أثارت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي اللواء غابي أشكنازي عاصفة من التحليلات والتساؤلات لدى جميع الأطراف المعنية بملف الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة في قطاع…
أثارت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي اللواء غابي أشكنازي عاصفة من التحليلات والتساؤلات لدى جميع الأطراف المعنية بملف الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة في قطاع غزة،بما فيها الكيان الإسرائيلي نفسه، فقد أكد أشكنازي بأن:" (إسرائيل) تعلم جيداً المكان الذي تحتجز فيه حركة حماس جلعاد شاليت وهوية خاطفيه، وأنه على قيد الحياة ، وتعمل على كافة المستويات من أجل إعادته".
فعلى الرغم من مسارعة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إلى توضيح أن ما يعنيه أشكنازي بهذه الأقوال هو تحميل حماس مسؤولية خطف شاليت وليس أكثر من ذلك، إلا أنه من السذاجة أن ننظر إلى هذه التصريحات على أنها ضرب من ضروب الثرثرة العبثية أو زلة لسان، وذلك في ظل وجود عدة اعتبارات تستدعي الاهتمام، لعل من أهمها كون من أدلى بها يشغل أعلى منصب عسكري في الدولة العبرية، وأيضاً أن أشكنازي حرص منذ توليه هذا المنصب على تفادي اللقاءات الصحفية والإطلالات الإعلامية، إلا في حالات نادرة جدا، فما الذي دفعه إلى إطلاق هكذا تصريح خطير وأمام وسائل الإعلام وخلال قيامه بإجراء روتيني متمثل بتفقد قاعدة عسكرية.
قد نتفق مع الناطق العسكري في جزئية أن (إسرائيل) لا تملك معلومات استخبارية محددة عن المكان أو الأشخاص الذين يحتجزون شاليت، فلو كانت هكذا معلومات متوفرة فمن غير المنطقي أن يُكشف عنها بهذه الطريقة المخالفة لأبسط قواعد الانضباط العسكري والمتطلبات الأمنية، كما أن (إسرائيل) لم تكن لتتأَخر عن استخدامها في سياق حملتها العسكرية (أمطار الصيف)، والتي انطلقت بذريعة تحقيق هذا الهدف، أو في الحملات العسكرية التي تمت لاحقاً، أو على الأقل لمتابعة وتصفية (الخاطفين)، وذلك في وقت تعد فيه (إسرائيل) وأجهزتها الأمنية بأمس الحاجة لتحقيق إنجاز من هذا النوع يعيد لها جزءاً من هيبتها في أعقاب عمليات الاختطاف وحرب تموز.
وعلى ما يبدو فإن هذه التصريحات قد جاءت في سياق التقدير الإسرائيلي بأن حماس تستخدم شاليت كرهينة لضمان تثبيت التهدئة، والتي خفضت من الضغط العسكري والاقتصادي عليها،كما أتاحت لها الالتفات إلى معالجة قضايا الشأن الفلسطيني الداخلي، كالحوار وفتح معبر رفح واستكمال فرض النظام والأمن في غزة ،مزاحمة بذلك ملف شاليت ودافعة به إلى درجة متدنية، نوعا ما في سلم أولويات حماس، وبالتالي أراد أشكنازي تطبيق رافعة ضغط بديلة، نتيجة فشل السابقة كإغلاق المعابر، تتكامل مع تهديدات باراك الأخيرة بقرب اجتياح القطاع، وأيضاً مع استعراض القوة الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي بزيادة حجم قواته على حدود قطاع غزة، وذلك بغية حث حماس على تسريع المفاوضات وإخراجها من حالة الجمود التي علقت به كنتيجة للاعتبارات السابقة، بالتأكيد على أن عامل الوقت ليس في صالحها .
ولا تقف غاية هذه التصريحات عند حدود جلب حماس إلى طاولة المفاوضات، بل تتعدى هذا الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، بالتأثير على مجريات هذه المفاوضات ، وذلك إذا ما نظرنا لما يتضمنه هذا التصريح من نبرة تهديد ترمي إلى ابتزاز حماس من خلال الإيحاء بوجود معلومات، قد تستخدم في الفترة التالية لتحرير شاليت لتصفية من قرر أو خطط أو نفذ عملية الاختطاف، وبالتالي سيحاول المفاوض الإسرائيلي مقايضة إعطاء ضمانات بعدم حدوث ذلك لقاء خفض سقف مطالبها، ويدلل على هذا ما نشرته معاريف بتاريخ4/8/2008،عن "اعتقاد محافل مقربة من المفاوضات لتحرير جلعاد شليت بين (إسرائيل) وحماس، بأن الأخيرة ستطالب بالحصول على هكذا ضمانات ".
وقد يكون القصد أيضاً من خلف تسريب أقوال أشكنازي هو استدراج المقاومة، ودفعها إلى اتخاذ تدابير إجرائية كتغير مكان الجندي الأسير أو تعزيز الحراسة حوله، وما إلى هنالك من إجراءات،قد ترصدها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، مما يعني بالفعل حصولها على معلومات تعطي مصداقية لأي تهديد إسرائيلي، وفي الوقت عينه تغطي على إخفاق الشاباك والاستخبارات العسكرية في هذا الملف، حيث إن احتجاز شاليت كل هذه المدة في قطاع غزة دون توافر أي معلومات حوله، يعزز حالة العجز والفشل لهذه الأجهزة والتي دمغتها في أعقاب حرب لبنان الثانية وصفقة تبادل حزب الله.
ولا تخلو هذه التصريحات من رسائل أرادها أشكنازي أن تصل إلى الجيش والشارع الإسرائيلي مفادها أن (إسرائيل) لم تتخلى عن شاليت، وأن جهاز الأمن لا يدخر جهداً لضمان عودته سالماً، إضافة لكونها بالون اختبار أُطلق لاستطلاع رد فعل المستوى السياسي والرأي العام الإسرائيلي تجاه ما توحي به هذه التصريحات، أي التلويح بالاحتمال العسكري لتحرير شاليت، والذي قوبل من هذه القطاعات بالرفض، وبالتالي دعم موقف أشكنازي القاضي بإتمام الصفقة ب(أي ثمن) وعزل مواقف بعض الجهات الأخرى الرافضة، كالشاباك، وأيضا عدم تكرار ما قام به بعض المسؤولين الإسرائيليين من مزايدات ومناكفات، في سياق المصادقة على صفقة الرضوان.
وفي المحصلة تعد هذه التصريحات بمثابة شكل من أشكال المفاوضات العلنية غير المباشرة مع حماس، وذلك إذا ما ربطنا تزامن قول أشكنازي بأن " (إسرائيل) تبذل كل الجهود لتحريره" مع ما نشرته يديعوت بتاريخ 5/8/2008، عن تشكيل لجنة وزارية جديدة بغرض البحث في تخفيف حدة معايير إطلاق سجناء فلسطينيين مع (دم على الأيدي)، وأنها سترافق المفاوضات.
وبهذا نرى أن واقع الفشل والعجز الإسرائيلي في تحقيق اختراق في قضية الجندي الأسير قد دفع برئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أن يهرب إلى الأمام في محاولة يائسة لقلب صورة (إسرائيل) اليوم، المهزومة والتي أجبرتها المقاومة على أن تجثو على ركبتيها وتخضع لمطالبها.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع