غزة إذ تحاصر الحصار

غزة إذ تحاصر الحصار

د. أيمن دراغمة
2008-11-30

لقد ثارت قريش بما تملك من مجموع أخلاقي ومبادىء قيمية إنسانية تتفوق على الجاهلية الحديثة على حصار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وأقاربه في الشعب فانتصرت لقيم تقدمية في زمن الجاهلية…

لقد ثارت قريش بما تملك من مجموع أخلاقي ومبادىء قيمية إنسانية تتفوق على الجاهلية الحديثة على حصار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وأقاربه في الشِعب فانتصرت لقيم تقدمية في زمن الجاهلية، ولم يستطع أهل مكة أن يصبروا على حصار قيمهم ومبادئهم فانتصروا لأنفسهم، نقول هذا في زمن تدعي فيه الحضارة الغربية تميزها بمنظومة من القيم والأخلاق الإنسانية التي أثبتت عدم صدقها، حيث أن المعيار الأخلاقي ما يرتبط بقيم مادية ويتحول لقيمة تجارية يفقد معناه، فمنذ نشأت منظمة الأمم المتحدة ووضعت العديد من القوانين والمبادىء، ومنها القانون الدولي الإنساني، لم نجد عدلا في استخدام كل هذه المنظومة، والدولة القوية تفرض على هيئة الأمم أجندتها، وترتيب أولوياتها، فيصبح تجويع شعب كامل وحصاره مسألة فيها نظر، ومع ذلك وجدنا تحركا إنسانيا أوروبيا وتضامنا شعبيا ومؤسساتيا عجزت عنه الشعوب العربية المجاورة، حيث أن المطلوب توفير الغطاء والدعم العربي الرسمي والشعبي لفتح معبر رفح.

 

لم تعد مسألة حصار غزة مسألة مزاج باراك وردة فعله على صواريخ المقاومة، بل إن الأمر أصبح سياسة احتلال وسط صمت دولي وتواطؤ أمريكي وعجز عربي، مما نتج عنه حصار مليون ونصف المليون إنسان في ظروف غاية في الصعوبة أجبرتهم على البحث عن كل البدائل وأن لا يرفعوا الرايات البيضاء فللموقف ثمن، وللمواقف ضريبة، وقد دفعت غزة جراء موقفها وصمودها وصبرها الخيرة من أبنائها شهداء، إما بقصف أو توغل أو تحت الأنفاق، أو لنقص الدواء أو لمنع السفر، ومع ذلك فإن شعب غزة هاشم يكبر ويكبر في عيون أمته وفي عيون العالم، فقد أبت أن تسلم أبناءها أو أن تنتزع منها المواقف.

 

إنها الأسطورة التي يجب أن يفخر بها كل فلسطيني وكل عربي وكل مسلم وكل مناصر لقضايا التحرر، فمع شدة الحصار، وقلة الموارد، وكثرة السكان، وكثرة المتاعب و المصائب، إلا أن بحر غزة لم يبخل على أبنائه، ولم تتنكر تربة رفح وباطنها لساكنيها، وأظهرت الشدائد نوادر من التعاون والتكاتف والتماسك وأظهرت العقول الغزية إبداعا قل نظيره في العالم، حتى بدأنا نسمع عن أمور وروايات وإبداعات للتكيف مع الواقع ومحاصرة الحصار، لن نكن نتوقعها.

 

إن غزة هاشم تحاصر الجميع، وتقيم الحجة على الجميع، وتضع كل عند مسؤولياته، وسيكتب التاريخ حكاية غزة والأنفاق، وصنعة تحويل السولار إلى كاز ومغامرة تهريب الغاز تحت الأرض، وإبداعات شباب غزة وقصصهم في كسر الحصار، سيكتب التاريخ عدد السفن الأوروبية التي أبحرت من لارنكا لشواطىء غزة، وأسماء البرلمانيين الأوروبيين على ظهرها، والوفود العربية والفلسطينية التي ركبت البحر وحاصرت الحصار.

 

وسيكتب التاريخ تخلف أقوام، وتآمر آخرين، فأنى للتاريخ أن ينسى، والتاريخ لا يكيل إلا بمكيال واحد، وإنها الأيام وإنها دول.

