برقية مستعجلة من عبد الله بن عبّاس الى محمود بن عبّاس

برقية مستعجلة من عبد الله بن عبّاس الى محمود بن عبّاس

الشيخ كمال خطيب
2005-02-02

لا أظن الرئيس الفلسطيني الجديد السيد محمود عباس سيغضب اذا ما عرفته وناديته بإسمه وإسم عائلته لأن من هو خير منه قد عرف بإسمه واشتهر به ذلكم هو الصحابي الجليل وابن عم رسول الله صلى…

لا أظنّ الرئيس الفلسطيني الجديد السيد محمود عباس سيغضب اذا ما عرّفته وناديته بإسمه وإسم عائلته، لأن من هو خير منه قد عرّف بإسمه واشتهر به، ذلكم هو الصحابي الجليل وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتُرجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما،

وهو المكنّى كذلك بحبر الأمة أي عالمها الأول، وسمّي كذلك بالبحر لغزارة علمه، فهو البحر والحَبر، وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله«اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل» لا بل ان الله سبحانه وتعالى قد نادى بأسمائهم من هم خير من محمود عبّاس وخير من عبد الله بن عبّاس، انهم الأنبياء والرسل الكرام عليهم السلام، فلقد قال الله سبحانه {يا زكريا إنا نبشّرك بغلام اسمه يحيى}، ونادى سبحانه آدم بقوله {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}، ونادى سبحانه نبيه يحيى بقوله {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}، ونادى سبحانه نبيّه المسيح عيسى ابن مريم بقوله { وإذ قال الله يا عيسى إني متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا}.

إني وأنا أستمع الى كلمة الرئيس الجديد مباشرة بعد إعلان النتائج وهو يقول مخاطبا الحضور وموجها كلامه للنساء الفلسطينيات بقوله (أيتها الأخوات، إنتهى الجهاد الأصغر وابتدأ الجهاد الأكبر)، فلقد تخيّلت أن حبر الأمة عبد الله بن عبّاس يستمع الى كلام وخطاب محمود عبّاس الذي استند الى هذه الجملة المنسوبة كذبا الى ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قالها بعد العودة من معركة تبوك وأنه بها يعلن نهاية الحرب الجهادية العسكرية ليبدأ عهد الجهاد الأكبر عهد بناء النفوس وبناء المجتمع وعمرانه.

فلقد تخيّلت عبد الله بن عباس بين الابتسامة والغضب، لسان حاله يقول (أنا حَبر الأمة وبحرها وأقرب الناس الى ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه والله ما قال هذه الكلمة، وإنما نسبت اليه زورا وبهتانا، فكيف لك يا محمود عباس أن تستدل على طرحك ومشروعك السياسي «القديم الجديد» بكلام منسوب زيفا الى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟!).

ان الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الذي أراد بذلك أن يشير الى أنه بإعلان نتائج الإنتخابات وإعلان فوزه، فإنه بذلك يعلن نهاية ما سمّاه هو «عسكرة الانتفاضة» والسير في النهج السياسي التفاوضي المجرد الذي سمّاه الجهاد الأكبر أو لعله قصد أن الواقع الفلسطيني يتطلب منذ الآن بداية إعمار مناطق السلطة الفلسطينية على كافة المستويات، وهو الذي عرّفه بأنه الجهاد الأكبر، ولو تمثّل هذا الجهاد برفع الرايات البيضاء أمام الهيمنة الاسرائيلية والخضوع لإملاءاتها.

لا أدري ما الذي أنجزه أو سينجزه الشعب الفلسطيني حتى كان هناك فارق بين مرحلتين، مرحلة انتهت وأخرى بدأت، وهل المرحلة الماضية كانت عسكرة الانتفاضة بينما الآن سلميتها، أم أن المقصود بالمرحلة الماضية، مرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات، مرحلة الضيق والكرب بينما المرحلة الجديدة هي مرحلة السيد محمود عباس ، مرحلة البهجة والإنفراج؟!

