يصعب في بعض الحروب الحديث منها غالبا تحديد المنتصر والمنهزم فتعقيدات الحرب وتداخل الكثير من العناصر يوقعنا بعد انتهاء كل مواجهة في دوامة من الاستفهامات المختلفة من أهمها من المنتصر…
يصعب في بعض الحروب الحديثُ منها غالبا تحديد المنتصر والمنهزم، فتعقيدات الحرب وتداخل الكثير من العناصر، يوقعنا بعد انتهاء كل مواجهة في دوامة من الاستفهامات المختلفة، من أهمها من المنتصر والمنهزم؟ ومن الخاسر والرابح؟ كما أن الحرب لم يعد يقتصر تأثيرها على طرفي النزاع، بل يصيب أطرافاً إقليمية وربما تتسع لتؤثر على مصالح دولية عديدة.
وحرب غزة الأخيرة كانت مثالا حياً على ذلك، حيث التفت العالم اجمع إلى هذه الحرب والتي كانت بين حماس والشعب الفلسطيني في غزة من جهة، والجيش الإسرائيلي من جهة أخرى. كما أنها جاءت بعد أشهر عجاف من تهدئة استطاع الطرف الفلسطيني انتزاعها من الجيش الإسرائيلي، وكانت حماس فيها لأول مرة كطرف فلسطيني أمام الكيان الإسرائيلي وتم عقد اتفاق شفوي برعاية مصرية يقوم على هدوء ووقف إطلاق الصواريخ محلية الصنع مقابل وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وفتح جزئي للمعابر.
وقبل أن تنتهي التهدئة بعدة أسابيع قامت القوات الإسرائيلية بعملية عسكرية شرق خانيونس، استشهد خلالها 6 من عناصر كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، العملية العسكرية الإسرائيلية وغيرها من التصفيات لرجال المقاومة أعطت دلالة واضحة أن الجيش الصهيوني غير معني باستمرار هذه التهدئة إلا على أسس جديدة تقوم على حريته في تنفيذ عمليات تصفية واستهداف للمقاومة دون حق للرد
رفضت حركة حماس استمرار التهدئة بالأسس الصهيونية الجديدة، وأعلنت على لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل عن انتهاء التهدئة وعدم الاستمرار فيها، كنوع من الضغط السياسي على الإسرائيليين لإجبارهم على فتح المعابر وفك الحصار بشكل اكبر، فقام الجيش الإسرائيلي بمباغتة قطاع غزة وشن عدوان كبير بكثافة نيران عالية جدا استمرت 22 يوم كاملة .
انتهت الحرب بإعلان وقف النار من الجانب الإسرائيلي وأعقبه إعلان مماثل من حماس بعد يوم واحد مشروط بانسحاب الجيش المتوغل بشكل كامل من قطاع غزة في مدة أقصاها أسبوع. لتنتهي الحرب وتبدأ التساؤلات الكثيرة والتي أهمها يتمثل في من المنتصر في هذه الحرب؟.
وفي بداية أود التركيز على عدد من النقاط:
1) الجيش الإسرائيلي من أراد الحرب ويتحمل المسؤولية الكاملة عنها، وهو من اختار وحدد موعدها، وقام بعمليات تمويه وركز على المباغتة ومفاجأة الفلسطينيين، واعتمد طريقة الصدمة والرعب.
2) أن ما جرى في قطاع غزة، حرب ضد شعب مدني اعزل معزول ، تحميه قوة مسلحة ببنادق خفيفة، في المقابل الجيش الإسرائيلي يعتبر من أقوى جيوش العالم مدعوم بالقوى الأولى للعالم " الولايات المتحدة"، مع غطاء دولي.
3) أضف إلى ذلك ثلاث سنوات كاملة تعيش غزة في حصار خانق، مع انعدام كامل للبنية التحتية خصوصا في قطاع الصحة وتوقف كامل في قطاع الصناعة وخلل في التجارة وضعف في دوران النقود.
4) قوات الاحتلال استخدمت في هذه الحرب كل الوسائل القتالية التقليدية الفتاكة من البر والبحر والجو، بالإضافة إلى استخدام أسلحة الغير تقليدية "الكيماوية –البيولوجية "، مع ملاحظة أن القوات الإسرائيلية استخدمت أيضاً أسلحة محرمة دولياً، وهذا ما أكدته مؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الصحية.
5) إشراك وحدات الجيش الإسرائيلي كاملة، واستدعاء الاحتياط بعد أيام من الحرب البرية، في هذه الحرب واستخدام نصف سلاح الطيران الإسرائيلي، وضرب غزة بمليون كيلوا من المتفجرات عن طريق الطيران فقط وهذا دليل على نية الإسرائيليين انجاز أهداف كبيرة جدا
6) استهداف حكومة وسلطة حماس بشكل مباشر وعنيف، وهذا ما تبين في الضربة الجوية الأولى والتي استهدفت جميع المقار وعناصر الشرطة وأجهزة الأمن التابع للحكومة الفلسطينية في غزة.
7) أكدت الحرب على تماسك الجبهة الداخلية في غزة في وجه العدوان الإسرائيلي، مما يؤكد أن هناك إمكانية لبقاء هذه الحكومة أكثر مما يتصور الكثير، ومما يدلل على التفاف الشعب الفلسطيني وتوحده في خيار مواجهة الإسرائيليين، كما اظهر تماسك النظام الفلسطيني في قطاع غزة، فلم نشاهد هروب قيادات أو تمرد داخل الجنود والشرطة وقوى الأمن، او انتفاضات شعبية . أو استسلام جماعي لمقاتلي حماس
بعد ما سبق، نعود إلى سؤالنا الرئيس عن المنتصر في هذه المعركة؛ هل هو حماس والحكومة في غزة ومعهما فصائل المقاومة، أم الكيان الصهيوني؟ حيث لا زال هذا السؤال يثار من بعض الكتّاب والسياسيين هنا وهناك، وخصوصاً من قبل تيار حمل فكرة أن المقاومة لم تنتصر وأن العدو الصهيوني كبّد الشعب الفلسطيني خسائر كبيرة، متناسياً أن العدو الصهيوني ولأول مرة في تاريخه ومن خلال مواجهة مفتوحة مع الفلسطينيين لم يستطع أن يحقق أي من أهدافه المعلنة، بالإضافة انه تكبد أيضا خسائر سياسية فادحة.
ومع تأكيدنا على أن الشعب الفلسطيني دفع ثمناً باهظاً في هذه الحرب الخالية من أي حدود قانونية او إنسانية حيث أمعن بالأطفال والبيوت الآمنة والمساجد والأسواق والمدارس والمستشفيات قصفا وهدما وتدميرا وقتلا؛ حيث استشهد وأصيب ما يقارب 7000 مواطن فلسطيني، منهم 1500 شهيد و مئات الإصابات الخطيرة و الحرجة، وآلاف البيوت المدمرة ما بين تدمير كلي وجزئي، وغير ذلك من الخسائر المادية التي قدرت بملياري دولار.
إلا أن الحروب لا تحسم بالخسائر المادية وعدد الشهداء، وإنما تحسم بما يحققه الطرف المعتدي من احتلالٍ للأرض وتغيير للواقع السياسي وفرض لشروط والاستمرار في احتلاله وسيطرته وتحقيقه للأهداف.
