لم يكن إقدام الأجهزة الأمنية في الضفة على استدعاء عدد من الأخوات للتحقيق التجاوز الخطير الأول لها غير أن أبعاد هذه السياسة تبدو أكبر مما يظنه من يرون فيها إجراء متوقعا خاصة وأنه…
لم يكن إقدام الأجهزة الأمنية في الضفة على استدعاء عدد من الأخوات للتحقيق التجاوز الخطير الأول لها، غير أن أبعاد هذه السياسة تبدو أكبر مما يظنه من يرون فيها إجراء متوقعا خاصة وأنه يصدر عن سلطة مارست فعليا ما هو أسوأ من مجرد استدعاء النساء للتحقيق وذلك من خلال تنسيقها الأمني العلني مع الاحتلال والذي تجسد مؤخرا بإلقاء القبض على خلية عسكرية مقاومة لحماس في الخليل، ثم الإعلان عن ذلك عبر وسائل الإعلام دونما خجل! إضافة إلى عدم تورعها عن إغلاق عدة جمعيات خيرية ودور قرآن، وفرض رقابة على المساجد ومنع أبسط مظاهر النشاط الدعوي!
وبالعودة إلى ظاهرة استجواب النساء في مراكز المخابرات في الضفة فإن الصورة تبدو أكثر بشاعة إذا ما علمنا أن هناك زوجات وبنات شهداء وأسرى يتم استدعاؤهن، وفي كثير من الأحيان يتعرضن للإهانة أو يتعمد المحققون إطلاق شتائم بذيئة على مسامعهن!
وعلينا أن نتساءل هنا عن حجم الضجة التي كانت ستثار وتفتعل لو أن حكومة حماس في القطاع هي من أقدمت على استجواب إحدى النساء حول قضية ما، فما بالك لو كانت المستدعاة زوجة شهيد أو أسير لدى الاحتلال؟!
فأينها يا ترى منظمات حقوق الإنسان من إدانة هذه الظاهرة وتسليط الضوء عليها؟ خاصة وأنها تمس قطاعاً له موقع حساس في المجتمع؟
ولعل أجهزة عباس لديها عدة أسباب تدفعها لمثل هذا المسلك المشين، فهي من جهة تعتبر أن النساء في حماس هن إحدى أسباب التفوق لدى الحركة وأنهن عامل مساندة جوهري خدم الحركة في محطات عدة، كون حماس تحسن توظيف قطاعها النسائي على نحو مثمر وخلاق، وكون النساء عموماً يجدن في البيت الحمساوي الملاذ الآمن المشجع على العمل لما يوفره من بيئة مستقرة نفسياً وأجواء نظيفة ومسارات سليمة لا تشوبها مخالفات شرعية أو تجاوزات سلوكية.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن الأجهزة الأمنية وفتح بشكل عام تعتقد أنها ستحقق إنجازاً غير مسبوق إن هي استطاعت تحييد القطاع النسائي في حماس عن العمل والتفاعل عبر إرهاب هذا القطاع والتضييق نفسياً عليه وإشعاره بأنه تحت المجهر ولا يمكن أن يفلت من مرمى نيران الملاحقة والاستهداف!
ومن جهة أخرى فثمة هدف لاستدعاء النساء والتحقيق معهن يتعلق بانعكاس هذا الإجراء على أهل وأقارب المرأة ورغبة الأجهزة في أن تدفع سياستها هذه الأهل للتأثير على المرأة ومنعها من العمل لتجنب (البهدلة) التي قد تنتج عن النشاط في صفوف الحركة حتى لو كان هذا النشاط خيرياً أو دعويا أو طلابيا، وكلنا يعلم مدى حساسية وضع المرأة في المجتمع الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام وعدم تقبل هذا المجتمع إهانتها بأي شكل من الأشكال.
من المؤسف إزاء كل هذا أننا لم نلمس موقفاً إعلامياً قوياً على مستوى حماس يدين هذا الإجراء سواء على الصعيد المحلي في مدن الضفة أو على الصعيد العام للخطاب الإعلامي للحركة وناطقيها، في الوقت الذي كان مطلوباً فيه ليس فقط إثارة هذه القضية إعلامياً بصورة واسعة بل أيضاً إصدار تعميم للأخوات في جميع المناطق برفض التعاطي الإيجابي مع دعوات الاستجواب هذه والامتناع عن الذهاب لمقار المخابرات للمقابلة حتى لو أدى الأمر إلى قيام الأجهزة الأمنية باعتقال بعض الأخوات من بيوتهن، وهو الأمر الذي كان سيثير ضجة شعبية وإعلامية كبيرة في حال حدوثه، مع أنه ليس متوقعاً – على الأقل حالياً - أن تمضي تلك الأجهزة في تجاوزها لتصل ذلك الحد الذي سيجلب عليها غضبا شعبيا واسعا!
لكن الانصياع لدعوات الاستجواب والتحقيق لا يعني سوى شرعنة هذا الإجراء السافر بحق نسائنا، وجعله مقبولاً ومستساغاً في العرف العام فيما بعد، بل والتمهيد لخطوات أخرى قد تصل حد الاعتقال أيضاً، خاصة مع علمنا أن كل إجراءات السلطة وأجهزتها في الضفة قد سارت وفق نسق تدرجي حتى بلغت أسوأ مراحلها وأحط درجاتها في العدوان والذي تجاوز مؤخراً كل الخطوط الحمراء التي ما كان أحد يتوقع تجاوزها أو حتى الاقتراب منها!