سبتمبر أوسلو ... ورحيل أولمرت!

سبتمبر أوسلو ... ورحيل أولمرت!

وائل كريم
2008-09-28

قبل البدء في الحديث أؤكد أنني لا أقصد من مقالي هذا ذكر محاسن الكيان المسخ وساسته إن كان هناك ثمة محاسن ولا أسعى للاقتداء بهم بحال من الأحوال فإسلامنا العظيم نظم كل ما يتعلق بحياتنا…

قبل البدء في الحديث، أؤكد أنني لا أقصد من مقالي هذا ذكر محاسن الكيان المسخ وساسته إن كان هناك ثمة محاسن، ولا أسعى للاقتداء بهم بحال من الأحوال، فإسلامنا العظيم نظم كل ما يتعلق بحياتنا وآخرتنا قبل أربعة عشر قرناً من الزمان عندما كانت البشرية تعيش مراحل التيه والظلام، إضافة لذلك فإن المقارنة بين النموذجين بالنسبة لنا كفلسطينيين لا تعدو كونها مقارنة بين الفرس والروم، أو بني قريظة وقريش!

 

تابعنا قبل يومين ما نشرته وسائل الإعلام عن الكلمة التي ألقاها السيد الرئيس في الأمم المتحدة والتي أكد فيها أنه لا يمكن قبول ازدياد وتيرة الاستيطان في الضفة والقدس في الوقت الذي تجري فيه اللقاءات الدورية بين الطرفين الصهيوني والفلسطيني للوصول لاتفاق إطار تمهيداً للشروع في بحث المسائل الخلافية قبل البدء في اتفاق الوضع النهائي، على أساس أنه إما أن يموت الملك أو جحا أو الحمار!

وقد سقط سهواً من سيادة الرئيس أن يتحدث عن الآثار التي ستترتب في حال إن استمر الكيان الصهيوني في ممارساته تلك التي تعرقل مسيرة السلام المنشود، فالأصل أن يتحدث المستاء من أمر ما عن خياراته التي قد يلجأ إليها عندما يصبح من المستحيل الاستمرار في ذات الاتجاه!

 قد نتفهم توازن السيد الرئيس المفرط ورغبته الجامحة في الظهور بمظهر البرجماتي لأبعد حد ممكن، ولذلك أعتقد أنه كان عليه ألا يصل إلى تلك المرحلة التي يُظهر فيها استياءه بما يجعله ملزماً أن يتحدث عن خيارات أخرى ستشكل التحول المنطقي عندما تتعثر كل الخطى باتجاه تحقيق السلام المنشود، لاسيما ونحن نعرف أن خيارات السيد الرئيس لا تخرج عن ذلك الإطار الذي حُدد له قبل خمسة عشر عاماً عندما وُقع اتفاق الإذعان الجديد!

 

إضافة لذلك كنت أتمنى أن يتشدد سيادته ولو لمرة واحدة مع الصهاينة كما يتشدد مع حماس، وكم كنت أتمنى أيضاًً لو أن ياسر عبد ربه أو صائب عريقات يُضربون عن لقاءات أولمرت وليفني وبارك كما يفعلون مع قادة حماس، ليس من باب أن هؤلاء صهاينة اغتصبوا أرضنا ونهبوا حقوقنا وشردوا أهلنا، وإنما من باب أن الصهاينة وحماس أعداء للمشروع الوطني الكبير من وجهة نظر عبد ربه وعريقات طبعاً. ما علينا من المعايير المختلة عند عبد ربه وعريقات.

 

طبعاً جاء هذا الحديث في سياق التمهيد للمرحلة المقبلة والتي ستشهد استحقاقا دستورياً يوم 9/ يناير/2009م عندما تنتهي ولاية عباس الرئاسية، ولذلك يسعى السيد الرئيس بكل جهد مستطاع لإقناع الشارع الفلسطيني بأنه الأقدر على إدارة الصراع مع الصهاينة، و الأوفى للتراث العرفاتي، والأجدر بحماية منجزات أوسلو البائدة، وأن سنغفورة الشرق لا يمكن أن ترضى بحال من الأحوال بغيره رئيساً وقائدا وحاميا، على الرغم من أن فكرة سنغفورة الشرق لم يتحقق منها على أرض الواقع سوى كازينو أريحا!

 

من جانب آخر لازالت عقول مستشاري السيد الرئيس تعمل بكل جهد مستطاع للخروج من هذه الورطة بأي شكل كان، فتارة يتمسكون بمادة من قانون ألغاه رئيسهم بمرسوم رئاسي، وتارة أخرى يتحدثون عن تعديل القانون الأساسي بمرسوم رئاسي وهي مصيبة وكارثة كبرى وستكون سابقة، لو تحققت ستستوجب الحجر عليه وعلى مستشاريه بسبب العته والسفه والجنون!

