حقيقة الدولة الصهيونية وحتمية المقاومة

حقيقة الدولة الصهيونية وحتمية المقاومة

د. أحمد عبد الواحد الزنداني
2009-02-07

إن الجرائم البشعة التي ارتكبتها إسرائيل في حربها التي دامت يوما ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تجاوزت كل التصورات و فرض البعد الإنساني نفسه في هذه الحرب ليتحدث كل أحرار العالم…

إن الجرائم البشعة التي ارتكبتها إسرائيل في حربها التي دامت 23 يوما ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تجاوزت كل التصورات, و فرض البعد الإنساني نفسه في هذه الحرب ليتحدث كل أحرار العالم عن ضرورة وقف شلالات الدماء و إنقاذ الأطفال من براثن الوحش الصهيوني, غير أن العالم, باستثناء المقاومة, يقف عاجزا أمام إسرائيل الأمر الذي أثار عدداً من الأسئلة: لماذا تتصرف إسرائيل بطريقة بربرية؟ و لماذا تحظى إسرائيل بكل هذا الدعم من أوربا و أمريكا رغم علم قادتها بأن هذه الدولة تخالف أبسط القواعد في القانون الدولي, تلك القواعد التي أنشأتها و رسختها الدول الغربية ذاتها؟ و ما هو السبيل لمواجهة هذه الدولة العدوانية؟

 

في الحقيقة إن المتأمل في حقيقة إنشاء دولة إسرائيل يجد أنها تؤدي وظيفتها الطبيعية التي أسُست من أجلها في هذه المنطقة من العالم, و لقد ساهمت عدة عوامل توافقت مع بعضها و تكاتفت من أجل تأسيس إسرائيل في قلب العالم العربي والإسلامي لتقوم بهذا الدور الذي نشاهده اليوم, وأنه لا سبيل لمواجهة إسرائيل إلا بتبني إستراتيجية المقاومة لمواجهة تلك العوامل والتصدي لها, و هذه العوامل هي:

 

إنشاء وطن قومي لليهود:

في الحقيقة إن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوربا دفع بعضهم إلى التفكير بالهجرة إلى أي أرض يتمكنون فيها من إنشاء دولتهم على أساس أن تـُمنح المواطنة لأي يهودي, و لقد تجسدت هذه الأفكار في كفاح تيودور هرتزل, مؤسس الصهيونية السياسية, الذي وضع كتيب أسماه "الدولة اليهودية: حل عصري للمسألة اليهودية", و بالنسبة له فلقد كانت المسألة اليهودية مسألة وطن لا مشكلة اجتماعية و لا دينية, لذا كان حله سياسيا و لقد كان مطلبه الرئيسي "السيادة على أي بقعة على سطح الأرض تكون مناسبة لحاجة [اليهود] الحقيقية كأمة" و لقد طالب هرتزل بوطن معترف به حيث "يستطيع اليهود المضطهدون في أرجاء الأرض أن يهاجروا إليه و بمجرد وصولهم يصبحوا مواطنين لأنهم يهود لا غرباء". كافح هرتزل بمرارة لينجح في مشروعه و لقد عبر ذات مرة عن إحباطه و فشله في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه ومؤيديه, ديفد ولفسون, حيث قال "لقد وصلت حركتا [الصهيونية السياسية] إلى نهايتها... لم أتمكن من تجاوز الصعوبات الأولية" معبرا بذلك عن عدم إحرازه لأي تقدم سواء في الجبهة الدولية أو الجبهة الداخلية (اليهود أنفسهم) للحصول على أرض لليهود, إلا إن الأمر انقلب رأسا على عقب فبعد هذه الرسالة البائسة بعدة شهور عُقد مؤتمر يهود العالم في مدينة بازل بسويسرا في 1897 لأول مرة ليكتب هرتزل بعدها في مذكراته "في بازل أنشأت الدولة اليهودية", في الحقيقة كان هناك عامل آخر هو الذي أنقذ مشروع هرتزل و سانده.

 

المسيحية الصهيونية:

