسها التي لا تنفث سوى اللهيب والصبر واحتساب البلاء، وبعيونها التي لا تطرف أمام الزلازل ولا تقر بمنطق الانسحاب..
في رئة المقاومة الأخرى من الوطن ثمة أنفاس مخنوقة ظلت وما زالت تحاول اللحاق برائحة البارود العتيق واستمطار غيث الرصاص من ذاكرتها القريبة وبث الحياة في جسد المقاومة الذي غزاه سرطان الخيانة وتمددت فيه خلايا الإنهاك الغريبة فأفسدت روحه وشطبت ثقافة الاشتباك من قاموسه..!
في مدن الضفة تجول عصابات همها أن تقتلع الشوك من أمام الجيبات الصهيونية التي تنتهك نهارها وليلها مطمئنة هانئة بأجواء الهدوء التي يوفرها الثوار الكاذبون والوطنيون الزائفون والفدائيون الساقطون في كل اختبارات الثبات.
أما الحراس الحقيقيون للمقاومة والأمناء على ثوابتها والحاملون همها كمن يمشي وسط حقل من الألغام فمأواهم السجون يجلدون فيها ويسقون المر والهوان، كما محمد الحاج الذي أزهقت روحه بجريرة بندقية يتيمة لو قدر لها أن تتكلم قبل أن تطالها الأيدي الدنسة فلربما كان صاحبها اسماً لشهيد قضى في اشتباك مع المحتل أو مشروع أسير يلتحق بقافلة ذوي المؤبدات لينتظر أن يكافئه رفاقه بـ (جلعاد) آخر..
لكن قطاع الطرق على المقاومة عاجلوه بالموت وحولوه لرقم عابر في سجل من أبادتهم العصابات الملثمة بعارها، فإيقاظ الروح الجهادية في دروب الضفة وانبعاث ماردها من قمقم الكمون والعتمة يهز أركان مشروعهم ويسحب البساط من تحت بساطيرهم المدموغة بالختم الأمريكي.
ولكن من قال إن الكيانات التي تصنع على عين المحتل قدر محتوم؟ وإن أسسها قابلة للنفاذ في جوف تراب يعاف خائنيه؟ ومن قال إن ذلك اليوم الذي سيجثو فيه المأجورون على ركبهم طالبين الصفح من المقاومة موعده بعيد؟ فبعد الضفة الغربية ليس ثمة ضفة أخرى ينتقلون لها للتأسيس لمشروع لحدي جديد، ولا وجهة حينها سوى لتل أبيب حيث يأوي نظيرهم الجنرال الهارب والمتكوم مع بقايا قمامة التاريخ التي ألقاها المحتل بعد انتهاء صلاحيتها ولم يأبه لمصيرها، أو حتى يعوضها عن سني تفانيها في خدمته والسهر على راحته وأمنه!