وفي هذه الجزئية هناك ثلاث إيضاحات:-
أولا : الإسرائيليون فشلوا في تغير الواقع السياسي في قطاع غزة، أو حتى تغيير أو إضعاف الواقع الأمني في القطاع، فغزة تحت سيطرة حكومة هنية قبل العدوان وبقيت أثناء العدوان واستمرت حكومة هنية، اما بعد العدوان فتعززت شرعيته
ثانيا: رغم أن الجيش الإسرائيلي استطاع احتلال مئات الأمتار في أراضي مفتوحة من قطاع غزة. إلا انه فشل في دخول الأحياء المزدحمة والتي تعتبر مركز المدينة، فقد حاول الجيش دخول حي الزيتون أكثر من مرة، وحي التفاح وفشل في دخول مخيمي جباليا والشاطئ.
كما أن الجيش الإسرائيلي المتوغل بخمس ألوية كاملة انسحب من القطاع فور توقف العدوان، بدون قيد أو شرط، وانسحاب الجيش الإسرائيلي بهذه البساطة والسلاسة والسرعة لا تعني إلا أمرا واحدا أن هذا الجيش في مأزق وغير مرتاح.
ثالثا: المتأمل في الأهداف الإسرائيلية من العدوان على غزة، يدرك أن الجيش الإسرائيلي لم يحقق أي من أهدافه المعلن والسري والمبتكر
ولدقة فإن القيادة الإسرائيلية حددت أهداف عليا وإستراتيجية للحملة وأهداف تكتيكية تفصيلية وجاءت هذه الأهداف على لسان قيادة الحرب وهم ولمرت وليفني وباراك واشكنازي.
وقال كل منهم مجموعة من الهداف، بالإضافة إلى أن بعض الأهداف تحدثت عنها مراكز الدراسات والصحف الإسرائيلية.
ولنناقش هذه الأهداف المعلنة :-
أولا الأهداف العليا للعدوان:
أ- إسقاط حكومة حماس والتي عبرت عنه وزيرة خارجية العدو بأننا سنسحق حماس
ب-إعادة احتلال قطاع غزة وتسليمه إما للمصريين أو لسلطة محمود عباس او لفرق دولية" تحدثت عنه الصحف ومراكز الأبحاث".
ت- إعادة قوة الردع الإسرائيلية بعد حرب تموز " تحدثت عنه الصحف وبعض الوزراء"
ث- اكتساب قوة جديدة في الملفات الإقليمية " إيران" " مراكز الأبحاث"
ثانيا: الأهداف التكتيكية للعدوان:
أ- وقف إطلاق الصواريخ على المغتصبات الإسرائيلية والمدن جنوب فلسطين المحتلة بدون ثمن سياسي
ب- وقف تدفق السلاح عن طريق الأنفاق، وشل قدرة حماس التصنيعية
ت- اسر مقاتلين وقيادات حركة حماس" وتم إعداد سجن جديد في النقب لاستيعابهم
ث- اغتيال قيادات عسكرية وسياسية بارزة على رأسها محمد الضيف والجعبري، وإسماعيل هنية وسعيد صيام
ج- إعادة الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط
أي متفحص لهذه الأهداف يدرك أن الحملة لم تحقق الحد الأدنى مما تطلعت إليه ولم تغير ما سعت إلى تغييره وأنها خرجت بعد 22 يوم بدون أي نتيجة.
وهذه المقدمة المفصلة عن فشل الإسرائيليين في تغيير الواقع أو احتلال الأرض أو حتى تحقيق الأهداف يوصلنا إلى نتيجة أن "الحكومة الإسرائيلية" لم تحقق الانتصار وفشلت في حربها على غزة ميدانيا وعسكريا .
وبالانتقال لواقع المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب فلدينا مجموعة أيضا من الإيضاحات.
أولا:- استطاعت الحكومة الفلسطينية وحماس استيعاب وامتصاص الضربة الأولى المميزة بـ "المباغتة والقوة وكثافة النيران وتعدد الأهداف في وقت واحد وعدد الضحايا الكبير من الشهداء".
وكانت خطة العدوان قائمة على هذه الضربة ومدى نجاحها في إحداث حالة من الإرباك والفوضى لنظام حماس في غزة.
