إبادة شعب مقاوم

إبادة شعب مقاوم

د. رفيق حبيب
2008-12-04

ما يحدث في قطاع غزة منذ ما يقرب من عام ونصف يمثل جريمة بكل المقاييس الإنسانية والدولية والدينية وهو جريمة طبقا لكل قانون أو عرف عرفته البشرية حتى الآن وهو أيضا جريمة لا يمحوها التاريخ…

ما يحدث في قطاع غزة منذ ما يقرب من عام ونصف، يمثل جريمة بكل المقاييس الإنسانية والدولية والدينية. وهو جريمة طبقاً لكل قانون أو عرف عرفته البشرية حتى الآن. وهو أيضاً جريمة لا يمحوها التاريخ ولا تسقط من ذاكرة البشر، ولن تسقط من ذاكرة الأمة العربية والإسلامية، مهما مرت الأيام والسنون. وهي في نفس الوقت جريمة سوف يعاقب كل من اشترك فيها، وكل من أيد أو تورط أو ساعد أو ساهم فيها. فالتاريخ شاهد على سقوط كل مجرمي الحرب، ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، خاصة جريمة الإبادة. وكل شعب واجه جرائم إبادة، استطاع أن يواجه المعتدين عليه، إلا الشعوب التي تم إبادتها بالفعل وانتهت تاريخياً. وأمتنا لا تموت ولن تنتهي، ولهذا فهي سوف ستحاسب المعتدين عليها، وتقتص منهم في نهاية الأمر.

 

وما يحدث في غزة هو جريمة إبادة لمليون ونصف المليون إنسان، ربما تكون أول جريمة إبادة مشروطة، وربما يكون هذا نوع من التقدم في الوحشية وعدم الإنسانية. فالظاهر أن حصار قطاع غزة وتجويعه يهدف إلى الضغط على سكان القطاع لإسقاط حكومة حركة حماس. والكل يعلم أن حركة حماس ليست كائن من الفضاء، بل هي حركة موجودة داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وكذلك في الشتات. والكل يعلم أيضاً أن حركة حماس هي حركة جماهيرية، ومعنى هذا أن جزءاً مهما من سكان قطاع غزة ينتمي لهذه الحركة. ومعنى هذا أن المطلوب ليس إسقاط حركة حماس، بل المطلوب هو الضغط على سكان القطاع ليرفضوا حركة حماس ويخرجوا منها وعليها. وكأن عملية الإبادة هي نوع من الضغط على شعب ليغير اتجاهاته ومواقفه السياسية. والمشكلة ليست بالطبع في حركة سياسية، ولكن في حركة سياسية تتبنى المقاومة كنهج أساسي لها. إذن المطلوب هو إرغام الشعب الفلسطيني عن طريق تعريض سكان قطاع غزة للإبادة، حتى يتخلى عن نهج المقاومة. وهذا معناه أن ما يحدث هو استخدام لسكان القطاع المدنيين، لوقف المقاومة وضرب حركاتها، خاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي. أي أننا بصدد عملية إبادة للمدنيين، تستخدم كوسيلة لضرب حركات المقاومة، التي فشل الكيان الصهيوني في التعامل معها عسكرياً، وتحقيق نصر عسكري عليها. وطبقاً لكل المواثيق والأعراف، يعد هذا جريمة حرب متكاملة الأركان.

 

