القسام.. الرهان الحقيقي والرسائل الحاضرة!

القسام.. الرهان الحقيقي والرسائل الحاضرة!

لمى خاطر
2008-11-09

كانت ليلة الرابع من تشرين الثاني استثنائية بكل المقاييس في أجواء القطاع ومثلها صباح اليوم التالي الذي عادت معه صواريخ القسام وقذائف الهاون لتدك المغتصبات الصهيونية بعد شهور على…

كانت ليلة الرابع من تشرين الثاني 2008 استثنائية بكل المقاييس في أجواء القطاع، ومثلها صباح اليوم التالي الذي عادت معه صواريخ القسام وقذائف الهاون لتدك المغتصبات الصهيونية بعد شهور على إبرام التهدئة والالتزام بها.

 

وإن كان لا زال من المبكر التنبؤ بانهيار التهدئة أو احتمالات تمديدها من عدمه، فإن الرسائل التي مهرها جنود القسام الميامين بدمهم، وصواريخ المقاومة التي انهمرت على سيدروت كثيرة وكبيرة في مغزاها.

 

لم يكن مفاجئاً لمن يعرف معدن مجاهدي كتائب القسام ما شهده من استعداد عالٍ وإقدام كبير واستبسال في المواجهة عند أول خرق صهيوني للتهدئة، ففي لحظة الجدّ وساعة الفعل استنفر الرجال الحقيقيون وتأهبوا لاستئناف مسيرة المقاومة وعاجلوا الغاصبين بالقذائف والصواريخ، وفي المقابل اختفت كل الكتائب الرقمية التي كنا يوميا نسمع منها إعلانات عن عمليات وهمية وغمزا ولمزا بحق حماس، وتنظيراً حول مساوئ التهدئة، ومعها كل الأبواق القميئة التي كانت تنعت مرابطي القسام بحراس التهدئة!

 

الآن تتجلى صورة لمشهدين متضادين لتظهر تألق الأول وبشاعة الثاني؛ حكومة غزة ومجاهدوها مقابل سلطة الضفة وعصابات أجهزتها، بين مشهد يبارك فيه الساسة رجال المقاومة ويهددون بتصعيد رقعة المواجهة في حال استمر العدوان، ومشهد ينشغل فيه حكامه بتجريد عناصرهم الأمنية من أي قيمة وطنية وبتدريبهم على التزام مقراتهم كلما أراد المحتل أن ينفذ عملية في إحدى مدن الضفة، غزة التي تتحول كلها إلى ميدان معركة كلما استعر نداء النفير، والضفة التي ابتليت بحكم الجبناء وأرباب مشاريع التخذيل والتفريط، فعدوا على خيرة رجالها واستأصلوا براعم المقاومة في مهدها وتباروا في تقديم القرابين لمشغليهم الصهاينة.

 

في التقرير الفضيحة الذي بثته القناة العاشرة الصهيونية قبل بضعة أيام حول نشاط الحملة الأمنية في الخليل كان الضابط رمضان عوض (أحد مسؤولي الحملة) يقرر بزهو وفخر أن بنادق رجاله لا توجه لصدور المستوطنين وأنهم يسارعون بإعادة كل صهيوني يدخل الخليل بطريق الخطأ بل ويحضرونه إلى مكاتبهم لشرب القهوة قبل أن يعيدوه إلى الجانب الصهيوني معززا مكرما، وفي رده على سؤال الصحفي الصهيوني حول سبب امتناعهم عن احتجاز هؤلاء المستوطنين أسوة بحماس كما فعلت بشاليط، قال: لأننا لسنا حماس، وكفى بها من شهادة لحماس بأن الله اجتباها وميز صفوفها من أشباه الرجال، وبرأها عن السقوط في وحل التنسيق الأمني الذي صار يقتضي في عرف سلطة المقاطعة أن تغدو نعلاً في حذاء محتليك وأن تكفيهم مؤونة ملاحقة المقاومين مكتفياً منهم بإيماءة رضا، كما فعل ضيوف الصحفي يحزكلي في الاستوديو الذين شاهدوا معه التقرير وسأله أحدهم عن مغزى ثنائه على أفراد الحملة وانعكاس ذلك على تفكير الفلسطينيين، فرد قائلاً: إنهم يستحقون الثناء لأنهم هم الموجودون في الضفة وليس حماس!

 

قد لا يعجب هذا التمييز الباكين على حال الانقسام السياسي بين غزة والضفة وربما رأوا فيه تعميقاً للشرخ الحاصل والهوة القائمة، غير أن المقارنة تبدو ضرورية وملحة ليقف الجميع على جوهر تجربة الحكم في غزة رغم سوء ظروفها الموضوعية وشح مواردها وواقع حصارها، ويروا كيف أن حاجتها للغذاء والدواء والوقود لم تلزم ساستها بالصمت أمام العدوان أو التذرع بحجج ضبط النفس عندما استلزمت الجريمة الصهيونية رداً موجعاً يحذر حكومة الاحتلال من التمادي في العدوان ويذكرها بأن الالتزام بالتهدئة لم ولن يتحول إلى قرار استراتيجي أو خيار لا فكاك منه.

 

وأياً كانت الأسباب وراء هذا الخرق الصهيوني الكبير للتهدئة وسواء أكان بالفعل تحركاً محدوداً لإجهاض عملية أسر جديدة للجنود كانت تعد لها حماس، أو كان بهدف جس نبض القسام في غزة ومدى استعداده مادياً ومعنويا للمواجهة فإن رسالة القسام كانت جاهزة وحاضرة، وبالغة الأثر، ومفاجئة لكثير من المتابعين والمراهنين على اعتبارات سياسية لا وجود لها في عرف أصحاب مشروع التحرر الحقيقي.

 

لا عزاء لمن يحاول أن يشبّه سقوطه بحال حماس، ويساوي بين هدوء جبهة غزة وتفانيه في قمع المقاومة ومصادرة عتادها وتعذيب رجالها، بل ويعتبر إزالة وتمزيق رايات التوحيد الخضراء من شوارع الضفة وأزقها إنجازاً وطنياً كبيرا!

 

فغزة لا تمل من إرسال إشارات تفردها من حين لآخر وتمردها على واقع الجبن والنذالة والانحطاط، وحماس القائمة فيها على شؤون الناس والممسكة بناصية الجهاد والثورة لن توقف مسيرة إعدادها ولن تستطيب جنوب مرابطيها الراحة أو تركن إلى القعود، وهي حين تقرر التوقف بين محطات المواجهة، إنما تفعل ذلك بإرادتها الحرة وفي ظل بنادق رجالها وحماة ثغورها والرابضين خلف خطوط النار.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026