التطبيع المجاني وبيع الانتفاضة

التطبيع المجاني وبيع الانتفاضة

أ.عبد الباري عطوان
2005-02-27

تتوالي الحقائق والبراهين التي تؤكد ان قمة شرم الشيخ الرباعية جاءت لانهاء الانتفاضة وفتح الباب واسعا امام التطبيع وانقاذ رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون والدولة العبرية بشكل…

تتوالي الحقائق والبراهين، التي تؤكد ان قمة شرم الشيخ الرباعية جاءت لانهاء الانتفاضة، وفتح الباب واسعا امام التطبيع وانقاذ رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون والدولة العبرية بشكل عام من ازمات اقتصادية وسياسية طاحنة.

يوم امس نشرت منظمة اوكسفام الخيرية العالمية تقريرا اعده بتكليف منها، مركز ادفا في تل ابيب حول أثر الانتفاضة الفلسطينية علي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في اسرائيل، تضمن حقائق مرعبة يمكن ان تفسر وقائع كثيرة جرت وتجري حاليا في منطقتنا العربية، مثل اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والاتيان بقيادة فلسطينية معتدلة جعلت قمة أولوياتها انهاء الانتفاضة ووقف كل عمليات المقاومة.

حتي لا نطيل، ونغرق في العموميات، نلخص وقائع هذا التقرير في النقاط الرئيسية التالية

اولا الانتفاضة الثانية ألحقت اضرارا اقتصادية واجتماعية عميقة بالاقتصاد الاسرائيلي، حيث تراجعت نسبة النمو من ثمانية في المئة عام الفين الي اقل من واحد في المئة في السنوات الاربع اللاحقة. كما انخفض الناتج العام بسبب انهيار قطاع السياحة وهروب الاستثمارات الخارجية.

ثانيا الانتفاضتان الاولي والثانية ادتا الي حدوث حالة من عدم الاستقرار السياسي، فقد انهارت خمس حكومات، واغتيل اسحق رابين، وتغيرت خريطة الكنيست بشكل متسارع، وحدثت انقسامات في اوساط الاحزاب السياسية.

ثالثا الحكومة الاسرائيلية لا تعلن حجم ميزانية الدفاع، باعتبارها من الاسرار العليا للدولة، ولكن لوحظ انه ومنذ عام 1987 جري اضافة ستة ونصف مليار دولار الي الميزانية بحجة تطورات الاوضاع في الضفة والقطاع) اي بمعني آخر انفجار الانتفاضة الاولي.

رابعا الانتفاضتان، والثانية علي وجه الخصوص احدثتا اضرارا اجتماعية بالغة، فقد ارتفعت معدلات الفقر، واختفت الطبقة الوسطي او كادت، وتراجعت الخدمات الاساسية مثل التعليم والصحة بسبب تخفيض موازناتها. كما جري تخفيض حجم المساعدات المالية للأسر الفقيرة بمعدل الثلث.

خامسا السنوات العشرون الاولي من عمر الاحتلال كانت مربحة للحكومات الاسرائيلية، لان تكاليف الاحتلال كانت محدودة للغاية، وعدد الجنود اقل، وكان الاقتصاد الاسرائيلي المستفيد الاكبر لان المناطق المحتلة شكلت اسواقا هائلة للمنتوجات الاسرائيلية، وسوقا رخيصة للعمالة.

سادسا خسرت الدولة العبرية في الاربع سنوات الماضية اكثر من الف قتيل اسرائيلي وخمسة آلاف جريح، نسبة كبيرة من بينهم اصابته مقعدة. بينما خسر الجانب الفلسطيني حوالي اربعة آلاف شهيد واربعين الف جريح. والخسائر الاسرائيلية من جراء الانتفاضة اكبر من خسائرها في الحروب العربية مجتمعة.

