أيها الناس تعلموا الديمقراطية من غـزة

أيها الناس تعلموا الديمقراطية من غـزة

واثق معالي
2008-08-03

قد يكون هذا الكلام غريبا في فترة يشهد فيه قطاع غزة توترا أمنيا بعد انفجار شاطىء غزة وما تبعه من اعتقالات في صفوف أعضاء حركة فتح هذا المشهد الذي يعد طبيعيا في أية دولة تتعرض لهجوم…

قد يكون هذا الكلام غريباً في فترة يشهد فيه قطاع غزة توتراً أمنياً بعد انفجار شاطىء غزة وما تبعه من اعتقالات في صفوف أعضاء حركة فتح, هذا المشهد الذي يعد طبيعياً في أية دولة تتعرض لهجوم مماثل وحتى الاتهام المباشر لتيار في حركة فتح عن مسؤولية الانفجار هو شيء طبيعي ولا يتعدى كونه مبنياً على حوادث سابقة مشابهة لهذه الحادثة كانت كلها من تصميم تيار فتحاوي يعيش في غزة, وكان أبرز هذه الحوادث محاولة اغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية والتي تبين بالدليل والاعترافات تورط حركة فتح في تدبيرها.

 

لقد شهدت تركيا وفي نفس فترة انفجار غزة انفجاراً مماثلاً أوقع قتلى وسرعان ما اتهمت الحكومة هناك حزب العمال الكردستاني بالوقوف وراء الانفجار, وفي إسبانيا وقع انفجار على شاطئها واتُهمت منظمة انفصالية بالمسؤولية عنه, إذن فحالة الاتهام طبيعية وتكون في الغالب مبنية على وقائع وحواث سابقة مشابهة ومرتبطة, وما الاعتقالات التي تشن بعد التفجيرات إلا خطوات احترازية وأمنية ومحدودة بأسماء ومواقع.

 

إن المتابع لشأن غزة يرى فيها ما لا يُرى في أعظم دول العالم ديمقراطية, ومشاهد الحريات موجودة في غزة بشكل كبير جداً ولا تحتاج سوى إلى عين بصيرة ومحايدة تنظر بموضوعية ونزاهة لاكتشاف ذلك.

 

غزة تحتضن أكبر تجمع إعلامي للصحافة في العالم العربي, ونقصد به التجمع الثابت من مكاتب صحفية ومراسلين ووكالات أنباء, كل صغيرة وكبيرة ترصد في غزة, والكل مكفول له الحرية في التعبير والعمل بشكل مهني, فلا عوائق ولا ملاحقات لأيٍ كان ، وما إن يحدث أمر بسيط فيها حتى البديهيات من الحياة اليومية للبشر إلا وترصد, ورجال الأمن هنالك محاطون بكاميرات ومراسلي وكالات الأنباء ترصد كل تحركاتهم وأعمالهم وإن وبخ شرطي مرور سائقاً على سرعته تجدها بخبر باللون الأحمر العاجل على القنوات الفضائية, فهل هنالك دولة عربية فيها هذه الحرية للتغطية الإعلامية؟؟.

 

ولكن هنالك سؤال دائماً يجول في الخاطر,هل العمل الصحافي والصحفي نفسه شيء مقدس؟ أوليس الصحفي إنسانا له سلوكياته وإنتماؤه ورؤيته للحدث؟؟ أم أنك إن حملت كاميرا للتصوير أو قلماً للتحرير فإنك أصبحت الآن شخصية مقدسة لا يمكن المساس بك أو بعملك أو حتى برؤيتك الخاصة للحدث؟؟ للأسف هنالك من يمارس الصحافة كمهنة للتجارة وهنالك من يمارسها للتغطية على رؤيته السياسية للحدث فتصبح مساءلته أمرا عظيما يحتاج إلى قرار دولى للتضامن معه, ولكن الإعلام لم يسأل هل مارس هذا الصحفي دوره الحقيقي في التغطية الموضوعية والمحايدة,أم أنه استغل مهنته للطعن بالآخرين وقلب الحقائق؟؟ وأمام ذلك فإن الصحفي ليس مقدساً وهو مقيد بالموضوعية وليس خارج دائرة المساءلة مهما علا شأنه, وإن تجاوز موضوعيته فلابد من عقابه.

