قضية المعتقلين السياسيين مؤشر على إشكالية الحوار !

قضية المعتقلين السياسيين مؤشر على إشكالية الحوار !

لمى خاطر
2008-10-08

يحق لكل مطلع على حقيقة الاعتقال السياسي في الضفة وحجم المعاناة التي يكابدها معتقلو حماس في سجون السلطة أن يجزم بانتفاء أية نية صادقة لدى فتح لإنجاح الحوار وأن يوقن بأنها غير جادة…

يحق لكل مطلع على حقيقة الاعتقال السياسي في الضفة وحجم المعاناة التي يكابدها معتقلو حماس في سجون السلطة أن يجزم بانتفاء أية نية صادقة لدى فتح لإنجاح الحوار، وأن يوقن بأنها غير جادة ولا معنية بالتوصل لصيغة توافق وطني من أي نوع في حوار القاهرة، بل لعل هذه القضية تعطي مؤشراً على أن جولات الحوار المرتقبة لن تكون سوى غطاء لأهداف أخرى ترمي فتح لتحصيلها، وهي أهداف بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية ولا تصب في خانة المصالحة.

 

وقضية الاعتقال السياسي في الضفة لم تعد مجرد جزء مما يسمى بحالة المناكفة بين غزة والضفة على إثر الانقسام بين فتح وحماس، فضلاً عن أن الكذبة الكبيرة التي رافقتها منذ بدايتها وسوقتها كمبرر لمنع استنساخ تجربة الحسم في غزة باتت متهافتة أكثر من أي وقت مضى، ولم تعد تنطلي سوى على عقول مرتزقة الأجهزة الأمنية وجلاديها وقطاع من جمهور فتح الجاهل الذي يهمه فقط أن يجد مبرراً يرضي ضميره (المعطوب أصلاً) لأشكال العدوان المختلفة على الوطنية والأخلاق والقيم التي تدير دفتها أجهزة عباس في الضفة بإيعاز من نظرائها الصهاينة والأمريكان!

 

قد يقول من استمرأ القراءة المغلوطة للواقع: إن الحديث عن الاعتقال السياسي يجب أن يكون شاملاً ويتناول الضفة وغزة على حد سواء، غير أن هؤلاء بات عليهم الآن إدراك الفرق بين حقيقة المشهدين، فحماس في الضفة لم يصدر عنها قبل الحسم أو بعده أي محاولة للرد على جرائم الأجهزة الأمنية، وهي أصلاً لم تكن تواجه الاعتداء عليها بقوة السلاح، بل ما زالت تؤثر الصبر والعض على الجراح، ورغم أنه سيكون من الطبيعي أن يفرز حجم الاستهداف وبشاعته ردود فعل مختلفة للدفاع عن النفس إلا أنه لم يسجل حتى الآن محاولة واحدة – ولو فردية – لحماس لمقاومة اعتداءات الأجهزة الأمنية المختلفة على كوادرها ومؤسساتها.

 

أما على صعيد الخطاب الإعلامي لرموز الحركة في الضفة فقد كان ولا زال تصالحياً لأبعد الحدود، بل إنه في بعض الأحيان يبالغ في لهجة حسن النية ويظهر قدراً من التعقل يبدو مزعجاً وغير مفهوم أمام سطوة العدوان السلطوي على جميع مظاهر الوجود الحمساوي.

 

 كل هذا لم يشفع لحماس في الضفة، ولم يكن كافياً لإقناع حكومة المقاطعة بأن معركة حماس في الضفة ليست معها وأن نية التصعيد تجاهها ليست بوارد الحركة، ووجدنا أن استهداف حماس يتصاعد وتتسع دائرة أهدافه، والسبب بطبيعة الحال أن الحرب على حماس هي أكبر من مجرد مناكفات فصائلية داخلية أو تصفية حسابات أو ثارات بين شطري الوطن كما يصور الغارقون في (عسل) الوهم والمرددون لأسطوانة (الانقسام) المشروخة، متناسين أبعاد كل ما رشح حتى الآن من مواقف تثبت بالدليل أن استهداف حماس هو جزء من فاتورة الحساب التي يتعين على سلطة الضفة دفعها باستمرار لمشغليها لضمان استمرار تدفق الحياة في شرايين هذه السلطة، وبكلمات مختصرة فإن الرضا الصهيوني والدولي عن سلطة عباس يتناسب طردياً مع (جهودها) في الحرب على المقاومة وتحديداً حماس في الضفة.

 

أما في غزة فلم يحدث أن بدأت الاعتقالات في صفوف عناصر من فتح إلا بعد سلسلة طويلة من عمليات التخريب المختلفة التي نفذتها الحركة والتي طالت مناحي الحياة المدنية والأمنية في غزة وكانت في بدايتها تتم في وضح النهار ودونما تورع عن الإعلان عنها بل وتسويغها على لسان قادة فتح في القطاع الذين تبنوا خطاباً تحريضياً بامتياز وصل حد تبرير عمليات التفجير التي تطال مراكز الشرطة في غزة، عدا عن أن الاعتقالات تركزت على العناصر المخربة فقط، أما ما يمكن أن يعد ضمن الاعتقال السياسي فهو فقط حالات محدودة جداً ومؤقتة جاءت كردة فعل على اعتقال قيادات حماس في الضفة وبعد أن بلغت الحملة على حماس مستوى غير معقول من الإجرام.

 

إن قضية الاعتقال السياسي في الضفة لا تمس حماس فقط كفصيل مقاوم، بل هي مساس سافر بقضية الأسرى لدى الاحتلال التي تتباكى عليها كل أطياف السياسة الفلسطينية وتدرجها على سلم أولوياتها كما تردد في خطاباتها التقليدية، ذلك أن جميع الأسرى المحررين من سجون الاحتلال والمحسوبين على حماس يعاد اعتقالهم فور خروجهم على أيدي أجهزة عباس ويخضع كثيرون منهم لتحقيق قاس أو على أقل تقدير لإهانات معنوية بالغة بغض النظر عن مدد محكومياتهم لدى الاحتلال أو مكانتهم الاعتبارية كمناضلين أو أسرى محررين، فبأي حق يتم تجاهل هذه الجريمة والقفز عما تمثله من أبعاد حول طبيعة الدور الوظيفي لسلطة المقاطعة والتي يجب أن تضعها في موقعها المناسب كوكيل رسمي للاحتلال وليس كخصم سياسي قابل لتغيير سياساته بمجرد حصول توافق وطني شامل؟!

 

ومن هنا فلا مجال لتوقع وقف الاعتقالات السياسية في الضفة ولا حتى الحد منها سواء كبادرة حسن نية قبل الحوار ولا حتى كنتيجة متوقعة له، وقس على هذه القضية غيرها من القضايا الكبرى والمصيرية والجوهرية، فإن كانت سلطة عباس عاجزة عن إنهاء هذا الملف أو حتى الحد منه، رغم أنه لا يحتمل سوى قرار بإطلاق سراح الأسرى والتوقف عن الاعتقالات، فما بالكم بالقضايا الأخرى التي ما زال هناك من يظن أن يفضي حوار القاهرة إلى توافق بشأنها على أساس المصلحة الوطنية الحقيقية، بعد أن بات واقع فتح يقول: إما توافق تحت مظلة الإرادة الصهيوأمريكية وإلا فلا!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026