حماس والعرب.. الصدام قادم

حماس والعرب.. الصدام قادم

سلامة عطا الله
2008-08-17

تقف حركة حماس على مقربة من لحظة إنتاج علاقات جديدة مع الطوق الرسمي العربي بعد حراك تنقل بين لقاءات مباشرة ورسائل متبادلة بين قادة من حماس وشخصيات رسمية عربية ظاهر الأمر أن انفراجة…

تقف حركة حماس على مقربة من لحظة إنتاج علاقات جديدة مع الطوق الرسمي العربي، بعد حراك تنقل بين لقاءات مباشرة ورسائل متبادلة بين قادة من حماس وشخصيات رسمية عربية. ظاهر الأمر أن انفراجة تتسلل إلى العلاقات المتأزمة بين تنظيم مقاوم وأنظمة حاربته وحاصرته ونفته، وباعث ذلك لغة التفاؤل التي تحبذها الحركة في كل ما يتصل بتفاعلها مع المحيط الرسمي العربي، ولعل تلك المفردات ستحترق على محكات قادمة ولأسباب عدة:

 

واشنطن تسلّم الراية

ابتعادا عن التفاصيل المشيطنة، تغادر الولايات المتحدة تشعبات المنطقة منشغلة بأولوياتها الكبرى (العراق، إيران، أفغانستان)، تاركة ما بقي من تفرعات تحت دائرة الوصاية الإسرائيلية حصرا ودون حاجة لمراجعات أو مداولات بين واشنطن وتل أبيب كما كان معمولا به، وبدا جليا أن الإدارة الآفلة بعد شهور أمسكت بالأنظمة العربية (المعتدلة) المحيطة بفلسطين من أذنها، وأوصتها بالسمع والطاعة لإسرائيل في كل صغيرة وكبيرة، وذكّرتها بأن ارتباطها بتل أبيب قد بلغ سن الرشد، وأن قاعدة السيد والمطيع لم تعد تستوجب الرعاية، طبعا لا اعتراض ولا حتى همس من قبل الطرف الأدنى في المعادلة.

 

وفعلا شرعت إسرائيل بإفراز شخصية لكل ملف (لأنها تتعامل مع تلك الدول على أنها ملفات أو ملاحق أمنية)، ليقوم المندوب السامي الجديد بنقل الأوامر والتوصيات إلى أسفل، ومن أسفل تصعد المعلومات الاستخبارية عن (الأطراف المعادية)، ومثال ذلك (عاموس جلعاد) مسؤول الملف السياسي في وزارة الدفاع الإسرائيلية، إذ أن دوره أضحى يفوق وزيرة الخارجية الأمريكية من حيث التأثير والأمر والنهي، في إدارته لعلاقة دولته بقطر عربي كبير، فلا يستجد أمر يتعلق بالقضية الفلسطينية إلا ونسمع أن طائرته حطت في مطار تلك الدولة وأجرى مباحثاته وعاد، والنتيجة تكشف عن مزيد من إسهامات الشقيق العربي في إجهاض أي بادرة للتخفيف من الحصار على القطاع.

 

والغريب أن أنظمة الدول العربية المقصودة أراحت نفسها من أعباء المتابعة، ففوضت مجموعات متخصصة للتنسيق مع تل أبيب وأجهزتها الاستخباراتية، والتفويض لا يعني الاختيار وإنما إقرار أي قائمة تفرضها تل أبيب لمجموعات غالبا ما تتنوع خبراتها بين سفراء سابقين في إسرائيل أو ضباط تفننوا في ملاحقة وإيذاء الحركات الإسلامية، وكلما زاد ضعف الأنظمة ازداد نفوذ هذه المجموعات، على اعتبار أنها تتحكم بالحبل السري الذي يحول دون انهيار العروش بفضل القدرات الخارقة (للجار الذكي) إسرائيل، وبالتالي يزداد عداؤها للقوى الممانعة، ولكل فعل ردة فعل، قد تتأخر أحيانا..

 

كلما تغلغلت أجهزة المخابرات الإسرائيلية في متابعة تفاصيل عمل صديقاتها من الأنظمة العربية في مواجهة قوى الممانعة، كلما زاد الضغط على الأخيرة، إلى أن يفيض الكأس.. 

 

حماس فعلا تهديد

عبثا تحاول حماس إثبات عدم ارتباطها بالحركات الإسلامية في الدول المجاورة، وعبثا كذلك تسعى للنأي بجانبها عن شبهة الإضرار بالأنظمة القائمة، فالأخيرة ترى فيها حركة أيديولوجية تتناقض من حيث المبدأ لوجودها، بل وعلة وجودها أن تفشل غراس المشاريع الإسلامية أو القومية المناهضة للتبعية والذوبان، إضافة إلى قناعة راسخة في عقل تلك الأنظمة، بأن حماس ستقلب الطاولة يوما على من أسمته عمقها، وأن منطلقاتها المثالية ليست إلا تُقيةً بانتظار توسيع خياراتها المحدودة.

 

القاعدة المعكوسة في تعاطي بعض الأنظمة العربية مع حماس تستدعي التوقف، فلم تعهد الدبلوماسية يوما أن كانت اللقاءات السرية ودية وناعمة وودودة، والخطابات العلنية فظة ومعادية وغليظة، وهذا ما يحدث مع الحركة، فبين الموقف والآخر، تفاجئنا حماس بالإفصاح عن لقاءات مثمرة على صعيد ترطيب العلاقة مع هذا النظام أو ذاك، وفي السياق الزمني ذاته، تفاجئنا التصريحات القادمة من ذات الأنظمة بالإصرار على عدم مغادر إحراج الحركة، وتعمد زجها في الزاوية وتحميلها المسؤولية عما يحدث للفلسطينيين، فماذا يجرى!!.

 

لا معنى لقصر الحديث في الاجتماعات المغلقة على تبرير أو تفسير المواقف العلنية المعادية لحماس، بدعوى عدم إغضاب الولايات المتحدة في هذه المرحلة الحساسة ظاهريا على الأقل، ولا يكفي التأكيد المتكرر على الوقوف لجانب الحق الفلسطيني، ما دامت الأفعال تكذب ذلك، ما سيدفع حماس لاحقا للتشبع من الوعود وحبوب تأجيل الغضب، حتى وإن اقتنع بعض قادة الحركة، فالمشروع المقاوم بعناصره لن يسمح لأحد بإفشاله.

 

الاعتدال محور متماسك

لم تذهب جهود واشنطن في عملية التسوية أدراج الرياح، بل أثمرت محورا أكثر تواصلا وأعمق تنسيقا من ذي قبل، وحمّلته (أمانة) مشروعها، واطمأنت على توافق محور الاعتدال لصالحها في كل خطوة باتجاه العلاقة مع إسرائيل، ومن هنا ينطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس في التصدي لمن يشكك في نتائج مفاوضاته بقوله أنه يسير وفق إرادة عربية متوافقة، وسيعود لهذا (الإجماع) إذا ما تعثر مسار المفاوضات مع تل أبيب، ومن هنا أيضا، ينطلق وضع مصير المصالحة الفلسطينية في هذا الإطار، معطوفة على ذلك مهمة تبديد مقومات الصمود لدى فصائل الممانعة.

 

الخطوات الأخيرة المتزامنة لعدة دول في محور الاعتدال نحو مباشرة إجراءات فتح سفارات لها في العراق، دليل إضافي لنجاح واشنطن في حشد صفوف صنائعها العربية، أما فيما يتعلق بحماس، فقد وزعت الأدوار جيدا: فالبعض يُلهي الحركة بلقاءات جانبية تحت إغراء إعادة العلاقات وشطب التأزم، والآخر يحاول خلق أقطاب داخل حماس تختلف في توجهاتها ورؤيتها للحل، والثالث يربط الحركة بطوق من الدعم ويقنعها بالتعقل والروية، والرابع يقسو ويتعنت لإعطاء نموذج عن مآلات التمرد أو الاعتراض، وليس آخرا، أطراف تقوم بدور (برز الثعلب يوما في ثياب الواعظين)، وتعطي دروسا في ضرورة الحفاظ على الصف الفلسطيني، وهم يعنون بالضرورة إفساح المجال لتيار التسوية في العمل والتحرك وتحقيق الذات، والكف عن تعريته والوقوف في طريق تنازلاته.

 

وما يجمعهم أيضا: أولوية محضة لتوسيع تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ومحاصرة امتداد التيارات الساعية لإزاحة الاستئصاليين من الحكم في العالم العربي، والواقع يقول أنهم لا يرون في غضب حماس ما يزعج، وهذا عامل مهم في توقع تمادي السلوك المستفز والمعادي لقوى المقاومة الفلسطينية من قبل من لا يسعون لخدمة القضية الفلسطينية، وإنما الإفادة منها، والتسلق على ظهرها، والمتاجرة بمكتسباتها، وبالضرورة ستقف حماس مدافعة عن منجزاتها، ويبدو أن لحظة شعور الحركة بالتهديد الوجودي لمشروعها قاب قوسين.

 

الإعلام يقود السياسة

تدرك حماس أن مواجهتها لسلوك أي قطر في محور الاعتدال العربي كفيل بإغضاب الجميع، ولذلك حاولت كتم غيظها، وتخفيف وتيرة غضب أنصارها صوب المسؤولين عن استمرار الحصار من العرب، لكن الفترة الأخيرة حملت ما يشي بتطورات قادمة لا تشبه سابق عهد الخطاب الحمساوي، فقد لوحظ مؤخرا أن وسائل إعلام الحركة زادت في المساحات الممتعضة والناقمة على المواقف العربية الرسمية، وأبدت تساوقا مع الغضب القاعدي لدى المنتمين والأنصار.

 

 ما سبق ينبئ بتصاعد ضراوة الشد بين حماس وأصحاب مشروع الاعتدال العربي، وستجد الحركة نفسها مضطرة للدفاع عن حياتها، صحيح أن الحركة لم تصنع تناغما بين إعلامها وسياساتها سابقا حول طريقة التعامل مع الأطراف العربية المتواطئة، فتشرذمت تصريحاتها، واتسعت الفجوة بين إعلام ينتج غضبا، وساسة ينتجون كوابح، إلا أن المتابع يعرف أن إعلام حماس يقود سياساتها في كثير من الأوقات، ودلائل ذلك كثيرة.

 

المشكلة أن حماس تجيد التخطيط للوصول إلى ذروة تأليف التعاطف الشعبي عبر العالم العربي معها، وتحسن تحميل المسؤوليات للأطراف المسؤولة عمليا عن الحصار من العرب إذا أرادت، لكنها لا توفق في الإعداد لاستثمار مخرجات الحالة الشعبية، وتضيع حكمتها عند توالي الردود والتبعات، وتعود الكَرّة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026