 

ومع كل ما ألم بأهل غزة، وما يعانونه من شظف العيش، وصعوبة الحال، إلا أن في حصار غزة الدروس الكثيرة، دروس الثبات، دروس الصبر، دروس التكيف، دروس اختراق الحواجز، دروس محاصرة الحصار، وحقا حق لغزة أن تحاصر الجميع.

 

إنها ليست الأولى التي يسجل فيها لأهل غزة مواقف أسطورية وبطولية ومبدئية وعلمية في الوقت نفسه، فغزة بحبات رملها وموجات بحرها قاومت الاحتلال حتى أرغمته على الخروج من القطاع، وغزة في كل يوم تتصدى لقوى الاحتلال الظلامية بصدور أبنائها.

 

إن صمود أهالي غزة أخجل الجميع وحاصر الحصار، وأقام الحجة على كل العرب والمسلمين، لم تترك غزة للمعذرين أي عذر، فأي عذر سيقبل لرام الله التي لاذت بالصمت، ولم تتسع شوارعها العريضة لمسيرة أو اعتصام، أي عذر لمؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية، أي عذر سيقبل من المؤسسات الإعلامية التي لم تقم بواجبها تجاه الواجب على أكمل وجه.

 

إن العالم كله يتغير من حولنا، حيث إن قوى الحصار تضعف قوتها وينحسر نفوذها، وهذه المعادلة الجديدة، استقبلها كل العالم بارتياح وترحاب، والتقطتها كل الدول، واستعدت لها، حتى أن البعض بدأ استعداده مبكراً وقبل ظهور ألازمة، ونحن كفلسطينيين من المهم أن نأخذ المعادلة الجديدة بعين الاعتبار، والواقع الجديد سيكون لصالح قوى الصمود والمقاومة والممانعة، وسيعطي مساحة أكبر لبروز قوى دولية وأقطاب عالمية جديدة، تخفف من هيمنة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية العالمية، على مقدرات العالم، وهذا الواقع بدأ يلقي بظلاله بقوة على الساحة الدولية وبالطبع سيترك ظلاً على وضعنا الفلسطيني والعربي، ولذا فعلينا أن نلتقط الفرصة ونخطط للاستفادة منها، وأول الغيث دائما قطرة.

 

لم تترك غزة لنا عذراً، فعذابات غزة تناشدنا أن نتوحد وأن نلجأ للوحدة ولمقاومة مشاريع الاحتلال، ولنكن أوفياء لوصايا الشهداء، لنرجع إلى مواثيقنا الفلسطينية التي وقعنا عليها ابتداءً من القاهرة 2005، ومروراً بوثيقة الأسرى "وثيقة الوفاق الوطني"، وتوافقنا مع ما نصرح به أمام شاشات الفضائيات من مصلحة وطنية عليا، ولنعلم أنه لا يمكن أن نحمل بطيختان بيد واحدة، فلا يمكن أن نلتزم للاحتلال ولأمريكا بتطبيق خارطة الطريق في الضفة وأن نذهب لحوار فلسطيني فلسطيني من أجل ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، إذا كان هناك مفاضلة فلا يستوي الحوار الداخلي وأهميته وضرورته مع الحوار مع الرباعية وشروطها، أو الحوار غير المجدي مع أولمرت، فإذا كانت لقاءات أكثر من عام لم تستطع أن تحرك حاجزاً من أمام رام الله، فأنى لهذه اللقاءات أن تنهي الاحتلال أو توقف الاستيطان، أو تمنع تهويد القدس. أم أننا أصبحنا في حالة من الضعف، لا نملك إلا أن نقول نعم، وكل مرة تأتينا فيها رايس، ليس لدينا إلا أن نستمع لنصائحها.

 

إن حال غزة وما تتعرض له من حصار وتجويع لا يختلف عن ما تتعرض له الضفة من حملة توسيع الاستيطان وزيادة الحواجز، ومواصلة الاعتقالات وطرد أهل القدس من القدس، ولا نملك إلا رداً واحداً، إبقاء الحال على ما هو عليه، ومواصلة المفاوضات.

 

لقد أصبحت مسألة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي مسألة استراتيجية لمواكبة التغيرات الدولية، والاستعداد لوضع فلسطيني جديد تتنازل فيه عن الأنانية الحزبية والشخصية لصالح المشروع الوطني.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026