لئن أرخت الانتخابات المحلية الأخيرة لنهج حضاري أصيل وسلوك ديمقراطي سديد في حياة الشعب الفلسطيني المثقلة بالهموم والمآسي والجراح فإنها حملت بالقدر ذاته دلالات موغلة في القلق ومخاوف…
لئن أرّخت الانتخابات المحلية الأخيرة لنهج حضاري أصيل وسلوك ديمقراطي سديد في حياة الشعب الفلسطيني المثقلة بالهموم والمآسي والجراح، فإنها حملت بالقدر ذاته دلالات موغلة في القلق ومخاوف تقفز عن حدود المعقول، في سياق تحليل السلوك الانتخابي لحركة "فتح"، قبل وأثناء وبعد إجراء الانتخابات، ما يؤشّر إلى العديد من الإشكاليات المؤثرة والمخاطر المحدقة، التي يسندها الواقع وترفعها الحقائق وتؤكدها المواقف والسياسات.
أولى هذه الدلائل، أن حركة "فتح"، في العديد من المواقع الانتخابية، وفي قطاع غزة بالذات، قد خاضت الانتخابات خوضها –تماماً- لمعركة أو منازلة مصيرية، على هيئة كسر عظم، بوحي من استعادة السمعة والزخم والمكانة وربما الانتقام إثر خسارتها الجولة الأولى من الانتخابات البلدية نهاية يناير الماضي.
قد تشفع الخسارة الأولى لحركة "فتح" في المحليات لانتفاضتها اللافتة في الانتخابات الأخيرة، وثورتها البينة استهدافا للثأر ورد الاعتبار، إلا أن ما لا يمكن تفهمه أو تبريره، أن تنزلق "فتح" إلى مسارات بعيدة عن التنافس الحر والشريف، ومناقضة لأبسط أشكال السلوك الديمقراطي السليم.
فحملة الرشاوى الكبرى التي استهدفت استقطاب أصوات الناخبين في طول وعرض مواقع قطاع غزة الانتخابية، لا تعبر إلا عن فشل مدقع لأصحابها وسدنتها، وإصرار على استنساخ التجارب العربية الرسمية البائسة، وعدم الإيمان –أصلاً ومبدأ- بروح ومبادئ التنافس الشريف والتسابق الموضوعي، والانجراف وراء نزعة الفوز وبأي ثمن؟!
إن انتهاج مثل هذا الأسلوب يؤشّر إلى حالة خطيرة من انعدام أو ضعف الثقة في الفوز بثقة الجماهير، أو اهتزاز القناعة بالخيارات والبرامج المطروحة جماهيريا، ما يجعل من الوسائل غير المشروعة سبيلا وحيدا لبلوغ الأماني وتحقيق الطموحات، وهذا ما يشكل خللا ذو طابع فكري بنيوي في صلب المنهجية الفتحاوية، ويسيء إلى دور فتح التاريخي وأدائها الوطني على الساحة الوطنية الفلسطينية.
ثاني تلك الدلائل، أن استقراء سلوك "فتح" انتخابيا، على وقع المعركة الانتخابية حامية الوطيس التي حشدت لها كامل ثقلها وأقصى طاقتها، يؤكد بجلاء أن مصلحة "فتح" فحسب كانت فوق كل اعتبار، وأن المصلحة الوطنية تهاوت على مذبح العصبية الحزبية، فالوطن ومصالحه لم يكن أولاً، أو حاضرا في القمة والصدارة، وكان شبح "حماس" وهاجس فوزها يربك العقول ويهز الأفئدة ويخلط الأوراق والحسابات الفتحاوية، وكأن خدمة الشعب والسعي لتحقيق مصالحه قد اختزلت في سباقات تنظيمية فصائلية، تعنى بالكسب الأكثر والاستقطاب الأوسع، بل إن الانتخابات تحولت في عرف بعض المسئولين إلى قضية شخصية، لإثبات جدارتهم وأهليتهم من عدمها، ليخوضوا الانتخابات على أساس نكون أو لا نكون؟!
ولا ريب فإن حركة "فتح" بحاجة إلى صحوة حقيقية، تراجع فيها سياساتها ومواقفها وممارساتها وفق نواظم ومحددات وطنية، تقدم مصلحة الوطن على مصلحتها الخاصة، واقعا وتطبيقا لا قولا وشعارا، وتحجر على ذوي الطموحات الشخصية فيها اندفاعتهم الطائشة نحو الخطأ والانزلاق، كي تستعيد موقعها الحقيقي في ثنايا رؤى وتصورات الجميع، وتسلك سبيل العلاج والمعافاة.
ثالث هذه الدلائل، أن "فتح"، أو بعضا من محاورها وتياراتها والجهات النافذة فيها، ليست مؤهلة لاستيعاب أبعاد ومضامين التحول الديمقراطي الفلسطيني، الذي يحتكم إلى صناديق الاقتراع كأساس لتداول السلطة واكتساب الشرعية وبناء واقع المؤسسات، إذ يبدو جليا أن حال السيطرة والهيمنة على المؤسسة الفلسطينية السلطوية، وما يتيحه من تفرد ومصالح وامتيازات، قد تجذر في كثير من النفوس، واستحال جزءا من المركبات النفسية لدى هؤلاء، ما يجعل أمر تنحّيهم عن التفرد بالزمام والاضطرار للشراكة مع غيرهم، بالغ الصعوبة، ودونه كثير من الإشكاليات والعقبات.
