في مثل هذه الأيام قبل ستين عاماً, وتحديداً في عام 1948م كان الشعب الفلسطيني يتعرض إلى مؤامرة التهجير القسري, وترك أرضه مرغماً, وسط أجواء من الحرب الإعلامية والحرب النفسية, مصحوبة بممارسات إرهابية من قتل وحرق وتدمير ونهب وسرقة لكل شيء. ترك الأهل والآباء والأجداد ديارهم والاعتقاد يسيطر عليهم أنها أيام قليلة وسيعودون إليها , لم يساورهم أدنى شك في ذلك، متسلحين بصدق الانتماء , وعمق التجذر , وبالعرق والجهد والدم المسكوب في جبلة الأرض, لم يشكوا في أن هذه أرضهم وملكهم, عليها وُلدوا ,ومن خيراتها طعموا وشربوا , وبها ترعرعوا , بها الصبا والشباب والشيخوخة. لم يتاجروا بأرضهم كما هي الروايات المُخادعة , ولم يُسمسروا على حقهم كما هي مضامين الإشاعات , ولم يتركوا أرضهم ترفاً ورفاهية ورغبة... بل قهراً وخوفاً وشعوراً بالخطر على الحياة والعرض .
بلدتي وقريتي جزء من فلسطين , ووالدي ووالدتي وجدتي وجدي هم كشعب فلسطين الذي عايش النكبة والهجرة , وشربوا حسرة رحلة العذاب والمعاناة والضنك ... وكشيمة أصحاب الهمة والانتماء والوفاء للأرض وللتاريخ... فقد سلم لنا الآباء الفكرة والوجدان والمشاعر والأحاسيس , وبل وسلموا لنا الرغبة والإصرار على العودة , وورثوا لنا المفاتيح وأوراق الطابو وإثبات ملكية الأرض .
جلسنا أيام البرد القارس حول الموقد الفحمي نتناول الخبز المُسخن وزيت الزيتون والزعتر الجبلي، والوالد يروي لنا أيام الصبا ... لم يتمالك نفسه حين السؤال عن أي شيء له علاقة بالماضي , كنت أرى الحسرة علي وجهه , ولكن كنت أشعر بسعادته وهو يروي التفاصيل , ولا تكفيه ساعات ... وعليك أن تتصور حجم النقاش والجدل والسؤال حين يكون في الجلسة مجموعة من الكبار عايشوا الفترة , كنا نستمع ونراقب دقة المعلومة، وقوة الذاكرة، وعناد الموقف , واستحالة الشطب... وكان لنا دور هو استفزاز هذه المرجعيات التاريخية من خلال السؤال والتعقيب , وهو عبارة عن وصلة زمنها قليل جداً.
انحدر بحكم الانتماء من قرية صغيرة تسمى البطاني الغربي قضاء غزة , من الشمال منها , وهي بجوار بيت داراس، وتبعد ألفي متر فقط شرق مدينة أسدود. زرتها وأنا صغير حوالي ثلاث مرات وبصحبة مجموعة كبيرة من الأجداد الذين كانت ذاكرتهم حية, ترسم وتُفصل كل نقطة وزاوية من ملامح القرية . الدموع تنهمر , والإغماء يعم على البعض , والهنات والزفرات والحسرات تسيطر على النفوس... ولكن ملامح العزة والأمل والشموخ لا تفارقهم.
ما أروع البساتين , وما أجمل الأشجار, وما أعذب المياه الجوفية ... بيوت متواضعة ولكنها شامخة, شوارع ضيقة ولكنها جميلة , حياة بسيطة ولكنها سعيدة , علاقات اجتماعية منصوص عليها ومُحذور مُخالفتها، ولكنها بريئة ومُرغوبة ... قرية تملك روعة البساتين والمزارع، وجداول المياه والبيادر والبواكي... إذ هي آمنة جاءها البأس الصهيوني , وانقلب الحلم إلى خيال , والأمن إلى خوف , والجمال إلى بشاعة , والبراءة إلى الغدر والخيانة , والمسالمة إلى الحرب والعدوان والإرهاب , والملكية إلى الفقر , والاستقرار إلى الهجرة والشتات. فكيف ننسى الأسى , وكيف يضيع الحق , وكيف تُمسح الذاكرة... لن يضيع حق وراءه مطالب , ونحن بعد ستين سنة ما زلنا نحيي النكبة ونصر على العودة... وهذا دليل على أن حقنا لن يضيع في زحمة عوامل التعرية والشطب المقصودة والعفوية على مر العقود الست الماضية . فمات الآباء بعد أن سلّمونا العُهدة , ولن ننسى ما لنا , وسنُسلم العُهدة كاملة للأجيال .