قال تعالى وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر…
قال تعالى:﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يـس:20-27] . "و تتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. و نرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء. و خطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة. و من تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق. و من تهديد البغي إلى سلام النعيم. و من ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين. و نرى الرجل المؤمن، و قد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة و الكرامة، يذكر قومه طيب القلب رضي النفس، يتمنى لو يراه قومه و يرون ما آتاه ربه من الرضى و الكرامة، ليعرفوا الحق، معرفة اليقين"(1)
لقد اخترت البدء بهذه المقدمة البسيطة في طرحها و العظيمة في معانيها؛ لأقول لأؤلئك المهزومين في عقولهم من أبناء أمتنا العظيمة الذين يتعاملون مع واقعنا بتحليلاتهم السطحية و تفسيراتهم المادية و من الذين ذرفوا الدمع الهتون علي تدمير غزة وقتل الابرياء فيها و كأن حماس هى السبب في كل ما حصل : إنه لا يجوز تعريف النصر و الهزيمة بتعريفات مجردة و اختزالها في أن النصر يتمثل في قلة خسائر العدو وتمكنه من اغتيال المقاوم و تدمير أرضه و ذبح شعبه!!! و أن الهزيمة تتمثل في كثرة خسائر المقاوم و اغتياله و تدمير أرضه و ذبح شعبه!!! و أساس رفضنا لهذا الاختزال كونه يمس بمبادئ عقيدة المقاومة و أسسها النضالية، كما أن القائلين بهذا أرادوا أن يقروا وبطريقة مباشرة – لا اعلم هل هو من جهل أم عن قصد – أنه ما دام المقاوم لا يمتلك قوة الحسم العسكري التي تقابل قوة العدو أو تناهزها، فإن النضال والمقاومة فشل وخسارة وهزيمة لا طائل منها!!! و للأسف فإن هذا المفهوم الضيق لمعنى النصر والهزيمة يحرمنا من فهم معانٍ أخرى أوسع وأصدق وأشمل لمفهوم النصر والهزيمة، أهمها المعنى الرباني الإيماني وهو على قسمين:
الأول: (الانحياز) و ذلك لأن المجاهد يتراجع ليهاجم، و يفر ليكر، و لذلك خفف الله عن المؤمنين حين قال : ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:66] و هذا لأن المجاهدين المقاومين يجوز لهم بسبب كثرة العدو و التي تتجاوز نسبة الاثنين من الأعداء للمجاهد الواحد التراجع و الانحياز لمعسكر آخر من معسكرات المجاهدين لينظموا صفوفهم و يعيدوا الكرة، و لم يعتبر القرآن هذا نوعا من أنواع الهزيمة و لكن أقره ، و لنا في فعل الرسول صلى الله عليه و سلم المثل الأعلى، حيث أقر الجيش العائد من غزوة مؤتة بقوله لهم :"أنتم الكرار، أنتم الكرار"..
الثاني: و هو أعظم و أجل لأنه يمس المعنى الأسمى للنصر و هو ما يمكننا أن نسميه بـ(انتصار العقيدة).. فانتصار المؤمن في ثباته على عقيدته ولو قرض بالمقاريض أو نشر بالمناشير، و انتصار المقاوم في ثباته على مبادئه و شعاراته وموته في سبيلها.. و يظهر لنا ذلك واضحاً جلياً في قصة أصحاب الأخدود حيث "ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة ، وانتصرت فيه العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تفتن عن دينها، وهي تحرق بالنار حتى تموت.. لقد تحررت القلوب من عبوديتها فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً، وارتفعت على ذواتها بانتصار العقيدة على الحياة فيها" (*) .. و في هذا المعنى قال روح الأمة و ضميرها الحي ( الشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله) في معرض رده على تهديدات مجرم الحرب الصهيوني شارون :".. هذه التهديدات لا تعنينا و لا تخيفنا لأن نحن طلاب شهادة، نحن بنطلب شهادة مش بنطلب حياة، الحياة الأبدية التي نطلبها مش حياة الدنيا التافهة، عشان هيك لا نخاف من هذه التهديدات بل تزيدنا قوة و إصرارا على المشوار الطويل من أجل النصر و التحرير إن شاء الله.."** و هذه الكلمات حُقَّ لنا أن نكتبها بماء الذهب و نعلقها على صدورنا. لأن ".. الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان.. ليست هي الغاية القيمة الكبرى في الميزان.. وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة ، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة" (*) .