أما القول بأن ما يحدث ناتج عن الانقسام الفلسطيني، فهو قول مجافي للحقيقة. فالكيان الصهيوني لا يضغط على سكان القطاع من أجل تحقيق الوحدة الفلسطينية، ولكن يضغط على سكان القطاع لدفعهم لرفض نهج المقاومة، أي لدفعهم للاستسلام، والخضوع للسلطة الفلسطينية التي وافقت على وقف المقاومة والخضوع لعملية الابتزاز الإسرائيلي من خلال المفاوضات المباشرة. فما يحدث هو محاولة من جانب الكيان الصهيوني لضرب القوى التي لا توافق على عملية التسوية، والتي وافقت عليها قيادات حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. ومعنى هذا أن سكان قطاع غزة رهائن في يد الاحتلال الإسرائيلي، يحاول من خلال عملية تعريضهم للموت، أن يضغط على الشعب الفلسطيني كله كي يستسلم، ويسلم القوى المقاومة أو ينقلب عليها، رغم أنها في الواقع جزء منه. فالأمر لا علاقة له بالانقسام الفلسطيني، إلا من باب واحد، وهو أن الخلاف بين حركة حماس وقيادات حركة فتح، هو حول دور المقاومة أساساً. والحوار بين الطرفين يتعطل دائماً، لأن المطلوب من حركة حماس أن تتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة. ولذا يصبح المطلوب هو تحقيق التوافق الفلسطيني بالاتفاق على رفض المقاومة، وعندئذ يتم القضاء على المقاومة، وتنضم حركة حماس للمتآمرين على حقوق الشعب الفلسطيني، والمتآمرين على حقه في المقاومة. وبهذا يكون الهدف من حصار قطاع غزة، هو إخضاع حركة حماس للشروط الإسرائيلية، ودعم جناح التفاوض والتسوية في حركة فتح، لفتح الباب أمام تسوية نهائية تضمن أمن "إسرائيل"، وتهدر حقوق الشعب الفلسطيني.

 

وبهذا تكون الدول العربية الساكتة عما يحدث، جزءاً من هذا التواطؤ الدولي الهادف إلى القضاء على المقاومة وضرب حركاتها، خاصة حركة حماس. وهنا نؤكد على أن كل المجتمع الدولي مسئول عما يحدث، وأن منظمة الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية مسئولة عما يحدث، وأن الولايات المتحدة الأمريكية، هي شريك أصيل فيما يحدث. ونضيف لذلك، أن النظام السياسي العربي أصبح متورطاً في عملية إبادة شعب عربي، وهو بهذا كتب شهادة وفاته. وأيضاً نضيف لذلك، أن النظام الحاكم في مصر أصبح طرفاً متورطاً فيما يحدث، بسبب إغلاقه لمعبر رفح، رغم أن هذا المعبر يمكن أن ينقذ سكان القطاع مما يحدث لهم، ورغم أن ذلك هو واجب مصر تجاه سكان القطاع وواجبها نحو أمنها القومي وواجبها نحو أمتها العربية والإسلامية، إلا أن مصر الرسمية تشارك في تلك الجريمة، وهي بهذا تساعد الكيان الصهيوني على تحقيق أهدافه، مما يعني أن مصر الرسمية تريد القضاء على المقاومة الفلسطينية، ربما لأنها إسلامية، أو لأن مصر الرسمية ألقت بنفسها داخل مشروع التسوية الصهيوني الأمريكي.

 

إن المراقب لما يحدث يعرف أن "إسرائيل" تمارس سياسة الاقتراب من حافة الموت مع سكان قطاع غزة، وعندما يصل الأمر بالقطاع لحد يهدد بموت أعداد كبيرة، تقوم بعملية إنقاذ محدودة، ثم تعود لعملية الحصار حتى يصل القطاع لحد الموت مرة أخرى. وهذا نوع من التعذيب الجماعي، والذي ينتج عنه موت العشرات، وتعريض غالب القطاع للجوع والفقر والبطالة. وهذا النهج هو تعذيب بالتهديد بالموت، وهو نوع من الترهيب النفسي البشع، الذي يهدف لكسر إرادة الشعب الفلسطيني. ولكن ذلك ليس إلا مرحلة من مراحل الصراع مع العدو الصهيوني، وصفحة من صفحات جرائمه. فإرادة الشعب الفلسطيني لن تنكسر، وإرادة الأمة لن تنكسر، وكل من شارك في هذه الجريمة سوف يلقى حسابه، ولن يفلت من العقاب.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026