كانت المسيحية الصهيونية تعمل بجد من أجل إنشاء دولة إسرائيل, و لكن لم يكن الغرض وطنا قوميا لليهود بل كان الهدف دينيا بحتا, فالمسيحية الصهيونية تؤمن بأن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة (القدس) أمر ضروري من أجل عودة المسيح ليحكم الأرض وفقا لنبوءة إنجيلية, و لقد عمل المسيحي الصهيوني سيروس سوكفيلد (1843-1921) على نشر هذا المبدأ الإنجيلي الذي يقول فيه إن المسيح لن يعود حتى يتحقق أمران: الأول عودة اليهود إلى الأرض المقدسة, و الثاني أن يقوم اليهود بتحطيم المقدسات الإسلامية في القدس و إعادة بناء هيكل سليمان المزعوم مكانها و ستقوم معركة أرمجدون حيث سيقتل ملايين البشر و يتحول اليهود إلى الدين المسيحي, و لعل أخطر ما يؤمن به المسيحيون الصهاينة هو أن دعم إسرائيل واجب ديني مقدس بغض النظر عن سلوك قادتها السياسي سواء كان سويا أو عدوانيا لأن الله يريد ذلك بحسب زعمهم, و لذا لم يتورع أحد النواب الأمريكيين من القول في الكونجرس الأمريكي إن إسرائيل هي إرادة الله و أنها فوق القانون الدولي. و لذا منذ بداية عهد النهضة في أوربا عملت المسيحية الصهيونية على نشر تلك الأفكار و تبنيها في الوقت الذي كانت أوربا الرأسمالية في فترة ازدهار و مشاريعها الاستعمارية في تقدم مضطرد, و لقد أدركت الصهيونية المسيحية أن توظيف النزعة الاستعمارية ذات الأهداف الاقتصادية لدى قادة أوربا خير معين لها في إنشاء دولة إسرائيل, فعلى سبيل المثال عمل المسيحي الصهيوني إيرال شافتسبوري (1805-85) و هو بريطاني على وضع خطة لتوطين اليهود في فلسطين برعاية بريطانيا العظمى, و تمكن من إقناع اللورد بلارمستون وزير الخارجية القوي في الحكومة البريطانية و هو أحد أقربائه بأن خطته تلك ستخدم مشاريع أوربا الامبريالية في الشرق الأدنى و في العام 1838 تمكن الرجل من إقناع حكومته بأن تفتح قنصلية لها في القدس و التي كانت في الحقيقة أول مكتب رسمي لبريطانيا في فلسطين, و بهذا ندرك أن عاملا ثالثا قام بدور أساسي في إنشاء دولة إسرائيل.

 

الرأسمالية (الاستعمار):

لقد لعبت المطامع الاقتصادية القائمة على التوسع و الاستعمار, و التي كانت و لا زالت تحرك ساسة أوربا منذ القرن السادس عشر و حتى اليوم, دورا أساسيا في إنشاء دولة إسرائيل, حيث إن الهدف الأول من إنشاء دولة إسرائيل بالنسبة لساسة أوربا لم يكن قوميا ولا دينيا بل اقتصاديا, و لذا عمل قادة أوربا على إنشاء إسرائيل بهدف السيطرة على طرق التجارة العالمية التي تمر عبر العالم العربي إلى أسواق الهند و شرق آسيا و من أجل بسط نفوذ أوربا و استغلال خامات و موارد هذه المنطقة من العالم, و كذلك لتعمل إسرائيل كجبهة متقدمة في قلب الحضارة الإسلامية, تلك الحضارة التي دحرت أوربا و تفوقت عليها في حكم العالم لأكثر من ألف عام, و من هنا كانت قواعد السياسة الدولية تقتضي إبقاء هذا الجزء من العالم مقسما و ضعيفا لا يقوى على النهوض مرة أخرى, و لهذا عقد مؤتمر بازل في سويسرا في 1897 و منح وعد بلفور في 1917 القاضي بإنشاء و طن قومي لليهود في فلسطين وأعُلنت دولة إسرائيل في 1948 بعد تواطؤ بريطاني واضح ضد الشعب الفلسطيني.

 