فلا يمكن تفسير رفض "فتح" لكثير من النتائج، وخاصة في البلديات الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية في قطاع غزة، وما صاحب ذلك من اتهام حركة "حماس" بالتزوير، والارتكاز إلى ممارسات ميدانية غير مقبولة، ومظاهر احتجاج مسلحة، بل وتهديدات وتوعدات هنا وهناك، وما أفرزه ذلك من احتقان وتأجيج للتوتر في الساحة الداخلية- إلا كرفض موضوعي للاحتكام إلى المسار الديمقراطي، والتنازل عن قسط من آليات السيطرة والنفوذ، ولو في شقها الخدماتي الصرف، والاعتراف بحقيقة التحولات على الخارطة السياسية الفلسطينية.
وكم أثار استغرابنا لجوء "فتح" إلى تفعيل الخيار الميداني سيئ الذكر والصيت، فنزول المسلحين إلى الشوارع، والخروج في مسيرات مسلحة، وتهديد بعض المجموعات المسلحة المحسوبة على "فتح" للمرشحين الفائزين في أكثر من موقع، كان فتيلا مواتيا لفتنة محتملة بين الأخوة الأشقاء، لولا الجهود الخيرة التي تولاها أشقاء من "فتح" و"حماس" برعاية مصرية، وأثمرت تهدئة متبادلة ونزعا للفتيل، واحتكاما لآليات وأدوات القانون في حسم الطعون والخلافات الانتخابية.
كان من الأولى أن تعلن "فتح" احتكامها إلى جهات الاختصاص القانونية منذ البداية، وأن توفر على الساحة الوطنية بأسرها حالة الشدّ والجذب والإرباك التي أجبرت قسرا على مواجهتها، بدلا من توزيع الاتهامات غير الواقعية، ومحاولة تشويه مواقف المنافسين.
ولعل الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بإثبات هذا الموقف من عدمه، وتبيان مدى صحته ونصيبه من الواقع، فلم يعد يفصلنا عن انتخابات المجلس التشريعي سوى أسابيع معدودات، ولا زال موقف "فتح" مترنحاً، ما بين النسبية والدوائر، وما بين العقد والتأجيل، وإن كانت طائفة معتبرة من المراقبين تشكك في إمكانية إجرائها، أو تتخوف من انقلاب سابق لها، يطيح بها ويهوي بها بعيداً عن الواقع.
رابع هذه الدلالات، يستشعر طبيعة الفارق السلوكي ويتحسس مستوى التعاطي الموضوعي بين "فتح" في الضفة وفتح في غزة، فرغم بعض المظاهر السلبية التي بدرت عن حركة "فتح" في الضفة الغربية، إلا أنها لا تقارن -بحال- مع المظاهر والممارسات السلبية التي وقعت في قطاع غزة.
ولن نبالغ القول أن نوعا من الوعي المتزن والسلوك المسؤول والتعامل الحضاري، يطغى على الممارسة الفلسطينية لأهلنا في الضفة، أكثر منه في القطاع، ما يفسر اتزان المواقف التي أعقبت الانتخابات هناك، واللجوء إلى الاستقالة كمؤشر حضاري على الاعتراف بالفشل، دون الأشكال الأخرى المؤذية شكلا ومضمونا.
خامس هذه الدلالات، ينحصر في الأداء الإعلامي، فقد توزع أداء "فتح" على مستويين الأول تمثل في التسريب الإعلامي الذي يستبطن الحرب النفسية أثناء وبعد انتهاء الاقتراع، والثاني تمثل في محاولة تبرير الخسارة في بعض المواقع الكبيرة.
ومما يبدو فإن التسريب الإعلامي لم يفعل فعله أو يحقق مبتغاه، فالنتائج سرعان ما شقت طريقها دون محاباة لأحد، فيما بدت محاولات تبرير الخسارة من خلال الادعاء بوجود تزوير فارغة من أي محتوى حقيقي.
فللمرة الأولى في التاريخ، تشتكي السلطة وحزبها الحاكم قيام المعارضة بالتزوير، بل وتزعم انتماء اللجان الانتخابية إلى منافسيها، وكأنها اكتشفت فجأة بعد حدوث الانتخابات وظهور النتائج أن هذه اللجان تتبع لمنافسيها، وكأنها لم تكن راضية مستبشرة عن نتائج الاقتراع في ساعاتها الأولى حين حملت الأنباء بشائر فوزها وصعودها، دون أن تفكر بخواطر التزوير أو انتماء اللجان التي شكلتها هي إلى الخصوم والمنافسين!
لذا، فإن الأداء الإعلامي لـ"فتح" سوف يشهد مزيداً من التراجع وضعف المصداقية، ما لم يتنزه عن ممارسة أشكال الدعاية والحرب النفسية، وامتثال الحق والحقيقة إزاء كل تصرف أو موقف أو ممارسة.
وقد راجت في الأيام الأخيرة نكتة ظريفة تعليقا على ادعاء "فتح" أن عناصر من "حماس" اقترعوا من خلال أسماء أربعة عشر شهيداً في مدينة رفح، مفادها أن الذي كشف خطة "حماس" قيام أفرادها بنسيان قبور الشهداء الأربعة عشر مفتوحة بعد إتمامهم عملية الاقتراع والتصويت!!
تلك دلالات مقلقة، ومخاوف مشروعة إزاء فكر وسلوك "فتح" الانتخابي، أرجو أن ينتبه لها الحكماء في "فتح"، حفاظا على رصيد شعبي آخذ في التقلص والضمور، ودور وطني آخذ في التهميش والاختزال، وصيانة لمكانة بدأت في الضعف والانحسار.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع