أيها القادمون لمصافحة عيون الأبرياء النازفة دومًا، لكم منا سلام، أيها الراجونّ لمليون ونصف مليون محاصر الحرية والإباء، لكم منا تحية وسلام، أيها المتضامنون قدمتم أهلا وحللتم سهلا، الجبل والوادي والسهل والرمل كلهم يرحبون بكم، يباركون جهودكم، يهتفونّ باسمكم" تحيا سفينتا كسر الحصار وركابها الأحرار، تحية سفينة غزة الحرة، وسفينة الحرية، تحيا لارنكا وتحيا قبرص، وتحيا الدول المشاركة والمتعاطفة، تحيا النفوس الشامخة، تحيا على اختلاف مشاربها ومذاهبها وأفكارها وأهوائها، تحيا مادامت تعشق الحق وتزهق الباطل، تحيا مادامت تُصر وتكابر على مكاره الإحتلال ومضايقاته، وتأبى إلا أن تصلّ إلى غزة؛ كي تُهدي أهلها العليلة حبة دواء تُزيل عنهم جانبًا ومن الأوجاع الذي لا نهاية له في ظل تعدد المصائب والهموم من إغلاقٍ محكم إلى بطالةٍ متفشية إلى فقرٍ مدقع إلى همٍ وبؤسٍ وحرمانٍ لا حدود له.
تحية إلى مالك السفينتين اليونانيتين"بسياس فينغليس" الذي وعدّ بخطواتٍ تضامنيةٍ جديدةٍ مع الفلسطينيين، تحية له رغم أننا كنا نأمل أن يحذو حذوه بل يسبقه حكام وملوك وقادة شعوبنا العربية، لكن ـ وآآسفاه ـ لازالوا يُصرون على إغلاق معبر رفح، ولا زالوا يُصرون على الصمتِ ولازالوا في سباتٍ عميق.
على الرغم من روعة المتضامنين الأجانب وإنسانية تعاطفهم ونبل مشاعرهم؛ فإنه من المخجل أن نرى هذا التعاطف غير المسبوق لا يجلب النخوة لقادة أمتنا، لا يحركهم تجاه قضيتهم، تجاه أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين!!.
هذا التعاطف الدولي يأتي بعد مضيّ أكثر من عامين على الحصار الجائر حيث وصل عدد ضحايا الحصار إلى أكثر من 260ضحية ، كما أنه يأتي بعد مرور تسعة وثلاثين عامًا على حريق المسجد الأقصى، وبعد مرور خمس سنوات على استشهاد المهندس اسماعيل أبو شنب أحد أبرز قيادي حركة المقاومة الإسلامية ـ حماس ـ.
يأتي في ظلِ تهدئةٍ يتحكم الإحتلال فيها بمقدرات الشعب الفلسطيني بما يدخل وبما يخرج، فالإغلاق لازال على حاله المعهود وإن شهدّ انفراجًا نسبيًا لا يفي بتطلعات المحاصرين وآمالهم في العيش الكريم، يأتي هذا التعاطف مع بداية العام الجديد وندرة الزي المدرسي وشحه ما دفع بالحكومة إلى إلغائه حرصًا منها على تعليم الأجيال، إيمانًا منها بدور العلم في صقلِ شخصية النشئ كضرورة لا بدّ منها لإتمام استحقاقات التحرر والحرية..
تأتي سفينتا كسر الحصار وتدخلان غزة المحاصرة، في وقتٍ يشهد فيه الفلسطينيون حالةً مزرية من الانقسام والفرقة، فلا يُمكن أن ننسى مجزرة البحر المروعة التي استهدفت رحلةً مسجدية مساء يوم الجمعة الموافق 25/7/2008م ، راح ضحيتها خمسة من كوادر القسام الجناح العسكري لحركة حماس بينهم طفلة بريئة لا ذنب لها سوى أنها قدمت إلى البحر لتصطاف وتخفف عن نفسها ويلات الحر والحصار!!
سفينتا كسر الحصار القادمتان إلى غزة تحملان رسائل عدة للعالم وللدول العربية وللإنسانية لكن الرسالة الأهم هي للفلسطينيين أنفسهم" توحدوا ولا تتفرقوا، لا تتنازعوا وكونوا كالبنيان المرصوص، نحن أتينا إليكم من سبعة عشرة دولة لنقف بجانبكم في محنتكم؛ فهيا نحقق هدفنا السامي ونكسر الحصار، توحدوا".
غزة المخنوقة التي ذاقت همومًا كثيرة، تعلن اليوم حالةً من الفرح والسعادة، تحتسي فنجانًا من القهوة الصباحية وتتصفح الجرائد اليومية؛ لترى بأم عينها ماذا قيل عنها وهي تستقبل الوفود المتضامنة ورسل الحرية.
غزة التي شهدّ بحرها أحداثًا متباينة تبتهج اليوم، علها تستذكر جانبًا من قصيدةٍ خطها الشاعر ناهض الريس أسمعها تردد بصوتٍ عنيد" يا غزة في حلقهم، وشرارة في أفقهم، يا معولاً في سحقهم، يا غزتي يا غزتي".
بل لعل هدير بحرها يعلو وموجها يشتد ضراوةً وهي تردد بكبرياءٍ عزّ نظيره مقطعًا آخر" مهلاً فما صهيون أول معتدٍ كل الغزاة تهددوا وتوعدوا، هم موجةٌ في بحر غزة تنقضي، لكن أهل الأرضِ لن يتهودوا، طبع الدوائر أن تدور، فاقرأ حكايات العصور، وطباع غزة أن تثور،فاحفر لصهيون القبور، يا غزتي يا غزتي".
نعم هذه غزة التي تجرعت الحسرات، ونزفت رمال شاطئها الدموع على شهداء عائلة غالية في صيف 2006، حينما قطعت أجسادهم طائرات الإحتلال هي ذاتها التي تتمرد اليوم على الطغيان والجبروت، هي ذاتها التي تغني وتنشد الأشعار وتستقبل حماة الدار وإن كانوا من الأجانب، هي ذاتها التي تستنكر صمت الأهل من العربِ والمسلمين.
غزة ستبقى الثائرة، ستبقى عاشقة لبحرها، ستبقى محط أنظار العالم، ونحن سنبقى نغني لها ولبحرها" يا بحر وين البحار ويقلك هيلا ويلف السبع بحار بين يوم وليلة"