يعتقد بعض الانتهازيين أن التظاهر بالتدين والتدين الحقيقي سيان ويعتقد هؤلاء في إسقاط ذاتي مريع أن الجمهور غبي ومغفل وسينطلي عليه الخداع حين يقرر أحد ما أن يتاجر بالدين ومكارم الأخلاق…
يعتقد بعض الانتهازيين أن التظاهر بالتَّدَيُّنِ والتَّدَيُّنَ الحقيقيَّ سِيَّان، ويعتقد هؤلاء - في إسقاط ذاتي مريع - أن الجمهور غبي ومغفل وسينطلي عليه الخداع حين يقرر أحدٌ ما أن يتاجر بالدين ومكارم الأخلاق والالتزام. يظنون أن التمثيل السمج للزعيم الأخرق الذي تنازل وقرر أن يصلي مرة أو مرتين في السنة - يظنون أن هذا التمثيل مقنع؛ وأن صورة الكاميرا وهي تنقل ملامح الخشوع المفتعل من على وجه القائد الهمام هي صورة معبرة عن قيمة محترمة. ويأملون في أن الدعاء المسجوع الذي يلغو به خطيب مأجور أو مغلوبٌ على أمره ويسأل به الله أن يطيل عمر زعيمه الفاسد المتنازل عن ثوابت الأمة - يأملون بكل خفة أن يلامس شغاف قلوب الناس ولكن هيهات (بكل واقعية فإن "ماكينة" الزعيم لا تأمل في أن يكون دعاء شيخ السوء مستجابًا لأنها بالاستقراء تتابع دعوات علماء السلاطين لمستخدميهم على مدى العقود الماضية ولا تجد لها أي أثر استجابة؛ خصوصًا في البند المتعلق بأن "يرزقه الله بالبطانة الصالحة"؛ ومن لم يصدق فليراجع أسماء مستشاري المعنِيِّين وسِيَرِهُم الذاتية)
فهل رأى أحد صورة الزعيم الذي ينتر راحتيه مُتَأَفِّفًا للتكبير للصلاة - كما يظهر في نشرات الأخبار- ولم يسأل نفسه ما بال الصلاة تبين ثقيلة على وجه هذه الخشبة المسندة كل هذا القدر؟ وهل سمع أحد تصريح الشيخ المشري وهو يشهد لسيده بالحرص على كتاب الله عزوجل وحفظ القرآن الكريم وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا واشمأزَّ من مفتي السوء الذي يعرف جيِّدًا أن من اكتراه عمامةً تظلل انحرافه وسقوطه؛ لا يحفظ الفاتحة غيبًا؟!
الناس تعرف هؤلاء بسيماهم وأقوالهم وأفعالهم؛ وكذلك هي تعرف جنود الدين الحق وترى ملامح الصدق في التصاقهم به قولاً وفعلاً دون افتعالٍ أو تكلف؛ ودون سعيٍ لكسب عرضٍ من عروض الدنيا من وراء تدينها (هذا ضمن المتاح من وسائل الإدراك البشري ودون زعمٍ باختراقٍ لحُجُبِ غيب النوايا والسرائر التي لا يطلع عليها إلا الله وحده)
فالناس حين ترى قادة حماس يقسمون "والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" تصدق أن القوم يعرفون ما يقولون ويتحملون مسؤوليته؛ كيف لا ورؤوس القوم الحاضرين الهاتفين قدموا أولادهم شهداء في معركة الجهاد ضد الصهاينة؟ وقد يحاول بعض المكابرين أن يرسم لهذا القسم صورة الترديد النمطي والشعاراتي الأجوف - قياسًا على تنظيمه المتحجر وفكره الذي تجاوزه الزمن وأغرقه طغيان الشهوات التي قعدت بهمم "مناضلي الأمس" - لكن الأحداث ما انفكت تصدِّق قادة حماس وتنتصر لرواية الحركة الإسلامية؛ وتحط من شأن أكاذيب خصومها. فها هي كتائب القسام - وبعد ساعات من هتاف القادة للجهاد في مسيرة نصرة الضفة الجريحة - ها هي الكتائب فعلت مرة أخرى ما سبق وقالت أنها ستفعله؛ ولقنت العدو الصهيوني درسًا قاسيًا جرَّاء خرقه الهدنة؛ ونقلت المعركة إلى مستوىً أعلى حين استهدفت مدينة عسقلان - المجدل- بصواريخ "غراد". كتائب القسام ضربت ضربتها بأعصاب باردة ووجه هادئ ساكن مطمئن وشفعت القصف برسالة واضحة للعدو أن انتبه وارعوِ؛ فلن يُسمح لك بأن تحدد وحدك مواعيد خرق التهدئة وفرص الحفاظ عليها أو تجاوزها.
أما القيادة السياسية لحماس فلم تقلَّ مباشرةً وقسوةً على العدو - والمنافقين المرجفين معه - حين تحدثت على ألسنة عددٍ من رموزها - وعلى رأسهم أبو الشهيدين محمود الزهار - بلغة واضحة تقول للعدو إن تَضْرِب تُضرب! وإن كنت تبحث عن مستسلمين خائفين يحرصون على الحياة - و"المكاسب" و"الكراسي" كما قال فريق الإرجاف المعتاد على الاسقاط الذاتي المقرف - فقد أخطأت العنوان!
وها نحن عشنا لنرى حكومة الصهاينة تهدد وترعد وتزبد أكثر مما تنجز؛ وتتهم حماس حرفيًّا أنها "نفذت خرقًا سافرًا للتهدئة" كما قال الإعلام الرسمي للكيان (طبعًا نهدي هذا التصريح لكل من يشكك في مقاومة حماس من فوق برجه العاجي أو "كومة التبن" التي يعتليها)
إن تصريحًا كهذا لا يخلق عندنا أية أوهام بخصوص قوة الكيان وميزان القوى المطلقة بين المقاومة وعدوها؛ ونحن نعلم جليًّا أن الكيان سوف لن يكف عن ضرب غزة أو التخطيط لضربها بقسوة مفرطة؛ لكن المعطى الجديد في المعادلة - والذي يصر البعض على أن يعمي بصره وبصيرته عنه - أن الحركة الإسلامية نجحت لأول مرة في توظيف كل الأحداث والإمكانات لخدمة المقاومة؛ ووفرت في قطاع غزة بيئة تصل الليل بالنهار للبناء للمقاومة؛ وتحول "التهدئة" إلى مناسبة لتجنيد المزيد من الشباب وتهريب المزيد من الأسلحة وتجريب واجتراح أساليب قتال ومقاومة جديدة - وهذا يأتي على النقيض مع ما اعتادته أمتنا عبر عقودٍ طويلة في تاريخها المعاصر؛ حين كانت ترى أكبر المؤامرات وأعظم البلايا يخطط لها وتنفذ في أوقات "الهدنة" ووضع السلاح!
في فلسطين هناك فريقٌ خلع نفسه من الشرف المطلق والنسبي؛ وفريقٌ آخر يتذبذب بين المقاومين والمفرطين؛ ويحلو له أن يتاجر بالمقاومة والمحافظة والشعارات الوطنية والمزايدة على فرسان القتال والنضال. لكن حين يحمى وطيس المواجهة فإن أصوات المزايدة تذوي وتخفت؛ ولا يبقى إلا صوت النفير العام وقهقهة كتيبة المدفعية الحماسية وقعقعة أسلحة القساميين ورفاقهم في فصائل المقاومة والممانعة (ممانعة نعم على سبيل "المجاكرة" في أقلام وإعلام فريق "الابتذال" أو "الاعتدال" المتأمرك) ثم يحصحص الحق بين الذين يعملون بجد؛ والذين يقولون ما لا يفعلون. بعد هذا كله؛ أفلا يستحق كل قسامي أن نردد من أجله قول الشاعر العربي كأنه كتبه في مدحه والثناء عليه حين أنشد:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم * * * مَذِقُ اللِّسَان يقولُ ما لا يفعل!