ثانيا:- المقاومة الفلسطينية، أعلنت عن مجموعة من الأهداف الواضحة والصريحة والبسيطة ومتمثلة في :-
1- الصمود وعدم الاستسلام أو الفرار، رغم حجم وكثافة ونوعية النيران الإسرائيلية.
2- العمل على حماية قيادة المقاومة من الاستهداف والاغتيال أو الاختطاف والاعتقال.
3- المحافظة على الجندي الأسير بعيدا عن أعين ونيران العدو الإسرائيلي
4- استمرار استهداف المغتصبات والتجمعات الصهيونية بالصواريخ بنفس الوتيرة
5- العمل على اسر جنود صهاينة والتي نجحت فيه المقاومة لولا قيام الصهاينة بعمليات قتل متعمد لجنودهم وهم في الأسر ومن ثم الترويج للقتل بنيران صديقة.
ثالثا:- ما ميز المقاومة الفلسطينية في حرب الفرقان
رغم الحصار الخانق وانعدام السلاح الفعال في مواجهة الآلة الصهيونية الا ان هناك ما ميز حماس في هذه المواجهة وساعدها على الصمود والثبات واهم هذه العناصر:-
1. مجموعة الكمائن المحكمة التي أجادتها كتائب القسام في وجه قوات الاحتلال، فأربكت من حسابات الجيش الإسرائيلي وأجبرته على تأخير التقدم، وتغير الخطط.
2. السرية، وغياب المعلومة الميدانية لدى الجيش الإسرائيلي، مما أدى لسقوط هذا العدد الكبير من الأطفال والمدنيين، في الوقت الذي فشلت طائراتهم في استهداف أي قيادي عسكري من قيادات المقاومة
3. الروح المعنوية العالية التي تمتع فيها الشعب الفلسطيني والالتفاف الشعبي الكبير حول المقاومة والحكومة الفلسطينية في غزة، فرغم الحسم العسكري والتوتر الداخلي إلا أننا لم نجد تحركاً شعبياً واحداً ضد الحكومة، ولم تسجل الساحة أي عملية تخريبية، وهذا يأتي لسببين؛ الأول أصالة الشعب الفلسطيني وعمق انتماؤه وتوحده ضد الخطر الإسرائيلي، الأمر الآخر هو انتباه أجهزة أمن الحكومة في غزة وقدرتها على التكيف في أحلك الظروف الأمنية.
4. نجاح المقاومة في ضرب البلدات الإسرائيلية بالصواريخ، بل إن الصواريخ زادت كثافة ونوعية، وضربت مدناً لم تضرب من قبل منذ قيام إسرائيل على ارض فلسطين، وهددت أكثر من مليون إسرائيلي مغتصب
الخلاصة:-
هذه أول حرب تخوضها غزة، فلقد عانت قبل ذلك مجموعة من الاجتياحات والتوغلات للجيش الإسرائيلي في أطراف القطاع
كما أنها لن تكون هذه الحرب الأخيرة فسيتبعها حرب أخرى فالجيش الإسرائيلي لن يترك غزة كيان فلسطيني عزيز وقوي ومتمرد على سلطته، ويعتبرها تحت ظل حماس خطر استراتيجي على كيانه ويجب على المقاومة الفلسطينية أن تقوم بالاستعداد للحرب القادمة، واخذ العبر والعظات من هذه التجربة.
التزود بالسلاح أولى أولويات المقاومة الفلسطينية في المرحلة المقبلة، فالجيش الإسرائيلي لا يردعه إلا القوة. ولا يثنيه إلا رؤية جثث جنوده وحطام دباباته في الطرقات. هذا يحتاج إلى إستراتيجية عربية لتسليح قطاع غزة بثلاث أنواع من السلاح
إعادة اعمار غزة يجب أن يتم على أساس مواجهة أي عدوان إسرائيلي، ويجب الاهتمام بالملاجئ لحماية المدنيين، والثكن العسكرية والأنفاق.