ازاء هذه الوقائع، وتصاعد وتيرة النزيف الاقتصادي والاجتماعي والبشري الاسرائيلي بسبب الانتفاضة، جعلت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش وقف الانتفاضة علي قمة اولويات فترة حكمها الثانية، ولهذا لم تكن صدفة ان يموت الرئيس ياسر عرفات مسموما بعد ايام معدودة من انتهاء الانتخابات الرئاسية الامريكية، واصرار الرئيس بوش علي اجراء انتخابات فلسطينية رئاسية تأتي بزعيم فلسطيني معتدل ، يلبي شروط المرحلة الاسرائيلية ـ الفلسطينية الجديدة، اي انهاء الانتفاضة، واعادة تقديم شارون الي المنطقة كرجل سلام، بعد تبرئته من كل ذنوبه، وتبييض بضاعته لتسهيل تسويقها الي الدول العربية والعالم عبر البوابة المصرية في شرم الشيخ.

الانتفاضة توقفت فعلا، وسفيرا مصر والاردن عادا الي تل ابيب، ونائب وزير التعليم الاسرائيلي يزور قطر للمشاركة في ندوة سياسية، وشارون تلقي دعوة للمشاركة في مؤتمر دولي في تونس، والرئيس حسني مبارك يستعد لشد الرحال الي القدس المحتلة في اول زيارة رسمية له تلبية لدعوة من صديقه رئيس حكومتها، اما السيد محمد العبار، رئيس الدائرة الاقتصادية في امارة دبي، ورئيس شركة اعمار فقد سبق الجميع عندما هبط في تل ابيب والتقي شارون وبيريس وعرض خدماته لشراء منازل المستوطنات في قطاع غزة للحيلولة دون تدميرها.

ما هو الثمن الذي حصل عليه الفلسطينيون مقابل كل هذه المكاسب الاسرائيلية؟ الافراج عن خمسمئة اسير نصفهم انتهت مدة عقوبتهم تقريبا، والثلث الآخر من المعتقلين اداريا، اي لم تصدر في حقهم اي احكام. وبمجرد الافراج عن هؤلاء اعتقلت السلطات الاسرائيلية الف فلسطيني والحبل علي الجرار!

الهدية الاخري التي قدمها شارون للرئيس الفلسطيني المعتدل بمناسبة نجاحه في تشكيل حكومة من التكنوقراط هي الاستمرار في بناء الجدار الفاصل في اطار الخطة المعدلة بحيث يضم مستوطنات واراضي فلسطينية جديدة، واعتماد خطة لبناء ستة آلاف وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية لاستيعاب مستوطنين جدد.

في الاسبوع المقبل ستشهد مدينة لندن مهرجانا سياسيا غير مسبوق، حيث سيعقد مؤتمر لاعادة تأهيل السلطة الفلسطينية امنيا و سياسيا ، في حضور رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والسيدة كوندوليسا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية ومجموعة من شهود الزور العرب تحت مسميات وزراء الخارجية.

اعادة التأهيل الامني للفلسطينيين، هو تدريب وتمويل قوات الامن الفلسطينية في العهد الجديد حتي تكون قادرة علي تنفيذ المرحلة الثانية التي تتبع الهدنة، اي نزع سلاح فصائل المقاومة، تطبيقا لمطالب شارون وبوش بتدمير البنية التحتية للارهاب.

اما اعادة التأهيل السياسي فتتمثل في القبول بان حق العودة مسألة غير واقعية وغير عملية، وستؤدي الي تدمير دولة اسرائيل. وهو امر غير حضاري، ويبدو ان السيد محمود عباس ابو مازن، رئيس الفريق الفلسطيني و عريس مؤتمر لندن بات مهيأ لهذه المسألة، فقد اكد لمجلة دير شبيغل الالمانية انه يقبل بعدم امكانية عودة جميع اللاجئين، ومستعد للتفاوض حول مكان عودتهم، وسيقبل بتسوية عادلة لهذه المسألة الشائكة.

ما يمكن قوله، وبايجاز شديد ان استراحة المحارب الفلسطينية الحالية تقف الان امام خيارين، فاما ان يكون عمرها قصيرا جدا، وتعود الانتفاضة والمقاومة الي سيرتها الاولي، واما ان تتحول الي موات كامل ، انتظارا للانتفاضة الثالثة، لان ما يجري طبخة حاليا هو مجرد خدعة ، و تخدير ، ريثما تتضح الصورة في العراق وسورية ولبنان.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026