ومع أني أرفض العنف أيا كان مصدره ولكن لا أتردد في القول أبدا بأن سبب العنف هو الإحتلال نفسه الذي لولاه لما كانت دوّامة العنف هذه، وان الصلف والعنجهية التي تمارسها الحكومات الاسرائيلية مدعومة بإنحياز أمريكي تام يجعلها تنظر دائما الى الجانب الفلسطيني بأنه هو السبب وهو المبتدئ وهو العدواني، خاصة وأن فرصة للسلام قد فتحت بين الشعبين منذ اتفاقية أوسلو عام 1993 وقد استمرت لما يزيد عن عشر سنوات، إلا أنها فشلت فشلا ذريعا حتى كادت تتلاشى آمال وآفاق الحل السلمي لهذا الصراع المجنون، وكان شارون هو من شيّع تلك الفرصة الى مثواها الأخير يوم 28/9/2000 عند دخوله الى المسجد الأقصى.

لقد أخطأ محمود عباس خطأ فادحا عبر استدلاله بتلك المقولة «انتهى الجهاد الأصغر وبدأ الجهاد الأكبر» والتي يُزعم أنها قيلت بعد معركة تبوك تماما مثل خطأه بمصطلح عسكرة الانتفاضة، حيث ظن السيد عباس بأن توجهه في نزع السلاح والمقاومة سيجعله أقرب الى قلوب الاسرائيليين والأمريكيين وإن كان ظاهر ذلك الحرص على مصلحة الشعب الفلسطيني، وما درى أنه بذلك سيخسر لحمة ووحدة الشعب الفلسطيني وسيضيعها في الوقت الذي لن ينال من الجانب الاسرائيلي إلا الوهم والسراب ومزيدا من الضغط والاتهام في سبيل دفعه لحالة تصادم مع قطاعات فلسطينية كبيرة ترى الصورة بغير ما يراها السيد محمود عباس.

وعليه فلله وللتاريخ ومن أجل عدم الاعتداء عليه وتزييفه، فإن ما حصل بعد تبوك هو على العكس تماما مما قاله محمود عباس، فلقد ورد في كتاب المنهج التربوي للسيرة النبوية لميز محمد الغضبان ص 264 ما نصه ( قال ابن سعد وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون، قد انقطع الجهاد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم وقال«لا تزال عصبية من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجّال).

إذا كان حل القضية الفلسطينية لا يأتي عبر البنادق وفق نظرية أبو مازن، فإن الحل وإحقاق الحق حتما لن يكون عبر الفنادق وغرف المفاوضات التي أخذت حظها عشر سنوات متواصلة، واذا كان حل القضية الفلسطينية يأتي عبر نزع أسلحة المقاومة وجعل المقاومة شعبية سلمية لأن في هذا كسب للرأي العام العالمي، فإن الرأي العام العالمي أثبت أنه لا يقف الا مع القوي، لا بل انه في حالات كثيرة كان لا يبالي بما يراه ويسمعه من جرائم يوقعها الإحتلال ويرتكبها، لا بل انه كان يصمت صمت القبور خشية أن يقال انه ضد السامية.

يبدو أن الرئيس محمود عباس قد غابت عنه أمور كثيرة واختلّت عنده موازين هي بحاجة الى تصحيح ضمن قاموس النصر والهزيمة والربح والخسارة، ولعل خير من يصحح هذه المفاهيم لمحمود عباس هو عبد الله بن عباس في أشهر الأحاديث التي يرويها عن ابن عمّه صلى الله عليه وسلم وهو الذي حدث معه شخصيا، حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال «يا غلام، إني أعلمك كلمات إحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك الا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف»، وفي الرواية الأخرى قوله«احفظ الله تجده أمامك، تعرّف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا».

نعم يا ابن عباس الرئيس، إنها موازين يجب أن تتذكرها، وإن عليك أن تتذكر أن الله سبحانه ليس غائبا في هذه المعركة، فعليك أن تستعين به وليس بوعود أمريكا ولا ضماناتها ولا بشارون وتعهداته التي وعد بالإلتزام بها إن أنت قمت بتنفيذ إملاءاته وتحقيق أمنياته، فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك ومعك، وبه وحده استعن وعليه توكّل، واعلم أن الأمة وأن أمريكا وبوش والوزيرة الجديدة «كوندي» كونداليزا رايس وشارون وجيش الاحتلال الاسرائيلي، لو أن كل هؤلاء قد اجتمعوا فلن يضروك ولن ينفعوك الا بإذن الله.

واعلم يا ابن عباس ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس من أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، نعم اعلم علم اليقين أن سياستك وطرحك الذي بسببه كانت القطيعة بينك وبين الرئيس الراحل ياسر عرفات، وانها ستكون السبب في القطيعة بينك وبين أبناء شعبك، وان سياستك هذه لن تحول بين ساسة اسرائيل وبين استمرار اعتداءاتهم على أبناء شعبك.