و بهذا المعنى العظيم عشنا أحداث غزوة الفرقان المباركة "و هو ذاته الحادث الذي ارتفعت فيه ارواح المؤمنين وتحررت وانطلقت إلى ذلك الأوج السامي الرفيع، الذي تشرف به البشرية في جميع الأجيال والعصور" (*) .. "وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الرفيقة الكريمة هناك جبلات جاحدة شريرة مجرمة لئيمة، و جلس أصحاب هذه الجبلات على النار، يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة تأكلها النار، والأناسي الكرام يتحولون وقوداً وتراباً.. وكلما ألقي فتى أو فتاة، صبية أو عجوز، طفل أو شيخ، من المؤمنين الخيرين الكرام في النار، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء ! .. هذا هو الحادث البشع الذي انتكست فيه جبلات الطغاة وارتكست في هذه الحمأة، فراحت تلتذ مشهد التعذيب المروع العنيف، بهذه الخساسة التي لم يرتكس فيها وحش قط، فالوحش يفترس ليقتات، لا ليلتذ آلام الفريسة في لؤم وخسة!" (*)
ففي قصة أصحاب الأخدود كأعظم مثال و أوضحه على انتصار العقيدة، و ما تحمله من معان كبيرة لحقيقة النصر و الهزيمة ".. في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان ، وإن هذا الإيمان الذي بلغ الذروة العالية ، في نفوس الفئة الخيرة الكريمة الثابتة المستعلية.. لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان! ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث، كما لا تذكر النصوص القرآنية، أن الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح.. أخذ عزيز مقتدر.. ففي حساب الأرض تبدو هذه الخاتمة اسيفة أليمة ! أفهكذا ينتهي الأمر، وتذهب الفئة المؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة الإيمان؟ تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود؟ بينما تذهب الفئة الباغية، التي ارتكست إلى هذه الحمأة، ناجية؟ حساب الأرض يحيك في الصدر شيئا أمام هذه الخاتمة الأسيفة ! ولكن القرآن يعلَّم المؤمنين شيئاً آخر، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يَزِنُونَ بها، وبمجال المعركة التي يخوضونها " (*) .
و أما بالنسبة للمهزومين أو المتشككين فليس من السهل عليهم فهم هذه المعاني وسوف يقرأون ما نكتب كما تقرأ الطلاسم، فإما ﴿ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ [ الأنعام: 25 ] ، أو ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [ النحل: 279 ]، غفلوا عن "إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صورة هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة.. وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرف الجنس البشري كله في جميع الأعصار.. وهذا هو الانتصار.." (*)
نعم إن ما حصل في غزة الكرامة كان انتصارًا بكل ما تحمل الكلمة من معان. حتى أعداد القتلى الكبيرة من الأبرياء فهم جزء لا يتجزأ من هذا الانتصار العظيم؛ لأن "الناس جميعاً يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق.. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى، وفي دنيا الناس أيضاً. إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال!" (*)
لقد فضَّل شعب غزة الأبية الثبات على المبدأ، و اختاروا العنت و المشقة و الموت شهادةً على الدعة و السلامة و الحياة الدنيا؟! "لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه معنى كريم جداً، ومعنى كبير جداً، هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار، فتحرق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار!" (*). ثم إنَّ هناك معنى آخر لا يقل أهمية في تحديد نتائج معركتنا هذه هو إنَّ "مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال . إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها، وغير ميزان الأرض في أجيالها جميعاً. والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس. وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق!" (*)
وأخيراً أقول لمجرمي الحرب من الصهاينة قد قصفتم غزة و قتلتم و شردتم الآلاف من أهلها، و للعملاء من الطابور الخامس الذين أزعجهم قرار مجرمي الاحتلال بإيقاف إطلاق النار و الانسحاب القسري؟!! بل و إصرارهم على الاستمرار في نهج تصفية أبناء المقاومة وجنودها في الضفة الصابرة؟!!! أقول لهم جميعاً لازالت "هناك الآخرة، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض، ولا ينفصل عنه، لا في الحقيقة الواقعة، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة. فالمعركة إذن لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجئ بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح، لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد" (*) .
﴿ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [ طه: 72]