الموساد .. وحتمية الصراع

الموساد .. وحتمية الصراع

أ.محمد عبد الحميد
2005-05-12

يعجب المرء عندما يري الصورة التي تبث من خلال وسائل الإعلام عن معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الصمت الدولي هذا الشعب الذي لم يقترف إثما ولا ذنبا إلا لأنه عربيا مسلما تخيل معي أن تلك…

يعجب المرء عندما يري الصورة التي تبث من خلال وسائل الإعلام عن معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الصمت الدولي ،هذا الشعب الذي لم يقترف إثماً ولا ذنباً إلا لأنه عربياً مسلما ً ، تخيل معي أن تلك الصورة لشعب أوروبي مسيحي أيطول صمت تلك المنظمات الدولية والدول الغربية بالطبع لا ، من ناحية أخري لا يعجب المرء مما يحدث من قتل وقمع وتشريد وتدمير للمنازل والحقول لهذا الشعب الأعزل علي يد الصهاينة ، لأن الأساس الذي قامت عليه دولة الكيان الصهيوني هي عصابات الهاجاناه وشيترن ، هم أول خلية إرهاب وعصابات قتل وأول كوادر من أجهزة المخابرات وجهاز الاستخبارات " الموساد " ... والكيان الصهيوني هو أول كيان في التاريخ يقام بعد إنشاء جهاز مخابرات له ، بل يزول العجب نهائياً عندما نعلم أن أول درس تعلمه شارون من بن جوريون " مؤسس الكيان الصهيوني" هو ( أنه لا يهم ما يقول العالم ولا يهمنا ما تقوله المنظمات الدولية عنا ، أهم شيء هو المحافظة علي "دولة إسرائيل" وعلي شعبنا من أجل البقاء ) ، كما أنشي الكيان الصهيوني بمساعده الدول الاستعمارية العالمية وبدعمها لإزالة الظلم الواقع علي اليهود في محرقة الهولوكست المزعومة – وهى أكذوبة كبرى حيث أن الحركة الصهيونية كانت متحالفة مع هتلر ، وهم يفعلون أكثر بكثير من تلك المحرقة في فلسطين - كل ذلك بحجة تثبيت أركان هذا الغاصب الجديد في المنطقة العربية .

ولكن يبقي دور الموساد الذي تعدي الكيان الصهيوني لا ليقف عند حدود فلسطين فحسب بل تعدي ذلك بكثير ليصل إلي المنطقة العربية كلها ، وبشكل واضح بحجه المحافظة علي الدولة الصهيونية ، بل وصل دوره إلي العالمية حتى أصبح مؤثراً في السياسات الخارجية لبعض الدول مثل أثيوبيا التي صوتت علي منع تحويل قضية الجدار العنصري إلي المحكمة الدولية و بعض الدول التي تتهمه علناً في وسائل الإعلام وهي تتعامل معه بشكل سافر مثل تركيا التي لم تستبعد أن يكون جهاز الموساد وراء الاعتداءات التي شهدتها مدينتي أنقرة واسطنبول في الفترة الأخيرة ، وذلك بعد أن كشفت واشنطن عن مخاوفها بسبب توقف الخطط الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة من خلال تزايد الأزمة بين تركيا والكيان الصهيوني وكانت مخاوف تركيا ومشكلتها الحقيقية هي وجود الموساد في مناطق الأكراد ، هذا ما ذكرته مجلة " نيويوركر" في تقرير لها من أن عناصر الموساد تقوم بتدريب وحدات كردية ، كما اتضح فيما بعد أن هناك مكاتب تابعه للموساد في مدينة كركوك شمالي العراق ، وقد قتلت المقاومة العراقية ستة من العاملين بالمكتب الذي كشف عن أنهم من عناصر الموساد الذي كان يعمل تحت اسم شركة " الرافدين للتصدير" هناك ، أما عمليات تصفية العلماء من المستفيد منها إلا الكيان الصهيوني وقوات الاحتلال الأمريكي حتى أن مدير هيئة البحوث والتطوير في وزارة التعليم العالي اتهم الموساد علناً في أجهزة الإعلام أنه وراء عمليات الاغتيال .

حتى أوروبا لم تسلم من الموساد فقد كشفت صحيفة الوطن السعودية عن قيام دبلوماسيي السفارات الصهيونية في عواصم بعض الدول الأوروبية بالاتصال بلاجئين عرب ومسلمين لتجنيدهم للعمل لحساب الموساد وإقناعهم بالعودة إلى أوطانهم الأصلية للقيام بأعمال التخابر.

ويأتي الدور الكبير للموساد في التنسيق الاستراتيجي بينه وبين كي. بي سينج رئيس مخابرات الهند لضرب المجاهدين في كشمير ، كما كشفت عن ذلك صحيفة التايمزالهندية أنه تم توقيع صفقة أمنية يقوم بمقتضاها الموساد بتدريب قوات الأمن الهندية ، لمواجهة المجاهدين في كشمير