انني أوصيك غير آبه ممن استعملتهم أمريكا على شعوبهم واذا بها في النهاية تلقيهم غير آبهة بهم، في الوقت الذي تكون شعوبهم قد لفظتهم، وانني أذكّرك وأنصحك بأن لا تغريك نتائج الانتخابات التي يدرك كل عاقل أن حضور الرئيس كارتر والمرشح جون كيري ووجود مراقبين من الدول الأوروبية والعربية فلن يغير من حقيقة أن نسبة المقترعين لم تزد على 40% وأن الـ 62% الذين صوّتوا لك هم ليس الا 26% من الشعب الفلسطيني.

نعم تذكر يا حضرة الرئيس ابن عباس أنك أنت لست ياسر عرفات الذي رغم خلاف الكثيرين مع سياساته الا أنه كان يمثّل رمزا للشعب الفلسطيني، وعليه فإنني أوصيك وأنصحك بضرورة عدم الاستجابة للضغوطات الاسرائيلية بالتعجيل بالصدام بينك وبين الفصائل الفلسطينية الأخرى، لأنك إن فعلت ذلك تكون قد أدخلت الشعب الفلسطيني متاهة وفتنة لن يستفيد منها الا شارون وحكومته وشعبه، ومع أن شعبنا الفلسطيني سيتجاوزها كما تجاوز غيرها، لكن ستكون أنت الخاسر الأكبر فيها.

نعم يا ابن عباس، إنه أعظم الجهاد أن تستمر وتحرص على أبناء شعبك وترعى مصالحهم وتحافظ على أرواحهم ودمائهم وأعراضهم وأراضيهم ولكن هذا لن يكون الا عبر لُحمة وطنية واحدة، لا أن ترمي بكل أوراقك على طاولة الساسة الاسرائيليين والأمريكيين.

إن سعيك الدائم والمستمر الى عدم عسكرة الانتفاضة فإنه يفهم بأن شعبك هو المعتدي وهو الظالم وهو الذي كان سببا في هذه الانتفاضة، وكل عاقل يدرك أن هذا يتنافى مع القضية ومع التاريخ، لا بل ان سياستك هذه التي تطبّل وتزمر لها حكومة شارون معناها أن الرئيس عرفات كان هو السبب في إفشال الحلول السلمية وليس عنجهية الإحتلال وشارون، وان الرئيس عرفات كان يقف حجر عثرة أمام أي محاولة لنزع فتيل دوامة العنف.

نعم ان سياستك ستُظهر شارون بأنه هو الضحية والمظلوم، وأن عرفات هو الظالم، وأن شارون هو رمز السلام والمحبة بينما عرفات كان هو مصدر الشرور والآلام في هذه المنطقة بل وحتى في كل العالم.

يا ابن عباس أرجو أن يكون ما ناديت به خلال حملتك الانتخابية هو نفسه الذي تسير عليه الآن، وأن لا يكون ذلك مجرد «كلام انتخابات» سواء كان ذلك حول حق العودة أو السيادة الكاملة أو القدس أو الأسرى أو غيرها من الثوابت الفلسطينية، واعلم وتذكر أنه في الوقت الذي كنت تجلس فيه مع الفصائل الفلسطينية فإن جيش الإحتلال هدم خمسة عشر بيتا في نابلس وداهم وسط مدينة رام الله، وتذكر أنك أنت وكل ما ستقوم به فإنك لن تشبع نهم الاحتلال، وسيُقال عنك أنك فشلت في ضمان الأمن حتى يقال في النهاية أن الشعب الفلسطيني كله لا يريد السلام وليس ياسر عرفات ولا محمود عباس.

وأخيرا، يا ابن عباس، ولئلا تغضب وكي تقبل بالمساواة والتشابه بينك وبين عبد الله بن عباس، فإنني أقول لك يا سيادة الرئيس، تذكر ما ختم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس «واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا»، فمهما اشتد الخطب وادلهمَّ الليل فإن النصر آت، ومهما عظم الكرب فإن الفرج لا بد آت، ومهما اشتد العسر وضاقت حلقاته فإنه لا يغلب عسرٌ يُسرين.

 

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولإخواني رهائن الأقصى بالمغفرة.

{.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026