أما عن آخر "تقليعات" المستشارين للخروج من هذه الأزمة فقد سرب أحدهم للإعلام قبل يومين أن النقاش يجري الآن باتجاه تنصيب نائب للرئيس يعينه الرئيس بموافقة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وذلك لحماية المشروع الوطني العريض أفندي!

 

باختصار، السيد الرئيس متمسك بكرسي أوسلو مهما كلف ذلك من ثمن ولن يضيره في سبيل ذلك خرق الدستور والقانون، على الرغم من أنه لا يملك من الشرعية شيئا، ولا يخجله أنه لم يأت لفلسطين وقضيتها وشعبها سوى بالكوارث والمصائب والويلات بصفته عراب أوسلو الأول ومهندس مشروعها الأسود.

 

في المقابل تابعنا خلال الأسبوعين الماضيين العاصفة التي قلبت موازين المشهد السياسي الصهيوني رأساً على عقب عندما أُجبر أولمرت على تقديم استقالته على خلفية تحقيقات بالفساد ونحن نعلم يقيناً أن المسمار الأول في نعش أولمرت السياسي قد دُق عندما خرج تقرير فينوجراد الذي حقق في الهزيمة المدوية لجيش الاحتلال الصهيوني على يد المقاومة الإسلامية بلبنان.

 

ليس ذلك فحسب بل إن الأحزاب الصهيونية التي تسعى تسيبي ليفني رئيسة الوزراء المكلفة لضمها في ائتلافها الحكومي الجديد تشترط على ليفني أن تعرض عليهم برنامجها السياسي بتفاصيله الصغيرة قبل إبداء الموافقة من عدمها، إضافة لذلك فإن بعض الأحزاب اليمينية قد وضعت بعض المحددات لهذا البرنامج السياسي أكدت من خلالها على قُدسية الاستيطان، والقدس العاصمة الموحدة للكيان ورفض الحديث فيما يتعلق بعودة اللاجئين إلى آخر تلك الخطوط الحمر التي ترسم مسار السلام المنشود، والدافع لكل هذا هو مصلحة (إسرائيل ) العليا، فما يتوافق مع هذه المصلحة ويحققها فهو مرغوب وما يتعارض معها أو يهددها فهو مرفوض جملة وتفصيلا.

 

وليفني كسابقيها لن تستطيع اختراق تلك المحددات والخطوط الحمر بحال من الأحوال فمصلحة الكيان ومستقبله هي المحدد لأي تحرك أو مفاوضات قادمة مع الفلسطينيين، خاصةً بعد تصريح بيرز الأخير الذي طالب فيه العرب بتعديل نص المبادرة العربية حتى تصبح "ممكنة"، ولازلنا نذكر أن هذه المبادرة عليها أربعة عشر تحفظا وضعها شارون عندما عُرضت عليه!

 

في الوقت ذاته لم يبقَ لراعي السلام القادم إلا أن يخدم في احتياط الجيش الصهيوني تأكيداً منه عن الوله والعشق لـ (دولة إسرائيل) فكلماته وتعهداته بحماية دولة (إسرائيل) التي قطعها على نفسه في برنامجه الانتخابي لا تفي بالغرض ولا تعبر عن مدى العشق والانتماء، والحال لا يختلف عند باقي أقطاب الرباعية الدولية راعية عملية التسوية.

 

أمام كل هذا لازال السيد الرئيس متمسكا بكرسي أوسلو على الرغم من انعدام خياراته إلا من الاستجداء الذي لم يأتِ ولن يأتي بشيء وإن استمر ألف سنة أخرى، وعلى الرغم من افتقاره لإستراتيجية إدارة الصراع وفق محددات وخطوط حمر لا تقل عن تلك التي يتمسك بها الصهاينة إن لم تتجاوزها. وهو في ذلك لا يختلف كثيراً عن سابقه الذي اغتيل لأنه لم يفرط بالسرعة والقدر الكافيين عندما اغتيل شريكه رابين لأنه خُيل لهم أنه بالإمكان أن يفرط.

 

رغم ذلك كله ورغم مؤامرات التصفية التي تستهدف القضية وحقوقنا المقدسة، لازال الأمل معقودا على الفئة القليلة المؤمنة، وليس لنا إلا التجذر والصمود أكثر فأكثر وأن ندعو الله عز وجل أن يسلط على وكلاء الشيطان الرجيم جائحة عاجلة لا تبقي ولا تذر تأخذهم بمصائب تترى وبلايا تتعاقب حتى يذوب الشحم ويتآكل اللحم ويندق العظم وأن ينزل عليهم اللعنات لنرى فيهم يوما أسود عاجلاً غير آجل. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026