 

في غزة هنالك أكبر تجمع للعمل المؤسساتي المدني المكفول بحماية الأمن والشرطة, ومؤسسات حقوق الإنسان المحلية والدولية تعمل بكل هدوء وبكامل الحرية, وهي ترصد كل شيء وتصرح وتعبر عن رأيها بالأحداث وتنتقد وتستنكر ولا يوجد من يقف في وجهها ليقول لها هذا مسموح وهذا ممنوع, وتقدم تقاريرها وتنشرها وترصد أحياناً أموراً تضخمها بسبب الأجندات الخلفية لبعضها, لكن رغم ذلك كله تعمل بالحرية المطلقة, ولم نسمع يوماً منذ عملية الحسم العسكري في غزة إلى الآن أن هنالك مؤسسة حقوقية أو إنسانية تشتكي من الحكومة أو الأمن, بل إن مسؤولة العمل الدولي والإغاثي في غزة أشادت بالهدوء والأمن الموفر لهم ولغيرهم.

 

كما أن جمعيات العمل الخيري موجودة وبقوة وبكثرة على اختلاف توجهاتها السياسية والاجتماعية, وتكاد تجد لكل حارة مؤسسة أو جمعية تعنى بأهل الحارة وبمشاكلهم, ولم يترك أمر في غزة إلا وله لجنة شعبية أو جمعية أو مؤسسة ترعاه, ورغم اختلاف الأجندات السياسية للكثير من الجمعيات مع الحكومة إلا أن أحداً لم يقف في وجه عملها ولم يغلقها أو يصادرها, وقد تعدت بعض الجمعيات دورها من خيري إلى تخريبي من خلال تسريب الأموال إلى بعض المنفلتين في القطاع لتنفيذ أجندات تخريبية, ورغم ذلك بقيت هذه الجمعيات تعمل بحرية وبقيت المساءلة في دائرة القانون, وبعد الانفجار الذي حدث على شاطىء غزة كان لابد من متابعة هذه الجمعيات ومصادرة الأوراق فيها كخطوة أمنية لمعرفة مصادر التمويل، كون هذه الجمعيات لها سابقة في العمل التخريبي.

 

الأحزاب والجماعات السياسية والمقاومة تمارس عملها في غزة بشكل كامل, وتمارس دورها السياسي رغم انحياز الكثيرين منهم لمنظومة تفت في عضد الشعب الفلسطيني, و تنتقد الحكومة وتصفها بأبشع الأوصاف وتسارع إلى النيل منها ومن عملها ورغم ذلك تعمل وتنشط, وكل التصريحات التي تنتقد حماس أو الحكومة تصدر بأسماء معروفة وليست وهمية، ولا يوجد في غزة اعتقالات سياسية وما الوهم الذي صنعته فتح لنفسها من اعتقالات سياسية تحدث في صفوف أبنائها هناك إلا فقاعة إعلامية خصوصاً عندما تبين فيما بعد أن جلهم جنائيون ومجرمون ,فهل هذا العمل مكفول في أية دولة عربية؟.

 

هي دعوة للفصائل الفلسطينية أن تقارن ما تقدمت به من قبل في وصف حال غزة بالتفكر والتدبر في حال الضفة, وهل كل ما ذكرت من حريات في غزة مكفولة بالضفة أو مسموحٌ بها, وأتمنى ألا تأخذ هذه الفصائل المواقف السياسية من حماس ولتحدد موقفها بكل صراحة مما يحدث بالضفة والانتهاكات التي تجري فيها من قبل السلطة، والعجب أن هذه الفصائل هي نفسها مقيدة في الضفة لكن ألسنتها حرة طليقة في غزة.

غزة بلد الحريات بفضل الحكومة وحماس, ولم تنعم غزة بهذه الحرية إلا بعهد حماس وهذا يسجل لها في تاريخها المشرف.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026