على خلاف ما يجري مع الكثير من حركات التحرر أو الأحزاب بشكل عام والتي ما إن تنقضي بعض سني عمرها وإلا وتظهر بوادر شيخوختها وأفول نجمها فإن حماس تزداد ألقا وفتوة مع تقادم الأيام وتغدو…
على خلاف ما يجري مع الكثير من حركات التحرر أو الأحزاب بشكل عام والتي ما إن تنقضي بعض سني عمرها وإلا وتظهر بوادر شيخوختها وأفول نجمها، فإن حماس تزداد ألقاً وفتوة مع تقادم الأيام وتغدو أكثر رسوخاً وحضوراً في فلسطين الأرض التي شهدت ولادتها ونموها السريع حتى اشتد عودها، وفي قلوب محبيها ومعتنقي خيارها ونهجها في فلسطين وخارجها، فحيثما كانت هناك حاجة لاستحضار أنموذج لتجربة مقاومة أو كيان ممانعة أو سلطة تجدف عكس تيار المشاريع المناوئة لعقيدة الأمة وثقافتها تكون حماس الأنموذج الأول وربما الوحيد، وحيثما أريد الاستشهاد بتجربة إسلامية ناضجة وفاعلة، داعية ومجاهدة، وسطية وغير مستكينة، متوازنة ومتأنية، وقادرة في الوقت ذاته على امتلاك زمام المبادرة في اللحظة المناسبة لقلب الطاولة على المتآمرين على مشروعها، فإن حماس تكون الحاضر المتفرد، لتشكل مدرسة متكاملة وتجربة ثرية لم تنل بعد حقها المناسب من الدراسة الفاحصة والشاملة.
دأبت حماس على مدى التسع عشرة سنة الأولى من عمرها أن تحتفل بانطلاقتها وعينها على حجم بلائها في ميدان المقاومة، وكذا كان حال من يسلط الضوء على تجربتها المنقضية بعد كل سنة من عمرها. لكنها منذ عامين تحيي هذه الذكرى وقد أضيف إلى كاهلها عبء الحكم المحاصر والشرعية السياسية المتآمر عليها، وهي إضافات لا تقل أهمية عن متلازمة المقاومة إن على صعيد الإنجاز أو القيمة.
قد ينظر بعض المحللين إلى تجربة حماس بعد 21 عاما على انطلاقها معتبرين أنها منيت بانتكاسة بعد مسيرة حافلة بالتألق في مسار المقاومة النوعية، وهذه الانتكاسة مردها (برأيهم) الانغماس في تجربة السلطة ومشاكلها وتحدياتها و (أوحالها)، رغم أنك كنت ستجد بعضهم سيعيب اليوم على حماس عزوفها عن السياسية وعن بلورة برنامج سياسي لو أنها لم تدخل الانتخابات ولم تتول شطرا من السلطة أو تشارك في إدارة شؤون شعبها.
كثيرون من خصوم الحركة أو حتى بعض المستقلين سياسياً قالوا إن المحك الحقيقي لأية حركة ليس المقاومة وحسب بل خوض غمار العمل السياسي والثبات تحت وطأة متطلبات الحكم وإدارة شؤون الناس، غير أن هذه النبرة خفتت الآن لتجد أن من كان يعيب على الحركة اكتفاءها بالمقاومة ينكر عليها اليوم انشغالها بالسلطة واهتمامها بتثبيت دعائم حكمها في القطاع، رغم أنها تهتم بالقدر ذاته – وربما أكثر – بتطوير مقاومتها وتحسين وسائلها وتمتين صفوفها، ورغم أن معارك المواجهة المباشرة في التوغلات الصهيونية تكاد تكون حكراً على مرابطي القسام الذين يتحركون وفق آلية نظامية وليس عبر تشكيلات متفرقة أو بدوافع مزاجية.
إن تجربة حماس في الحكم لم تكن سهلة أو مفروشة بالورود، ولعلها في وضعها اليوم تعاني جبلاً من التحديات أعظم من تلك التي كانت تجابهها قبل الانتخابات، لأن حماس لم تختر الدرب الذي كان سيتكفل بفتح أبواب العالم كلها لها، حين كان كل المطلوب منها اعترافاً بالشروط الدولية التي فرضت عليها بعيد فوزها في الانتخابات، غير أن انحياز الحركة لثوابتها ولحقوق شعبها التي جاءت لحمايتها حدد لها خياراتها وألزمها بأن تستطيب السير في حقل من الألغام وأن تتقدم ببطء ومشقة قبل بلوغها غاياتها الكبرى.
ولهذا كان من الطبيعي أن نلمس تطورات على كثير من المظاهر التي رافقت سلطة أوسلو ونرى كيف حولتها حماس إلى أشكال إيجابية، فالسلطة المكبلة بقيود الاتفاقات الأمنية والاقتصادية تحررت من هذه العقدة في غزة، والأجهزة الأمنية التي كان التنسيق الأمني والتجسس على المجاهدين خيارها الوحيد صارت أجهزة وطنية يتقدم فرسانها صفوف المواجهة مع العدو بمباركة سياسية من سلطة الحركة الشرعية.
ولذلك فإن المسارعة للحكم على تجربة حماس في الحكم انطلاقاً من إفرازات الحصار فيه إجحاف كبير بحق حركة عظيمة أبت أن تساوم على الحقوق مقابل أن يسلم رأسها وتصفو لها دنياها، فالحصار لم تأت به حماس بل هو إفراز لواقع عالمي رديء يأبى أن يسلم بأن ينشأ في خاصرة الدولة الصهيونية كيان حر ذو أجندة مقاومة وبرنامج وطني خالص، الأمر الذي يكشف حقيقة مشروع أوسلو برمته وكيف أنه لا يمكن أن يتمخض إلا عن دولة ممسوخة مسلوبة الإرادة، ومهيمن على قرارها، ومستجيبة لجميع الإملاءات المفروضة عليها من المحتل.
وليس من قبيل المبالغة أو الشطط أن نضيف حدث الحسم في غزة إلى سلسلة الأحداث المفصلية التي مثلت تطوراً هاماً في مسيرة الحركة بشكل خاص والقضية الفلسطينية عموما، كالانسحاب الصهيوني من غزة عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006، فإن كان هذان الحدثان قد مثلا انتصاراً لخيار المقاومة الذي تحمله الحركة، فإن الحسم في غزة صيف 2007 أثبت أن الحركة تجاوزت بكثير أي رهان على إمكانية استئصالها بالقوة المسلحة حتى ولو تواطأ عليها العالم بأسره، وأنها ستظل في كل آن تحتفظ بأوراق قوة تمكنها من قلب أعتى مخططات تصفيتها بالاتجاه المضاد، تماماً كما كانت قد أثبتت قبل ذلك ألا سبيل لاحتوائها سياسياً وانتزاع التنازلات والمواقف منها مقابل السلطة والمناصب!
واليوم، تحيي الحركة ذكرى ميلادها الواحدة والعشرين وقد تيقنت أن جبهات المواجهة المفتوحة على مختلف حدودها تتسع من عام لآخر، ليس لخلل في منهجها أو انحراف في فهمها وتعاطيها مع الواقع، بل لتيقنها أن الله اجتباها لتكون رأس الحربة في مقارعة كل أشكال الخطوب ولتجري عليها مختلف ضروب الابتلاء من بطش العدو وبغي أعوانه وتواطؤ الأقربين من فلسطينيين وعرب، وكأن حماس صارت الخصم الأوحد لمجرمي هذا العصر ولعبيد أمريكا وأعوان إسرائيل، كيف لا وهي التي شذت عن منطق الإذعان والتطويع، وحملت ملامح الطائفة المنصورة وخصائصها، وما زالت تمضي في مسيرتها وزادها عقيدة وصمود، وجَلَد وجهاد، حتى لو ظن الواهمون أن قهر أبناء الحركة في الضفة وحصارهم في غزة سيفسد عليهم يقينهم بأنهم على الحق وأن موعدهم مع الصبح قادم لا محالة.