وفي لبنان لا يستطيع أحد أن ينسي دور الموساد في دعم الكتائب ومذبحه صبرا وشاتيلا ، وفي الآوانة الأخيرة تم إلقاء القبض على إحدى شبكات الموساد لمحاوله اغتيال حسن نصرالله وخالد مشعل ورمضان شلح في بيروت ، كما اتهم ولي العهد السعودي الموساد بأنه وراء العمليات التي تحدث في السعودية ، وما ُنشر في صحيفة مصرية أسبوعيه من أن الموساد له اليد العليا في أعمال التمرد في جنوب السودان لأنه قام بتدريب قوات التمرد في الجنوب حتى يتم السيطرة علي مجري مياه النيل والتأثير من خلالها علي مصر ومحاصرتها سياسياً ، كما كشفت وسائل الإعلام السورية أنة تم القبض علي خلية للموساد تعمل لاغتيال خالد مشعل في دمشق ، ومع هذا كله كان محظوراً علي وسائل الإعلام العربية نشر أي معلومات تتعلق بأجهزة الاستخبارات وما تفعله من أجل التغطية والتعتيم علي عمل الموساد وبث عدم المقدرة في التصدي له ، ألا توجد قوة تردع ذلك الجهاز الإستخباري ، هذا الأمر يحتاج إلي وقفة كبيرة جداً حتى لا يستطيع الموساد التهام الدول والشعوب العربية ونحن نقف مكتوفي الأيدي ، يجب أن يكون هناك تنسيق مشترك علي أعلي المستويات لمواجهه الدور الصهيوني ويكون هذا التنسيق أمني ودفاعي حقيقي ليس حبراً علي ورق ، بل يجب أن يكون عقائدياً .

والمشكلة الحقيقية لدي القادة العرب دائماً هي البدء برفع راية السلام مع الكيان الصهيوني مع ما نجد في المقابل من تعنت وكبر من القادة الصهاينة في كل مبادرة سلام ، لأنهم لا يعرفون إلا لغة واحدة وهي لغة السلاح والقوة ، هذه حاله كل رؤساء الوزراء الصهاينة الذين هم من القتلة عصابات الهاجاناه وشيترن ابتداءً من بن جوريون مروراً بمناحم بيجن وشامير انتهاءً بشارون ، السبب الوحيد ببساطة شديدة أن هؤلاء تربوا علي الدماء الفلسطينية والعربية ولا يرجى منهم سلاماً أصلاًً ولا غيره ، ومن أول وهلة حينما تسأل شخصاً عربيًا من هو العدو الأول للعرب بتلقائية يجيب اليهود ودولة " إسرائيل " إذاً المعاهدات والمواثيق التي تعقد مع الكيان الصهيوني تنسف قبل انعقادها .

وهذا ما حدده بوش أن " إسرائيل" هي النموذج الأمثل للمنطقة العربية وأن أعدائها تحيط بها من كل جانب ، هذا كله ، مع وجود المعاهدات التي عقدت تحت الراية الأمريكية وتحت راية الأمم المتحدة الذي تساعد الكيان الصهيوني باعتبارنا أعداء، تبقي المشكلة الحقيقية لدينا نحن وكيف نتعامل مع معه هل هو عدو ، أم أنه صديق ولا توجد بينهما مساحة مشتركة والأفضل أن نعامل بالمثل ، ويجب تقديم الصهاينة علي أنهم أعداء كما يعتبروننا ، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بوجود خطة منهجية استراتيجية في كيفية التعامل مع هذا العدو ، الأمر الذي يتطلب منا حشد الطاقات والإمكانيات وإعطاء الصلاحيات الكاملة للأجهزة في جميع القطاعات ، حتى يكون هناك محافظة علي المصالح العربية العليا التي تقوم علي المصلحة الجماعية بغض النظر عن الفردية والمكان الذي توجد فيه ، لأن الأهم هو النظرة الشمولية التي تجتمع تحت رايتها الأمة ، لأنه عندما تبحث كل دولة عن مصالحها علي حدة فإنة يمكن أن يتم ابتلاعها بسهوله ويسر وهذا ما يحدث فعلاً ، ألم نشارك نحن أيضاً في تضخيم الموساد والدور الصهيوني في المنطقة حتى أننا صدقنا أنفسنا في عدم القدرة علي المواجهة ، ألم تستطيع حماس بصغر حجمها بالنسبة إلي إمكانيات الدول العربية أن تهز الكيان الصهيوني وتحطم الحلم الصهيوني بالتوسع واستطاعت أن تدق مسماراً في تابوت اليهود ولا أحد يستطيع أن ينزع ذاك المسمار لأنة مثبت بقوة العقيدة والمقاومة ، تلك النجاحات من المفروض أن تزيد من توسيع عمليات المواجهة لأن الأصل فيها البقاء والحتمية لأنه صراع عقدي وليس صراع مصالح وسياسات لأنة إذا كان كذلك ستكون النهاية في صالح الصهاينة لأنه متفوق علينا فيها أما إذا كان صراعاًعقدياً فإن الأمر مختلف ، ولنري تلك النجاحات الظاهرية الوقتية التي حققها الصهاينة باستشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي ، أنها لم تحقق بعداً استراتيجياً للصهاينة ، بل حققت نصراً لحركة حماس ، أما إذا كانت بمقياس المصالح هي سببت ضرراً لحركة حماس بإيجاد فراغ قيادي فيها كما فكر الصهاينة ، أما إذا قيست عقائدياً فإن الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي قد نالا الشهادة وهذا أعلي المراتب للشخص لأن فيها نصر له ، كذلك استفادت منها حركة حماس بأن أعادت التركيبة القيادية التي من خلالها أوجدت قادة يتعاملون مع الكيان الصهيوني بسرية عالية وتخطيط قوي ودقيق ملحوظ علي أرض الواقع ، وهذا واضح جداً من خلال العمليات الأخيرة ، وإذا كان موجوداً من قبل فإنه ليس بهذه البراعة ، بل إن الدور المطلوب هو أن لا يتمكن جهاز المخابرات الصهيونية " الموساد " ولا أجهزة الأمن الأخرى من رصد حركة المقاومة التي تعرف جيداً ماهية المواجهة وحتمية الصراع الأبدي مع الصهيونية وكيفية مقاومتها.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026