لماذا المقاومة؟

من كل ما سبق ندرك أن إسرائيل, الدولة التي تخترق كل القوانين الدولية والمعاهدات بل وكل المبادئ و القيم الإنسانية, تتمتع بنفوذ مهول في العواصم الغربية لأنها ببساطة مشروع غربي يهودي نجح بشكل كبير في تنفيذ المهام المنوطة به, و لذا فإن العالم في ظاهرة غريبة لا تقبل التبرير بأي منطق يُجمع على خنق المقاومة الفلسطينية و منع وصول السلاح إليها حتى لا تتمكن من حماية حقوقها المشروعة و في نفس الوقت فهو يُجمع على دعم أمن إسرائيل و مدها بالمال و السلاح و هي الدولة المحتلة الغاصبة, إن الأمر الوحيد الذي يفسر لنا هذا التناقض هو أن ساسة الدول الغربية يعلمون جيدا أن إسرائيل هي مشروعهم و إن حمايتها و دعمها هدف و غاية غير قابلة للنقاش أو التفاوض, و لقد أسُسّ هذا المشروع ليمارس ثلاث مهام رئيسية, فهي مستوطنة ليهود العالم يمارسون فيها حق المواطنة و لكن على أرض مغتصبة و على أساس ديني, لذا فهي دولة عنصرية لن تقبل بحق العودة للشعب الفلسطيني و ستستمر في التوسع لتشجيع الهجرة لكل يهودي إلى فلسطين و لن ترضخ لأي اتفاقيات تقوض هذا الدور, المهمة الثانية لهذه المشروع هي شن حرب دينية على كل من لا يؤمن بالنبوءات الأيدلوجية للمسيحية الصهيونية التي تقضي بتدمير كل ما له صلة بحضارة المسلمين من مقدسات و قوى سواء كانت شعوب أو حكومات أو منظمات, علما بأن المسيحية الصهيونية تعتبر كل دول العالم العربي عدوا لمشروعها فهي تؤمن بأن الأرض الموعودة لليهود تمتد من نهر الفرات إلى نهر النيل, و هكذا فإن أي مفاوضات تجري باسم عملية السلام لن تنجح لأن المسيحية الصهيونية ستقف لها بالمرصاد و هذا ما أثبتته الإدارات الأمريكية المتعاقبة و على رأسها إدارة بوش (2001-2008)التي حكمها المسيحيون الصهاينة أنفسهم, أما المهمة الثالثة فتقضي بإبقاء العالم الإسلامي و بالذات العربي منه مقسما مجزئا ضعيف تنهب ثرواته و يضرب بعضه بعضا, و كما رأينا في حرب غزة الأخيرة فالحرب قد بدأت ثم انتهت بعد قرابة الشهر و الدول العربية كانت من الوهن لدرجة أنها لم تتمكن حتى من الاتفاق على عقد اجتماع لمناقشة العدوان ناهيك عن نوعية القرارات و سبل تنفيذها, فضلا عن تآمر بعضها الواضح لصالح إسرائيل.

 

من هنا لا بد أن ندرك إننا بحاجة إلى إستراتيجية تتصدى لتلك المهام التي أنشأت دولة إسرائيل تقوم على قانون "لكل فعل رد فعل مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه" حتى نتمكن من حل معضلة الصراع حول فلسطين, و هذه الاستراتيجية هي ما تتبناه المقاومة و لذا لابد من دعمها بكل الوسائل المتاحة, فالمهمة الأولى التي تنبري لها المقاومة هي حرمان اليهود من أن يحكموا موطئ قدم في فلسطين, لا أن نقدم لهم عرضا سخيا بتسليمهم كل ما احتلوه إلى قبل 1967 كما تنادي الأنظمة العربية, فهذا خطأ فادح كما أن إسرائيل لن تقبل به لأنه يتناقض مع طبيعة نشأتها و وظيفتها, المهمة الثانية هي مواجهة عقيدة المسيحية الصهيونية بالعقيدة الإسلامية التي هي أساس وجود الحضارة العربية و الإسلامية في فلسطين و لما تتمتع به هذه العقيدة من مخزون إيماني و إستراتيجي مهول يمثل نقطة محورية تعمل على القضاء على الاختلال في توازن القوى بين إسرائيل و العالم العربي, ولعل أقرب مثل إلينا صمود غزة وراء حماس التي تتبنى هذه العقيدة قولا و عملا رغم فارق القوى المادية الكبيرة بين الجانبين, كما أن هذه العقيدة تملك كل ما يثبت بطلان المزاعم المسيحية الصهيونية بشأن الأرض المقدسة و لعل أكبر دليل هو فشل المسيحيين الصهاينة في العثور على أي دليل مادي يؤيد نظرية الهيكل رغم احتلالهم للقدس لأكثر من 40 عاما, هذا فضلا عن أن العقيدة الإسلامية هي المحرك الأول لشعوب العالم الإسلامي الذي يمثل مخزونا استراتيجيا لأي حركة مقاومة للمشروع الصهيوني و لعل هذا يفسر لنا ثبات حركة حماس رغم تكاتف النظام الدولي بأسره ضدها خاصة أثناء الحصار و الحرب و ما بعدها, المهمة الثالثة التي يتحتم علينا القيام بها هي مواجهة المشروع الرأسمالي الغربي في المنطقة فلا ننخدع بالمشاريع الاقتصادية الغربية التي تتحدث عن فتح الأسواق و تحريرها أمام التجارة الدولية لتتمكن الشركات الغربية من نهب ثروات وموارد الأمة, و إذا كانت معظم الحكومات العربية قد خنعت لهذه المشاريع الاستعمارية فلا ينبغي أن تتخلى الشعوب بمنظماتها المدنية عن المقاومة بمقاطعة البضائع الأجنبية لأن المعركة ببساطة ووضوح معركة بقاء, هذا فضلا عن حاجة الأمة الماسة إلى دعم كل مشاريع الوحدة والتقارب ما لم تمس المهمة رقم اثنين في هذه الإستراتيجية (العقيدة الإسلامية) لكي لا نتناقض مع أنفسنا فيضرب بعضنا بعضا و نتنازع فنفشل و تذهب ريحنا.  

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026